“مذبحة المسجدين” في نيوزيلندا عار على الـ”فيسبوك”… وطوني خليفة في “التتخيتة” يهز الرأي العام

حجم الخط
28

بعد يوم واحد من مجزرة نيوزيلندا، جاء العنوان العريض لجريدة “الديلي ميل” البريطانية على صفحتها الأولى” الجريمة… عار على الفيسبوك”. كانت الجريدة، بالرغم من اتجاهاتها اليمينية المعروفة، محقة في ذلك.

فمنذ فترة طويلة، اتخذ القاتل اليميني المتطرف، برينتون تارانت، من الـ”فيسبوك” منصة لأفكاره المريضة المعادية للمهاجرين، الذين يسميهم بـ”الغزاة”. وزيادة على ذلك، نشر مخططه الإجرامي المدروس على صفحته قبل تنفيذه بشهور. ولم تفعل إدارة الـ”فيسبوك” شيئاً مقابل ذلك. وبلغت الفضيحة ذروتها القصوى بعد أن نشر القاتل فيديو يصور مجريات عملية القتل، وجثث وأجساد ضحاياه في مسجدي مدينة كرايست تشيرش الهادئة، المتسامحة، الواقعة على الساحل الشرقي من الجزيرة الجنوبية من نيوزيلندا، من كاميرا كان قد ثبتها فوق رأسه.

استمر الفيديو بالدوران لمدة 17 دقيقة. وكان وقتاً كافياً جداً ليتمكن بعض الفيسبوكيين المرضى نفسياً من إعادة نشره، حتى وصل إلى شبكة الـ”يوتيوب”.

صحيح أن الناطقة باسم الـ”فيسبوك” أكدت حذف الفيديو بعد تحذيرات الشرطة النيوزيلندية. لكنه كان قطعاً بالقوة هذه المرة! وكان الوقت قد فات! بعد أن أخد المجرم وقته الكافي في بث رسائل مجزرته وتعميم رسالته المريضة، التي كان يحرض فيها على العنف والكراهية والحقد والعنصرية، وقتل الناس الأبرياء وهم يتوجهون برؤوسهم نحو السماء، طلباً للمغفرة والسماح!

استمر الفيديو بالدوران لمدة 17 دقيقة. وكان وقتاً كافياً جداً ليتمكن بعض الفيسبوكيين المرضى نفسياً من إعادة نشره، حتى وصل إلى شبكة الـ”يوتيوب”.

يقول القاتل في إحدى رسائله البغيضة، بعد أن أعلن تأثره بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، باعتباره “رمزا لإعادة الاعتبار لهوية البيض”: “إن أرضنا لن تكون يوما للمهاجرين. وهذا الوطن الذي كان للرجال البيض سيظل كذلك، ولن يستطيعوا يوما استبدال شعبنا”.

ويعلن عن نواياه علانية في رسالة جهنمية أخرى: “إني أنتقم لمئات آلاف القتلى الذين سقطوا بسبب الغزاة في الأراضي الأوروبية على مدى التاريخ، ولآلاف المستعبدين من الأوروبيين، الذين أخذوا من أراضيهم ليستعبدهم المسلمون”.

رغم كل هذا، ظلت إدارة الشبكة التواصلية العملاقة صامتة. وليس هذا بالموقف الجديد. لقد حذرتها عدة مرات حكومات ومؤسسات عديدة من خطورة ما يكتب على صفحاتها.

وقبل فترة، استدعى الكونغرس الأمريكي مارك زوكربيرغ، مؤسس الفيسبوك، لسماع أقواله في ما يخص إهمال الشركة وقصورها في مراقبة المواقع المشبوهة، وقبل ذلك، انفجرت فضيحة تعامل الفيسبوك مع شركة “أناليتيكا كمبريدج”، وتغطيتها على تسريب هذا الموقع لآلاف مؤلفة من المعطيات الشخصية للمشاركين، كما كشف بعد مجزرة المسجدين، أن هناك أكثر من 2500 موقع تبث رسائل الحقد والكراهية والعنصرية، ما تزال تحتل صفحات الفيسبوك، رغم معرفة الإدارة بها بعد تلقيها معلومات موثقة عنها!

لكن الغفلة، إذا كنا حسني النية، أو التغاضي عن نشر رسائل القاتل الاسترالي اليميني المتطرف برينتون تارانت قد أحدثت الصدمة الأكبر، وسوّدت، ربما لأمد طويل جداً، صفحات الفيسبوك، الذي تحول تدريجياً من منصة للتواصل الإنساني، ونشر الحب والمودة بين البشر، إلى أداة جهنمية لنشر الرعب، وتخطيط للقتل العلني، ودعوة صريحة للموت.

“لقد طفح الكيل”، كما عبّر وزير الداخلية البريطاني ساجد جاويد في فورة غضبه على الفيسبوك.

ويبقى السؤال الأكبر: لماذا يفعل الفيسبوك ذلك؟!

                                                  بين أب عاجز وأم مهملة: أحمد لا ينمو

طوني خليفة، الإعلامي اللبناني “المخضرم”، الذي بدأ مشواره المهني منذ سنة 1992، قدم الكثير من البرامج التلفزيونية مثل: “لمن يجرؤ فقط” و”ساعة بقرب الحبيب” و”للنشر” وغيرها. وقد حققت برامجه في أغلبيتها نجاحاً باهراً، وبعضها أثار في كثير من الأحيان جدلاً كبيراً في الأوساط الفنيّة.

أما برنامجه الحاليّ “طوني خليفة”، الذي يقدمه كل يوم اثنين في تمام الساعة التاسعة والنصف مساءً على شاشة “الجديد” اللبنانية، فهو يشكل بصمة استثنائية في مسيرته.

البرنامج يسلط الضوء على قضايا إنسانية عاجلة، كما يحاول “التصدي للفساد”. ومن أهدافه أيضاً، تكريم الأشخاص الذين يستحقون التكريم على أعمالهم الاجتماعية المفيدة للناس.

منذ حوالي أسبوع، عرض البرنامج قصة إنسانية مؤلمة هزت الرأي العام اللبناني والعربي وأثارت بقوة تفاعل الناس على الـ”سوشيال ميديا”. إنها قصة “التتخيتة”.

شاب يدعى أحمد من ذوي الاحتياجات الخاصة يعيش منذ طفولته، أي منذ أكثر من عشرين سنة، شبه حبيس في تتخيتة متسخة، مليئة بالحجارة، والألعاب الرثّة! وباختصار، إنها غرفة تشبه الحظيرة. وقد احتجزه والده فيها طوال هذه الفترة الطويلة جداً. أما والدته المطلقة فلم تحضر لرؤيته منذ ولادته ولا تعرف عن ابنها وحالته الجسدية والنفسية أي شيء.

أكان أحمد “منفياً” هناك تماماً. لا يعرف أحداً، ولا أحد يعرفه؟! فهو، وحسب أقوال بعض الجيران، إنه ممنوع من رؤية أي شخص ولا أحد يستطيع رؤيته كذلك.

اقتحم فريق برنامج “طوني خليفة” منزل عائلة أحمد الواقع في بلدة أنصار، قضاء صور، وصوّر الواقع المر.

أكان أحمد “منفياً” هناك تماماً. لا يعرف أحداً، ولا أحد يعرفه؟! فهو، وحسب أقوال بعض الجيران، إنه ممنوع من رؤية أي شخص ولا أحد يستطيع رؤيته كذلك.

سألت زميلة طوني خليفة، التي تمكنت من دخول المنزل: “ليش بتقفله عليه بالمفتاح؟”.

فكان الرد: “إذا بينزل ما بيخلي لي شي”!

ثم سألت والد أحمد وزوجته: “ليش غرفتكم مرتبة وغرفة الولد زريبة؟”. “ليش بنطلونه وسخ؟”.

أضافت: “رح اتصل بوزارة الشؤون الاجتماعية”.

قام فريق العمل بالبحث عن الأم وأقنعها بزيارة ابنها بعد تردد منها لا تفسير منطقياً له.

كان اللقاء الأول فوق أي وصف: أحضان، وقبلات، وبكاء جماعيّ.

تقول الأم وهي تضم ابنها: “حبيبي هالنفس شو طيب يا ماما. حبيبي أنا ماما. قلبي… تقبرني…”. وتبكي. سألتها معدة البرنامج: ليش تركتيه؟

أجابت: لأن ما بقدر… أي أم ما بتقدر بلحظتها… أي أم ما بتعود تفكر بالأولاد بتقول الأولاد بيتيسر أمرهم أخلص بحالي بالأول”.

كلمات لا صلة لها بالأمومة، لا من قريب ولا من بعيد. وتناقض كبير بين دموع الأمومة الآن، وقسوة امرأة لم تفكر سوى بخلاصها في الماضي.

انتشرت قصة أحمد بسرعة البرق من خلال “برومو” قصير هزّ العالم العربي ومواقع التواصل الاجتماعي ..

كل ذلك قبل عرض الحلقة كاملة.

وقد تحركت فوراً الأجهزة القضائية والأمنية والانسانية والاجتماعية والإعلامية.

أنقذ برنامج “طوني خليفة” حياة شاب بجسد طفل صغير عاش حياته مقطوعاً عن البشر والحياة.

هكذا أدخل أحمد المستشفى، ونأمل أن يلقى وسيلقى الاهتمام الكافي من كل الجهات المعنية.

وقد ناشد طوني خليفة من خلال برنامجه الإفراج عن الأب، الذي احتجز للتحقيق معه رأفة بحالته الصحية السيئة.

إنها الرحمة والتفهم الإنساني، اللذان جسدهما خليفة بمواقفه التي تنم عن وعي بالمسؤولية.

نجح في إعادة أحمد إلى الحياة، تماماً كما فعل مالك مكتبي في برنامجه “أحمر بالخط العريض” في حلقة “فتاة الظلام، ونيشان في “أنا هيك”، خاصة في عرضه لحلقة “طوني فرنجية”، التي أثّرت على شابة كانت على شفير الموت، وكذلك لا ننسى برنامج جو معلوف “هوا الحرية”، الذي يعالج القضايا الإجتماعيّة، والانسانية، والمعيشيّة للمواطن اللبناني، وبتابعها بجدية كبيرة بهدف إيصالها إلى الجهات المسؤولة.

هذا هو الإعلام الحقيقي، الذي يساعد في بناء المجتمعات، لا في تدميرها.

كاتبة من لبنان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية