مدينة كادوقلي السودانية أنصفتها الطبيعة وهزمتها الحرب

محمد الأقرع
حجم الخط
0

تستعد مدينة كادوقلي السودانية بإقليم جنوب كردفان، لاستقبال فصل الخريف وموسم الأمطار الذي يستمر لشهور طويلة هناك ويخلق مشاهد وأحوالاً قادرة على تبديد مظاهر التجييش الكثيفة والصورة الذهنية للحرب التي تحيط بالمكان.
بفعل الخريف، تتوشح المدينة الساحرة بالخضرة الكاملة التي تمتد حتى على أسطح المنازل البسيطة، الحشائش هناك تنمو في كل مساحة ممكنة، حتى بين صخور الجبال السوداء، بينما مثل منظر اخضرار السهول يشكل مشهداً آخر في غاية الإدهاش. «الدعاش» أو الرائحة التي تعقب نزول الأمطار سوف تعطر الشوارع والأزقة القديمة كالعادة بينما تمنح السكان دفعة كبيرة من النشاط، وقد تلمح ذلك بحيوية الناس وإيقاع الحياة المتسارع لديهم.
كادوقلي في الخريف، وصف يطلقه بعض السودانيين تدليلا على المتعة الفائقة وسحر الطبيعة الخلابة، ويشار إلى أن المدينة تقع في الحزام السوداني المطير ومنطقة السافانا الغنية، وهي بذلك تتميز بصيف حار ممطر تتراوح أعلى درجات الحرارة فيه ما بين 39 درجة مئوية في شهر نيسان/أبريل و31 درجة مئوية في آب/أغسطس وتتراوح درجات الحرارة الدنيا ما بين 23 درجة في أيار/مايو و17 درجة مئوية في كانون الثاني/يناير.
تمتد المدينة في منطقة جبال النوبة، وهي محاطة بسلسلة من التلال أبرزها جبل كادوقلي الذي يحمل اسم المنطقة ويبلغ حوالي 761 مترا، أسفل الجبل وحوله تنبسط المساحات الواسعة من السهول، التي تتخللها أو تشقها عدة خيران ومجارٍ طبيعية تفيض بالمياه في موسم الأمطار الموسمية، تتجه في جريانها عادةً من الشمال إلى الجنوب. ويذكر أيضاً أن جبال النوبة عموماً تتكون من عدة تلال وجبال. فإلى جانب جبل كادوقلي تشمل المنطقة أيضاً، جبال الدلنج وكاودة، والجبل الأبيض والقيقر، وهيبان وجبل الريكة، وجبل السما، والليري، وأمدوال وجبل كلولو… ألخ.

روايات تُحكى عن تاريخها

يقول إيهاب مادبو وهو صحافي وناشط ثقافي وسياسي، إن كادوقلي وهو الاسم الصحيح والتاريخي، يعود لاسم إحدى قبائل النوبة التي تسكن المنطقة وهو أيضاً اسم الجبل الذي تقع المدينة على سفوحه.
ويوضح بأن المدينة اليوم مكونة من 39 حيَّاً منها الملكية، والرديف، وحي السوق، والبان جديد، وحجر النار، وكليمو، وحجر المك، وأم بطاح، وكُلبا، وحي الجِكو، وحي الفقرا، وحي اللقوري، وحجر بليلة، ودردق، وحي مرتا، وحي تافري، وحي السلخانة، وحي تلو… ألخ.
روايات طويلة تُحكى عن تاريخ تكوين ونشوء المدينة، فهي كانت نقطة مهمة تسابقت بعض الممالك القديمة في السودان للسيطرة عليها. مادبو يقول إن قبيلة كادوقلي من القبائل التاريخية في المنطقة، وإن زعيمها الأول يسمى المك رحال، الذي كان يمتد سلطانه في المساحة ما بين جنوب منطقة الدلنج إلى حدود منطقة تلودي. ويضيف لـ«القدس العربي» في «المنطقة تعايشت أيضاً مجموعات كبيرة جداً من العرب الحوازمة والبقارة، ودار جامع وأولاد نوبة والدلمية والشنابلة، وتصاهرت فيما بينها ومع النوبة وحدثت أحلاف». وفي سياق النسيج الاجتماعي للمدينة كذلك تعيش في كادوقلي مجموعات أخرى من دارفور مثل قبائل الداجو، والفلاته والبرنو، كما توجد مجموعات بسيطة من شمال السودان، دناقلة، وشوايقة جعليين ومن الجزيرة.
الملك أو المك رحال، يقول بعض المؤرخين أنه هو الحاكم السادس الذي امتد حكمه إلى 37 عاماً في الفترة ما بين 1880-1917م في سلسلة حكام كادوقلي، ولقد ورث السلطة عن والده أندو كادوقلي (كداولي). وينسب له الفضل في تطوير المنطقة والدخول في أحلاف محلية مع المملكات المجاورة منها مملكة تقلي، ومملكة دارفور، لاحقاً الدولة المهدية التي كان أحد قادتها المحاربين.
في ذكر ارتباط الشخوص بالمكان يحكي التاريخ عن المك علي الميراوي الذي دخل في العام 1915م، في معارك ومناوشات ضروس مع الجيش الإنكليزي الذي كان يحتل السودان، وكان السبب في ثورة الميراوي احتجاجه على ضريبة الذقنية التي كانت تفرض على الذكور البالغين، وقاد المك ثورة شرسة جداً خلدها التاريخ.

أعراف وأحلاف

تأسست كادوقلي على أعراف وأحلاف سنتها المكونات الاجتماعية المتنوعة هناك. يقول مادبو عن تلك الأحلاف: «هي عبارة عن أعراف اجتماعية أنتجتها عقلية المكونات للتعايش مع بعضها البعض، وتتنوع هذه الأحلاف وأشهرها حلف الدم، وهو يكون بين شيوخ أو ملوك قبيلتين، إذ يجرح كل واحد فيهم يده بسكين قبل أن يقوم بمصافحة الآخر في مشهد احتفالي محضور لكل أفراد القبيلتين ويقولون (يقطعنا سيف يربطنا خيط)».
ويرى مادبو أن تلك الأحلاف أسست لعلاقات اجتماعية واقتصادية بين المكونات المحلية كما أنها كانت القاعدة الصلبة التي بنيت عليها المدينة، ويكشف أن بعض المجتمعات ما زالت محافظة على أحلافها رغم الشروخات التي أفرزتها الحرب في المنطقة.
اليوم تعتبر كادوقلي أحد المراكز المهمة في تجارة الصمغ العربي والمواشي، وتوجد فيها بعض الصناعات الخفيفة مثل الغزل والنسيج والصابون ودباغة الجلود. وترتبط كادوقلي بطرقٍ ممهدة بمدن مثل الأبيض عاصمة شمال كردفان على بعد 290 كيلو مترا، ومدينة تلودي وغيرها، لا يمر بالمدينة خط للسكك الحديدية، ولكن هناك مطاراً دولياً.
تعاني كادوقلي من رداءة وقلة في الشوارع الداخلية المسفلتة، وتتباين الملامح الحضارية وشكل المباني ما بين البسيط والتقليدي والراقي والحديث، أيضاً هناك أحياء للموظفين ذات المنازل العريقة.
تمتاز المدينة بتنوع ثقافي ثر، بيد أنها كانت نقطة تلاقح لثقافات المجتمعات المحلية ومنها البقارة والنوبة، بحيث استطاعت أن تخلق هُويتها الخاصة، هناك على سبيل المثال إيقاع الدرملي ـ وهو إيقاع جميل وراقص- الذي لا ينسب لأي قبيلة، ومن المرجح أنه جاء نتاجَ التصاهر. تشتهر كادوقلي أيضاً بثقافة النفير، وهي توصيف محليا لعمل جماعي وتطوعي مستعجل في الزراعة والحصاد، ورد العدوان أي الفزع.
الصُراع أو المصارعة المحلية، هي الأخرى من الثقافات المشتركة بين كل مكونات المنطقة، ويلاحظ كذلك إيقاع المردوم لدى أهالي كادوقلي يختلف عن المردوم في منطقة غرب كردفان، فهو هنا أكثر عنفاً وسخونة مثل إيقاع الكمبلا والكرن، اللذين يستخدم فيهما ضرب الأرجل على الأرض، والمدينة أيضاً غنية بإيقاعات الكيسة والنقارة والسلبونج والقيدومة… ألخ.
تعد كادوقلي من مدن السودان الرياضية البارزة، حيث قدمت الكثير من نجوم كرة القدم في الأندية الكبيرة في العاصمة مثل ناديي الهلال والمريخ، كما أن في المدينةِ أيضاً هناك نادي هلال كادوقلي الذي ينافس في الدوري الممتاز. ويذكر أن من أبنائها أيضاً العداء السوداني العالمي الشهير والحائز على الميداليات الذهبية أبوبكر كاكي.

موجات كبيرة من النزوح

المتوغل في المدينة سيكتشف عدة أشياء، أولها أن غالبية المارة والباعة هم من فئة الشيوخ، كما سيلاحظ أن الدراجات الهوائية هي الوسيلة الأكثر انتشاراً، وذلك نسبة لقرار السلطات بمنع استخدام الدراجات النارية هناك، لكن يظل المَلمح الأبرز بالإضافة لسحر الطبيعة، هو الانتشار الكثيف للقوات الأمنية ودرجة تسليحها، مثلاً من الطبيعي أن تجد رجل المرور يحمل بندقية كلاشنكوف، وقد يكون ذلك لظروف الحرب أو التفلتات الأمنية التي تشهدها أحياء كادوقلي.
الحرب التي ظل يشهدها إقليم جبال النوبة منذ سنوات بين الحركة الشعبية لتحرير السودان والسلطة المركزية بالخرطوم، ألقت بظلال سالبة على المدينة التي شهدت مناوشات حربية وموجات كبيرة من النزوح.
يقول مادبو: «الحرب لها تأثيرات سالبة على المدينة سواءً حرب الثلاثين عاماً ضد نظام البشير، أو الحرب الأولى التي انطلقت في العام 1984م، حيث تسببت في تفكُّك النسيج الاجتماعي جراء الاستقطاب والاستقطاب المضاد». ويضيف: «كانت كادوقلي تعيش في ظُلامات كبيرة في فترة الحرب، خاصة قبل تسابق النظام البائد بالتصنيفات أو بما يعرف بالطابور الخامس، كان أي شخص يتم القبض عليه تحت هذا المسمى أو التهمة يتم إعدامه في خور شهير اسمه خور العفن جنوب كادوقلي، أو في منطقة الشعير شمالاً».
ويتابع قائلاً: «لم تكن هناك أجهزة اتصال للتوثيق، لكن نحن شاهدنا بعض الجثامين والأشلاء ملقية في خور العفن، كان منظراً فظيعاً جداً، أجيالنا عاشت تجربة الحربين رأينا فيها مشاهد كثيرة جداً كان الناس يُقتلون في ميدان الحرية ويتم عرض جثثهم».
وقال إن الحرب تسببت بحدوث مجازر إنسانية وانتهاكات كبيرة لكرامة المواطن، كما تسببت في تفرقة عنصرية واستقطاب على أساس اللون والدين، ويذكُر في هذا السياق، أنه تم إعلانُ الجهاد على النوبة في العام 1992م عقب الفتوى الشهيرة لعلماء السودان بمدينة الأبيض.
وأضاف: «الحرب أحدثت شروخاً كبيرة في بنية المجتمع لم تسلم منها كل الأجيال، كما أنها تسببت في انتشار السلاح، والميليشيات أيضاً أثرت في القطاع الاقتصادي».
وبالرغم من ذاكرة الدم التي يحكي عنها مادبو، إلا أنه يعتقد أن ثورة كانون الأول/ديسمبر فتحت أفقاً جديداً أمام المدينة لتعود سيرتها الأولى وتخطو بثبات في طريق التنمية، كما أنها تمثل الأرضية الأولية لإجراء المصالحات والعدالة الانتقالية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية