حتى الآن لا توجد أهمية ملزمة أو تداعيات عملية لقرار مجلس الشيوخ الأمريكي، لاعتبار مذبحة الأرمن في الأعوام 1915 – 1922 إبادة شعب. صحيح أن تركيا استدعت السفير الأمريكي في أنقرة من أجل الاحتجاج وتحذير الأمريكيين من الضرر الذي يمكن أن يسببه هذا القرار في العلاقات بين الدولتين، ولكن يبدو الآن أنه لا يوجد لتركيا كثير لتخسره بعد أن اعتبرت 32 دولة، منها إيطاليا وفرنسا (ولكن ليس بريطانيا وإسرائيل)، المذبحة إبادة شعب.
مشكوك فيه أن يكون قرار مجلس الشيوخ نابعاً من اندلاع مفاجئ للحساسية من إبادة الشعب الأرمني، أو القلق من تكرار أحداث تراجيديا كهذه. يبدو أن المساهمة الحاسمة في هذا القرار وفرها رئيس تركيا أردوغان، بقراره غزو سوريا واحتلال المناطق الكردية. وكل ذلك بعد أن أعلن ترامب عن نيته التي لم تنفذ بعد، سحب القوات الأمريكية من سوريا. أصبح أردوغان في مرمى هدف الكونغرس الأمريكي منذ قرر شراء الصواريخ المضادة للطائرات الروسية “اس 400”. وحتى قبل ذلك عندما قام باعتقال قس أمريكي وعامل تركي من القنصلية الأمريكية بتهمة إجراء علاقة مع حركة رجل الدين المنفي، فتح الله غولن.
وليس أردوغان هو الوحيد الذي تلقى صفعة من المشرعين الأمريكيين، فالرئيس ترامب أيضاً بذل جهداً كبيراً لمنع القرار، ومجلس النواب أيضاً تبناه في تشرين الأول، والآن في مجلس الشيوخ. ترامب الذي دافع عن أردوغان في قضية شراء الصواريخ الروسية واتفق في مكالمة هاتفية واحدة حول مسألة الانسحاب الأمريكي من سوريا، وجد نفسه في المسألة الأرمنية أمام مجلس شيوخ جمهوري مشاكس، مستعد للمسّ بالرئيس طالما أن الحديث بعيد عن أمور متعلقة بأمن الولايات المتحدة. براك أوباما قد يبتسم إزاء فشل ترامب، ولكن يمكن تذكيره بأنه هو نفسه وعد بتمرير القرار، ثم تراجع إزاء الخوف من المس بعلاقاته مع تركيا.
يبدو أن الخوف من رد تركيا أصبح لا يخيف المشرعين في الولايات المتحدة. وفي المقابل، لم ينجح المشرعون والحكومة في إسرائيل بعد في الاعتراف بإبادة الشعب الأرمني. استند مبرر إسرائيل خلال السنين إلى ركيزتين: الخوف من أن الاعتراف بكارثة شعب آخر سيسلب حصرية الكارثة اليهودية باعتبارها الحدث التاريخي الذي لا يتكرر والمميز، والخوف من قطع العلاقات بين إسرائيل وتركيا.
وفي الفترة التي وصلت فيها العلاقات بين الدولتين إلى جمود عميق في أعقاب قضية سفينة “مرمرة” في العام 2010، ورغم تبادل الاتهامات والشتائم التي تعرضت لها إسرائيل من أردوغان، امتنعت عن اجتياز الحدود وإظهار موقف أخلاقي مناسب. العلاقة بين تركيا وإسرائيل لم يتم إصلاحها فعلياً. ولكن إسرائيل الآن حذرة من عدم إغضاب تركيا بسبب مستقبل أنبوب الغاز الذي سيربط بين حقول الغاز بين إسرائيل وأوروبا. وبعد أن وقعت تركيا على اتفاق ترسيم حدود بحرية بينها وبين ليبيا، ربما تحتاج إسرائيل إلى إجراء مفاوضات اقتصادية مع تركيا حول مرور الأنبوب. الأرمن سيضطرون إلى الانتظار.
لقد حلق خوف إسرائيل من أن الاعتراف بإبادة الشعب الأرمني سيعيد من جديد إلى النقاش العالمي مسؤولية إسرائيل عن النكبة، التي لا تعترف هي بها. واقترحت تركيا في العام 2005 تشكيل لجنة من المؤرخين الأتراك والأرمن، يفحصون “بصورة علمية” الحقائق المتعلقة بطرد الأرمن وقتلهم. في إسرائيل فكرة مشابهة بخصوص النكبة كانت ستوضع على الفور كهدف خبيث للتشكيك بشرعيتها. تركيا مثل إسرائيل، خلقت رواية موازية؛ فهي لا تنفي أن الأرمن قتلوا في معارك حدثت على أراضيها في الحرب العالمية الأولى، لكنها لا توافق على عدد القتلى وظروف موتهم.
وكتب الموقع الذي أنشأته هيئة الإعلام الخاضعة لمكتب الرئيس، والذي يعرض المواقف الرسمية: “صحيح أن هناك بعض الأرمن قد فقدوا حياتهم خلال تغيير مكان إقامتهم، لكن الأحزاب الراديكالية للمهاجرين الأرمن بدأت في الادعاء بأن عدد القتلى هو 600 ألف شخص أثناء نقل مكان السكان. وبعد ذلك ارتفع العدد إلى 800 ألف، وفي النهاية وصل إلى 1.5 – 2 مليون شخص. مثلما في مسألة اللاجئين الفلسطينيين، وتركيا أيضاً تعطي أهمية للعدد والظروف. هذان الأساسان يمكن أن يتسببا بمطالبة مستقبلية من تركيا، ليس فقط الاعتراف والاعتذار، بل إعطاء تعويضات أيضاً.
يجب الاعتراف بأن مفهوم “تغيير مكان الإقامة” هو اختراع ناجع جداً، فمن يقوم بتغيير مكان إقامته لا يعتبر لاجئاً، بل يريد تحسين جودة حياته. عندما يكون هذا موقف حكومة تركيا الرسمي، يجب أن تزول الدهشة من المقالات التي تنشر في المجلات المهنية مثل المجلة التي تصدرها نقابة المحامين في إسطنبول. في أحد أعدادها كتب مصطفى تشاليك: “نؤيد طرد الأرمن في العام 1915. ومن يعتبر الطرد إبادة شعب فهو مثل من يعلن الحرب. الأرمن وآخرون الذين يسمون الطرد إبادة شعب، يواجهون خطر طرد جديد. وهي الخطوة الأكثر سهولة التي يمكن القيام بها ضدهم… إذا كنا نؤمن بأنه لا توجد طريقة أخرى للدفاع عن وطننا ووجودنا القومي، فإن خطوة الحد الأدنى هي القيام بطرد جديد”. صحيح أن تشاليك كتب هذه الأقوال عن الأرمن، لكن يجب على الأكراد أن يحذروا.
بقلم: تسفي برئيل
هآرتس 16/12/2019