مدينة ‘سيت’الفرنسية: جمهوريّة شعرية فاضلة

حجم الخط
0

صلاح بن عيّادـ لغة في غنى عن شعرائها:ما الذي جعل هذه المدينة تنجو من كارثة طبيعيّة اسمها ‘الجفاف الشعريّ’؟ ها هي مدينة شعريّة لا تشبه العالم في شيء. على سفحها يرقد ‘فاليري’ و’فيلار’ وجورج براسّانس وآخرون. مدينة بكاملها لا وجود فيها لمن يسخر من الشعر ولا من ‘خرف الشعراء’، فهل هذا يحدث؟مدينة بكاملها تفوح بالكلام منذ ‘بول فاليري’ إلى امكانيّة شاعر رديء استطاع التسلل بطريقة أو أخرى إلى هذه المدينة.ينصتون إليك بابتسامة للحروف العربية التي لا يفقهون معناها، ينصتون رغم ذلك فكأن العربيّة في غنى عن شعرائها إذ كان بإمكانها أن توجد في هذه المدينة اللغويّة دون الحاجة إلى نظرات شعرائها مهما تأخّروا أو تقدّموا.ـ إرث جورج براسّانس:ربّما لأن المغنّي الشهير ابن مدينة ‘سيت’، المدينة التي هي أقلّ شهرة من مغنّيها الذي كان قد أعدّ العدّة لهذه الأنهار الشعريّة اللغويّة. ربّما لأنّ هؤلاء النّاس ملعنون تماما كما الشعراء أو ربّما هم شعراء دون الحاجة إلى أن يعلنوا عن ذلك. شعراء لا يملكون طمعا في التشبّه بالنجوم ولا حتى بذرّة تراب لامعة.ـ كلمة إلى أمّة ديوانها الشعرشعر في كلّ مكان. القصيدة بما هي فنّ داخل الكلام تجد طريقها إلى الحواسّ دون الحاجة إلى مقدّمات تبريريّة من ذلك ‘نحن أمّة شعر، أمّة شفويّة، الشعر ديواننا، أمّة معجزتها الكلام’ إلخ… دون حاجة إلى حضور شرفيّ لحضرة السياسيّ ليعلن انتماء القصيدة إلى سلالة الفن. هذا وأشك تمام الشكّ أن تلك الأمة التي تدعي الشعريّة إلى آخر حلقة فخريّة ممّا تدعيه بأكثر شعرية وشاعريّة من هذه المدينة التي لا تدعي إلى حدّ هذه السّاعة شيئا رغم أنه مدينة عائمة في الاستعارة وغيرها من الأحلام.ـ نظرة تقنيّة: كلّ شيء مرتّب على نحو شعريّ. الاستعارات فتيات مجسّدات في كلّ ركن من المدينة. لم يكن فنّ الشعر بالغريب عن اخوانه وأخواته من الفنون الأخرى. كلّها متعانقة في مكان ما موجود بالفعل على حافة البحر الأبيض المتوسّط هذا وعلما أن كلّ العداوات قد اختفت إذ يمكن لك أن تنصت لشاعر ناطق باللغة العبريّة دون أن تفكّر ولو للحظة في الخطوط المرسومة على الخارطة الجغرافيّة التي ستبدو غبيّة لا محالة في الاتحاد الشعري الانسانيّ العميق.أمّا الجمهور فسيبدو لك بحاجة إلى الشعر. الشعر في هذه المدينة مطلوب لأنه يلبي حاجة ماسّة لجمهور لم يعلن بالطبع قبل هذا أنّ الشّعر من دواوينهم الأساسيّة.كراس مريحة، أسرّة معلّقة، حدائق، أنهج هادئة ونظيفة، بحر برمّته، ابتسامات صادقة، اغماض عين في ناحية ما من المستمعين. قبل متفرّقة كردّ فعل على جمالية الشعر، قوارب ذات أشرعة تحمل الشاعر وجمهوره للالتقاء في عمق الماء بين زمن الماء. والألوان بين كل ذلك في خدمة الشعريّة أيّا كانت جنسيتها. ما عليك إلا أن تقرأ نصوصك بالصدق المطلوب وبلغتك المطلوبة. حتى أن العرب من الشعراء قد هاجوا في الليل وحاولوا اللجوء إلى الطرب الذي كان ميزتهم. الجمهور طبعا سينصت لك بعفويته مع ‘مارسي’ من عيار عميق!أسئلة متفرّقة وبعيدا عن السقوط في المقارنات: بالاستماع إلى شعراء من جنسيّات عديدة قد يكون الشعر العربيّ متفوّقا وذلك موضوعيّا وبالارتكاز على الترجمات إلى اللغة الفرنسيّة إذ تبدو القصيدة العربيّة أكثر مغامرة من غيرها من القصائد الأخرى. لماذا إذن لا يصل الشعر إلى جمهورنا الواسع؟. لا أكاد شخصيّا أسلّم بأن الإشكال في الجمهور وحده بل في طرق تقديم هذا الشعر أيضا من بين عوامل أخرى. كلّنا يسلّم بأن الملتقيات التي نقوم بتنظيمها يجمعها البرود وسوء التنظيم والصبغة الرسميّة والإداريّة أحيانا بحضور مباركة السياسيّ. هي لعبة ترغيب يتوخّاها الفرنسيون مثلا في مهرجاناتهم وملتقياتهم ابتداء بأريحيّة القاعة مرورا برفاهيّة كرسي الجلوس التي قد تصبح أسرّة معلقة دون التغافل عن الألوان واختيار الحدائق والأماكن المفتوحة وغيرها كأمكنة لهذه الملتقيات. قد أتذكر هنا بتأمّل دور شبابنا المغلقة ذات الألوان الباهتة التي تفتقر إلى الشعريّة ممّا يجعل روّادها من القطط يفوقون روّادها من البشر!هذا طبعا إضافة إلى مستوى النصّ والوعي الضروريين في كلّ عمليّة تلقي. سيّدة من مهرجان الشعر المتوسّطي تشكو علنا قلة الجمهور المنصت للشعر في مدينتها ‘سيت’ على اثر الدورة الأخيرة وقد نستغرب شكواها نحن من تعوّدنا على جمهور لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية