مذاق العالم في مجاز «للريح أن تتهجى»

يأتي الشعر بسيطا كما لو كان الشاعر يضبط ساعة في معصمه، ثم ينظر إلى الكون من حوله، فيرى الزمن يتحرك ضمن بانوراما إيقاعية تعزفها أيادٍ غير مرئية، تنتظم ضمن رؤى شعرية تتشكل في وجه صقيل يسمى قصيدة، تلك هي تجربة القراءة في مجموعة «للريح أن تتهجى» للشاعرة كريمة دلياس.

هندسة الشعر من الشخصي إلى الشعري:

يشكل معمار المجموعة شكلا ثق،افيا يمنح مفاتيح أولى لقراءة كيفيات إنتاج القصيدة لدى كريمة دلياس القادمة من علوم الإعلاميات، وهو أول سؤال يرسم وعي القراءة الباحثة عن شكل أو معنى للقصيدة في معادلة رياضية.
أجد في الشكل الهندسي للمجموعة المشكّل من «نوافذ» و»شرفات» تنفتح على (مقامات، ريح، كيمياء، غواية…)، وكأنها عتبات للشاعرة، تستطلع من على منصة تأويلاتها فضاء لما يمكن أن يكون بَعْدِيًا، أي بعد ولادة الرؤية الشعرية، وبعديا لما أسميه بغيب الشاعر الشعري، مستلهما المعادلة والمنطق في كتابة بهجة الشعر.
تميزت المجموعة في عمومها بقصر الجملة الشعرية، بما يحملها منطقا معتدلا في الإفصاح عن المعنى، وكأن المقطع الشعري يحمل تركيبة دالة قريبة من منطق المعادلة شعريا، لكن بشفافية الخيال السابق في وجوده، فالمعنى القار في مسار المقطع:
في طواحين الفراغ
والصمت المريب
يتناسل الصدأ
ويدمدم
فالفراغ سكون، لكن الطواحين تجعل له حركة، تلك التي تولّد الصمت، فالصمت كينونة وجودية دالة، ولأن الصدأ لا يتوالد سوى بالتفاعل، فكذلك هو تفاعل الفراغ في ظل حركة طواحينه، لإنتاج الصمت، ولأن السكون عطالة فهو شبيه بالصدأ، واستمرار الصمت أو «تناسله» بتعبير القصيدة، إنما يفجر «الدمدمة» المتوافقة مع حركة العطالة الوجودية، التي وإن بدا أنها في حركة إلا أنها في «فراغ» و»صمت» فالمقطع تقريبا يكشف عن خطاطة مبنية على منطق خاص بشعرية الموقف اتجاه العالم.

العنوان مفردات للتهجئة:

يشكل العنوان بداية السؤال الملح حول العلاقة بين العتبة الأولى التي «تقدمه بالمعنى الاعتيادي للفظ» كما يقول جيرار جنيت، والعتبات العنوانية التي تقوم على قمة النصوص. يبدو أن لعنوان المجموعة «للريح أن تتهجى» علاقات مخيالية تقوم في ذهن القارئ، فهذه الريح المقبلة مما وراء الشاعر، أو غيبه الشعري، ليست سوى القصيدة الباحثة عن معنى في سياق «الكتاب» فيبدأ الربط المتعالق منطقيا مع «المفردات» الدالة كتهجئة الـ»نوافذ» أو الـ»شرفات» (مقام، جسد، همس، غواية..)، وهكذا تغرينا الشاعرة وفق منطق رياضي ببداهة شعرية.

مجاز بمذاق طفولة العالم:

يمتثل الشعر لوجهة غير محددة مسبقا، وإلا تحول إلى بيان، وقد يستلهم الشاعر من لحظته تلك لافتة تمرّ عبر الخيال ليسجل بها شيئا خطر أو لم يخطر على باله، وتلك هي شهقة الشعر، حين تنخرط متزحزحة مما وراء الكلام إلى وضع الكلام الوجودي:
«نافذة الليل مشرعة على بحر المجاز»
فالليل لحظة بطبيعتها مفتوحة على تعب نهاري، ولهذا يكون وقتا مثاليا لترميم مجرد الكلام، بفراغات المجاز، حيث الحلم ووسادة الشاعر المهيأة للعبور بمخياله صوب الجهات غير المحددة بعلامة، فيتأكد في وعي الشعر التداخل بين الذات والعالم ليصبحا الأداة المشعة باللاحضور: «وينصهر في توه شعاع اللامرئي».
لا يشرق المجاز من التهميش على صفحات كناش الجيب، لأن الجهوزيات كافة تنهدم على جدران القصيدة، إذ يمحق انخطاف الشاعر حضور الشكل، «لعري الكائن/لا تتسع نافذة المجاز». نتخلى عن أشكالنا، نزيح ما يحتجزنا داخل حفرة الجسد. أبْلَغُ من الشكل فسحة الروح، وذلك ما يجعلنا لا نرفض غموض العالم، لأن الكائن غامض أو «الإنسان ذلك المجهول» بتعبير ألكسيس كاريل، ولهذا لا يسع الشاعر المجاز، إنه يبلغ جهده ليقول ما يتجاوزه، المجاز أقل من أن يحيط فكرة «الإنسان/الشاعر» «إلى مداي أمشي» أي مسافة تحدد هذا الذي تدركه القصيدة وتسميه «مدى» لا مسافة هناك سوى ظلال شبيهة بالكينونة ترسم الوعي بالأشياء لتنشأ المقدرة على ملاعبة الكينونة في نطاق الوجود المرئي.
يستقطب المعنى الشعري ترجيحات مقولية تنتقل بين مسارات الحلم، ولا يسع المقبل من تعب «النهار» سوى الحنين الطفولي لسرير يتراقص، كما أرجوحة تتمدد عند مداخل الوهم بالعودة إلى الحلم، وهنا يأخذ «الليل» معنى الانفكاك من الفلكية والاندماج في موجة استثنائية غير ضاربة لكون شعري حالم، مؤكدا على الحلم بتلاشي الليل، ليتمكن «المجاز» من الإعلان عن نفسه محدثا رنين الاستطراق، الذي يفلت من الصوت ذبذبته لينبثق موسيقى صامتة متناهية إلى الموسيقى الكونية، فنسمع:
«العالم يتثاءب» هل ليندمج معنا في سرير الطفولة؟ أم ليحلم بطفولة العالم المتماهية مع طفولتنا؟

تقاسيم على مقام الدفق:

هل يمكن قراءة الشعر كإمكانية للجزم؟ طبعا غير ممكن، لأنه يحمل إمكانيات الحلم المشرعة على مستويات متعددة، من فصل المقام الوجودي، ولعل ديوان «للريح أن تتهجى» يبدأ هذا المسار بإمكانية «الهبوب» في التسلل داخل شقوق غير مرئية لنقل همسها اللامعلن، «تكتب الريح أبجدية المحو» حيث لا تترك وهي تقصف بعواصفها إمكانيات التحديد، فيصبح الشعر حاملا لهذه الإمكانية، بل لعلها تتحرك (الريح) في التماهي، مفسحة المجال لإنجاز اللامنتظر، «من دون أن تشكل الريح لقاحا» هويات الأشياء إذا وردت شعريا متفاعلة مع منطق الدلالة المباشرة تفقد الشعرية وطنها المستقر في الحلم، الريح شعريا، تنبني في هوية المحو، لإنتاج الوعي بالعالم في توهجه على جدران الزمن، الزمن دون تحديد، «أربت على كتف الوقت» حين يحاذي جنب الشعر سيرورة المسار العائم في ماء الكينونة، يكون الوعي بالوقت، كما الصداقة بين الذات ومفردات العالم في صورها المختلفة، لكن تلك التي لا تخضع بالضرورة إلى قوانين الحضور والمشاهدة، «وحدها نافذة الغياب تراقص الريح» حين تتشكل المرايا من طينة الشعر يمسك الشاعر ردهة في كون من غياب، وحينها يشعر في عمق لا حضوره إمكانيات عديدة للحضور، ملغيا فيزياء الانحباس، مستثمرا في لاوعي الدفق، حينها لا يتعجل الإجابات، وحدها النوافذ التي شرعتها «الريح» تستقبل الشاعر، «في فج السؤال تبتلعني النوافذ» فما يستعد لاستقبال غرور الشاعر، هو بالضرورة مرقد للأسئلة، فالنوافذ التي رسمها منطق الرياضيات تتحول إلى منطق الفراغ الذي تشكله كي يعبر العالم إلى الداخل.

أزمة الكينونة أزمة الوجود:

إشكالية الموت بتعابير الوجود تمثل الفكرة المتجلية في حوار الإنسان عبر أمدائه الشعرية لبعده الخفي، «دمي الأزرق يحاصره البياض» فالصعود من الأزرق، لون الموت، إلى البياض لون البعدية، لون الفراغ الوجودي في الحضور، يشكل هاجسا مثيرا للأسئلة، ليس باعتباره لا شيئا، لكن باعتباره العدم المحايث للشيء، فالرحلة المستمرة في «المدى» الشعري للأعلى، تنكتب غوايةً للسؤال عن مسار الوجودية ذاتها، «إلى مداي أمشي ألتحف زرقتي، وأسمو إلى الغيم».
ما هو هذا المدى الذي يتردد ذكره، أمسرحا للوجودية، أم مسارا بهويات متطاحنة؟ إلى ذلك الشيء يتكرس «المشي» وعنده، ليس هناك من نهاية سوى «الصعود» «أسمو إلى الغيم» فالمسار الوجودي هو حكاية الأفقي والعمودي، متاهة ما يستشكل باعتباره بداية، وما يتفكك إلى الوضوح باعتباره نهاية، وبينهما تتمثل الشعرية الطاعنة في الغموض أمام الوضوح، ويقف الشعر منتبها إلى غياب «التجلي» «أسمو إلى الغيم».
في ظل المتاهة والتعب الوجوديين تتمظهر إشكاليات العنت الإنساني، التعالي المكابر لأجل الانتصار لحظ الأثر المدمر:
«بلا وجل
تمطرين أيتها الحرب
في أي دولاب
يا ترى،
خبأت زينتك؟»
تشمل الأزمة الوجودية، الكينونة، باعتبارها حركة نحو الأشياء في تمظهراتها الأشد غموضا، فالشعر لا يشير إلى الحرب باعتبارها نشازا، لكن كونها تجربة إنسانية، ولأنها لا تتساوق والبعد الجوهري الكامن في جمالية الوجد، يسائلها الشعر عن «زينتها» باعتبارها «حربا عادلة» لكن ميزة الشعر أنه يبحث في المناطق الرمادية، تلك التي تنطق فيها الأشياء بمسميات غير معروفة، فالحرب متصارعة في ذاتها قبل أن تترجم صراع الوجود، الإنسان ضد الإنسان. القصيدة، تمثلت برهة الوعي بالسؤال الحائر في معادلة الخوض في غموض الأشياء.

كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية