مدينة حلب السورية تحتفل بإعلانها عاصمة للثقافة الإسلامية
في إطار التأكيد علي رؤية لهذه الثقافة تقوم علي الانفتاح والتسامحمدينة حلب السورية تحتفل بإعلانها عاصمة للثقافة الإسلاميةدمشق ـ القدس العربي ـ من أنور بدر: قبل أن نرصد لحظة الاحتفال التي عاشتها مدينة حلب في 18 آذار/ مارس الحالي، بمناسبة إعلانها عاصمة للثقافة الإسلامية، نشير الي أن تلك الفكرة التي نوقشت علي مستوي المؤتمر الإسلامي والمنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم الاسيسكو عام /2002/ وعام /2004/، جاءت كرد علي الاشتباك السياسي الذي حصل بعد أحداث 11 أيلول /سبتمبر، وما نتج عنها من توصيف للعالم الإسلامي باعتباره مبعثاً للإرهاب، وتوظيف ذلك ضمن نظرية صراع الحضارات، وكمحاولة للرد علي تلك الافتراءات وبيان أن الإسلام دين تسامح ومحبة، نشر موجات من ثقافة الانفتاح علي الآخر والتفاعل معه، كما أعطي حضارة وعمرانا وفكرا نيراً للبشرية، وهو بعكس ما ينسب إليه من تنمية واحتواء البؤر الإرهابية، والتي إن وجدت إنما توجد لأسباب اقتصادية وسياسية بعيداً عن ثقافة الإسلام وتعاليمه. في هذا الإطار أقرت مكة المكرمة عاصمة أولي للثقافة الإسلامية، نظراً للدور التاريخي والروحي والفكري الذي تلعبه في حياة المسلمين، وبعدها كانت مدينة حلب في سورية وأصفهان في إيران، واللتان يجري الاحتفال بهما هذا العام كعاصمتين للثقافة الإسلامية. عندما أقرت حلب عاصمة للثقافة الإسلامية في مؤتمر وزراء الثقافة للبلدان الإسلامية عام 2004، والذي عُقد في الجزائر، اعتمدت معايير موضوعية تتصل بالعراقة العمرانية والتراث الفكري والفني لهذه المدينة، والدور الثقافي والاقتصادي الذي لعبته تاريخياً، بما يؤكد التوجهات السابقة لمنظمة المؤتمر الإسلامي ومنظمة الاسيسكو في محاولة التصدي للاتهامات التي تعرضت للدين الإسلامي وللمسلمين، إذ كانت مدينة حلب مظلة حضارية استوعبت شتي المعارف والعلوم التي أنتجتها الحضارة الإسلامية عبر أربعة عشر قرناً. وقد تحدث الدكتور رياض نعسان آغا وزير الثقافة وممثل رئيس الجمهورية في رعاية هذا الاحتفال مرحباً بالضيوف الرسميين قائلاً أهلاً بكم مجتمعين في أرض هي أرض التنوع في الثقافات وفي الأعراق وفي الإثنيات حيث تلتقي كلها جميعاً تحت مظلة الثقافة الإسلامية .وأشار الدكتور وزير الثقافة الي أن هذه المدينة تختص دون غيرها من كثير من مدن العالم بسمات تزهو بها، حيث حفظت لكل الشعوب والأعراق حقوقها إبان الفتح الإسلامي، ففي حلب لا تزال تلك الثقافات حية، ولا تزال تلك الثقافات متفاعلة مع رسالة الإسلام وثقافته، وحين نقول الثقافة الإسلامية فنحن لا نقصد ديانة… وإنما نقصد فيما نقصد سلوكاً ونقصد كل ما يرفد الإسلام العظيم في قيمه، ففي هذه النهر العظيم الخالد، نهر الثقافة الإنسانية، لم نجد شيئاً في ثقافة الإسلام يتنافي مع الإنسانية. وفي هذا الإطار تحدث الدكتور تامر الحجة محافظ مدينة حلب، وتحدث الدكتور المنجي بوسنينة المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، والدكتور خالد أرن المدير العام لمركز أبحاث التاريخ والفنون والثقافة متحدثاً باسم منظمة المؤتمر الإسلامي، مؤكداً أن التسامح الديني الذي تتميز به مدينة حلب يعكس تراثاً حضارياً متنوعاً لكنه متجانس، وبنفس الوقت سمح باستقطاب رجالات الفكر والعلم والثقافة والفنون في العالم الإسلامي. بعد هذه الكلمات قام الدكتور نجيب الغياني صالح ممثل المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة بتقديم ميدالية المنظمة إلي المهندس محمد ناجي العطري رئيس الوزراء السوري وإلي وزير الثقافة د. رياض نعسان آغا وإلي محافظ حلب تقديراً لجهودهم في إنجاح هذه الاحتفالية، والتي توجت بعرض بانورامي علي شكل اوبريت بعنوان حلب علي صفحات التاريخ تم من خلاله إبراز تاريخ حلب منذ الألف العاشرة قبل الميلاد وصولاً إلي اليوم، وذلك في إطار لوحات فنية غنائية تمثل التراث الحلبي عبر الحقب التاريخية، وبشكل خاص الفترة الحمدانية. أعد هذه الأوبريت الباحث محمد قجة وأخرجها ماهر صليبي وشارك فيها عدد من الممثلين والمطربين إضافة للفرق الاستعراضية والتراثية والعزف الشرقي. كما تم في قاعة العرش بقلعة حلب تقديم عروض أزياء تراثية وشعبية، وأخري توائم بين التراث والحداثة. ہہہبعيداً عن الأجواء الاحتفالية نقول ان حلب حاضرة مدينية ازدهرت كمحطة تجارية منذ الألف السادس قبل الميلاد، لأنها تتوسط مدن الفرات ومدن ساحل المتوسط، مما جعلها محطة قوافل عبر طريق الحرير وطريق التوابل، لذلك كثرت فيها الخانات والقيسارات، ويذكر عبد الرحمن حميدة في كتابه محافظة حلب الذي أعيد طبعه في وزارة الثقافة بهذه المناسبة، أن أول ذكر لمدينة حلب جاء في عهد ريموش الأكادي /2515 ـ 2530/ ق.م. كما ورد ذكرها علي مسلة الملك الأكادي نارا مســين التي اكتشفت في ديار بكر، وفي كتابات إيبلا، كما يذكر الدكتور حميدة الإمبـــراطوريات التي مرت علي حلب من الحثيين في العراق 19ق.م فالمنتانيون والآشـــــوريون والفرس، ثم الحكم الهيليني والروماني وصولاً إلي الفتح الإسلامي، حيث تعاقبت علي هـــــذه المدينة كل العهود الإسلامية وأهمــــها المرحلة الأموية، إذ لعبت حلب دوراً هاماً كثغـر في مواجهة الدولة البيزنطــية، وكانت مركزا لتجمع الجيوش الإسلامية ومقر صائفـــة الخليفة الوليد بن عبد الملك ومن بعده سليمان بن عبد الملك ثم عمر بن عبد العزيز. ومن أهـــم آثار هذه الحقبة الجامع الأموي والمعروف بالجامع الكبير والذي بني علي غرار الجامع الأموي في دمشق. ولكن أهم مرحلة إسلامية بالنسبة لمدينة حلب هي مرحلة الدولة الحمدانية حيث تحولت إلي عاصمة حقيقية حملت لواء الإسلام في مواجهة الروم، واهتمت بالآداب والموسيقي والغناء، وبعدها نجد آثاراً للمراحل المرداسية والسلجوقية والزنكية فالأيوبية، وفي كل مرحلة بني العديد من الجوامع والأبراج والحمامات والدور الأثرية، وما يميز حلب عن غيرها من الحواضر الإسلامية أنها حافظت علي 80% من نسيجها المعماري القديم، في حين اندثر هذا النسيج من مدن أكبر كدمشق والقاهرة. وفي مدينة حلب أثران مسجلان في موسوعة غينس للأرقام القياسية، أولهما قلعتها التي يتجاوز عمرها تسعة آلاف سنة والأكبر مساحة بين القلاع إذ تمتد مساحتها علي (11) هكتاراً، ومع الخندق المحيط بها تبلغ (20) هكتاراً. والأثر الثاني يكمن في أسواقها المسقوفة بالحجر حيث يبلغ عددها (39) سوقاً، مجموع أطوالها (15) كم. كما يحيط بمدينة حلب سور قديم فيه تسعة أبواب. وقد اشتهرت حلب بصناعاتها النسيجية والحرفية، كما اشتهرت كمحطة قوافل وتجارة، وفيها أُنشئت أول قنصلية إيطالية وفرنسية وبريطانية، لتسهيل أمور التجارة، واشتهرت في حلب فنون الطرب والغناء ولا زالت تحتفظ بلون القدود الحلبية الأصيل فيها، والذي يعتقد البعض أنه هاجر إلي الأندلس فتطور إلي الموشحات، ومن ثمّ عاد إليها بعد انهيار إمارات ملوك الطوائف.كما اشتهرت الحياة الثقافية في مدينة حلب، حتي أنّ الشاعر الفرنسي الشهير لامارتين الذي عاش فيها ردحاً من الزمن دعاها أثينا الآسيوية إذ ارتفع عدد المطابع فيها بداية القرن المنصرم إلي (16) مطبعة ووصل إلي (38) في عام /1956/، وأول صحيفة صدرت في حلب عام /1867/ باللغتين التركية والعربية، ثم أضيفت لها اللغة الأرمنية بعد العدد الخمسين. وقد تعاقب علي تحريرها عدد من الأسماء أهمهم المناضل عبد الرحمن الكواكبي، إلي أن ألغيت سنة 1916.كما صدرت صحف حلب الشهباء ـ الاعتدال ـ جريدة العرب ـ جريدة حلب… ، وخلال مرحلة الانتداب الفرنسي صدرت الصحف التالية الجهاد ـ الشباب ـ الميثاق ـ الاتحاد ـ الأهالي ـ النذير ـ التقدّم ـ الوقت ـ الحوادث وأخيراً برق الشام التي صدرت بالفرنسية وتحوّلت إلي العربية بعد الاستقلال، كما ظهرت لاحقاً صحف الميزان ـ الوطن ـ التربية ـ الصباح ـ النهضة ـ الأمل ـ المرأة ـ رسالة العمال حتي جاءت قرارات تأميم الصحافة مطلع الستينات، فاقتصرت علي صحيفة محلية باسم الجماهير تصدر عن دار الوحدة التي تصدر صحيفة الثورة في دمشق، ومجموعة الصحف المحلية في المحافظات. وفي مدينة حلب عدد من المشافي البيمارستانات الإسلامية، تدل علي تطور حضاري وعلمي وعلي تطور معماري بآن ٍ معاً، وأشهرها بيمارستان الأرغوني و بيمارستان النوري ولكل منهما مدخلان رئيسي وفرعي، الأول يؤدي إلي ردهة إلي اليسار فيها حجرة وفتحات في جدرانها الأدوية، وإلي يمين الردهة حجرتان للانتظار والمعاينة الخارجية، وتتوسط بيمارستان الأرغوني بركة كبيرة مع نافورة ماء، وعلي جانبي الصحن رواقان في صدر الرواق الشرقي خمس حجرات صغيرة وأربع في الغربي، وفي جنوبي الصحن إيوان تعلوه قبة. ويعتبر هذا البيمارستان من آيات العمارة الإسلامية ويوجد الآن مشروع لإعادة ترميم وتأهيل هذه البيمارستانات.كما تتضمن احتفالية حلب عاصمة الثقافة الإسلامية ترميم القطاع الغربي من قلعة حلب وتطوير محيطها، إضافة لتأهيل الساحة أمام متحف القلعة.كما تشمل الاحتفالية ترميم بعض المباني الأثرية وتأهيلها لتكون متاحف أو مدارس أو منتديات ثقافية، وإقامة العديد من الأنشطة الفنية والاجتماعية، وحوالي /20/ معرضاً متخصصاً في الفن التشكيلي، والتصوير الضوئي والصناعات التقليدية والأزياء التراثية، والمخططات والوثائق والطوابع، إضافة لإلقاء أكثر من مئتي محاضرة و (10) ندوات دولية يُشارك فيها باحثون من أنحاء العالم أجمع، وطباعة أكثر من مئتي كتاب حول حلب وتراثها وآفاق مستقبلها، صدر منها حتي الآن الأدب الشعبي في حلب للباحث محمد حسن عبد المحسن، و محافظة حلب للدكتور عبد الرحمن حميدة، و أحياء حلب وأسواقها للباحث خير الدين الأسدي، ثم كتاب حلب في أحاديث الماء والجمال .وإذا كانت حلب قد عرفت أسماء مهمة في الثقافة والفن عبر التاريخ حيث أمّ بلاط الأمير سيف الدولة كل من الفارابي فيلسوفاً، والمتنبي شاعراً، وابن جنّي نحوياً والصنوبري في علوم الطبيعة، والأصفهاني مؤرخاً، فإنها أنجبت أسماء لامعة في العصر الحديث كالشاعر عمر أبو ريشة والكاتب وليد إخلاصي والقاص فاضل السباعي والناقد عبد الرحمن قلعجي وصولاً إلي الفنانين التشكيليين لؤي كيالي ـ فاتح المدرّس ـ سعد يكن إضافة لأسماء لا تقل أهمية في عالم الطرب أمثال صبري مدلل وصباح فخري وخيري حمام والمطربتين فاتن وميادة حناوي، كذلك فرق التراث الشعبي وأهمها فرقة شيوخ سلاطين الطرب .أخيراً ننقل عن السيد محافظ حلب أنّ ميزانية هذه الاحتفالية جاءت من مصادر متعددة، فالحكومة السورية رصدت مبلغ (100) مليون ليرة علي شكل سلف، والمحافظة بدورها خصصت (100) مليون ليرة لإعادة تأهيل البنية التحتية للمدينة، وهناك مساهمة من مجلس مدينة حلب، كما خصصت وزارة الأوقاف (70) مليون ليرة، في حين رصدت وزارة السياحة لحفل الافتتاح (10) ملايين ليرة، بالإضافة لتبرعات عينـية خاصة، فالقطاع الخاص تعهد بترميم عدد من المواقع الاثرية تصل كلفتها الإجمالية الي (150) مليون ليرة سورية، كذلك منظمة الآغا خان، كما تبرع أحد أبناء حلب بإنشاء الكرة الكبيرة التي تتوسط ساحة سعد الله الجابري والتي ستكون مسرحاً صيفياً تقدم من خلاله الفرق الفلكلورية فنونها، ومنها سينطلق الكرنفال الاحتفالي، وستفوق قيمتها الفنية أي قيمة مادية لها.لكن السؤال الأخير، كيف نحافظ علي مدينة حلب عاصمة حقيقية للثقافة، ولا نحوّلها إلي مُجرّد احتفالية يطويها الزمن؟! 0