بغداد ـ «القدس العربي»: في الوقت الذي كان فيه أهالي محافظات النجف وذي قار، يشيعون أمس الجمعة، قتلاهم الذين سقطوا جراء «ليلة الخميس الدامية»، وسط استمرار مطالباتهم بـ«الثأر» من المسؤولين، كان يسقط ضحايا جدد، تحديداً في الناصرية.
فقد قتل 21 متظاهرا بالرصاص وأصيب العشرات في مدينة الناصرية جنوب العراق على ما أفاد أطباء.
واستخدمت القوات الآتية من خارج المحافظات، السلاح الخفيف والمتوسط لتفريق جموع المحتجين في ذي قار والنجف والمثنى، بالإضافة إلى تجدد الاشتباك ليلة الخميس بين المتظاهرين وقوات الأمن الاتحادية، الأمر الذي أدى إلى سقوط أكثر من ألف شخصٍ بين قتيل ومصاب.
وصباح أمس الجمعة، شيّع المئات من أبناء ذي قار، القتلى الذين سقطوا في المواجهات مع القوات الأمنية، ليل الخميس وفجر الجمعة، متحدين حظر التجوال الذي أعلنته السلطات المحلية في المحافظة، التي يغلب عليها الطابع العشائري، وتعدّ مركزاً لأغلب أمراء القبائل في العراق.
وعلمت «القدس العربي» من مصدر طبّي يعمل في مستشفى الحسين التعليمي (جراحي حكومي)، وسط الناصرية، إن «الكوادر الطبية تسلمت صباح اليوم (أمس) عشرات الجرحى إلى مستشفانا فقط، ناهيك عن بقية المستشفيات الحكومة والأهلية (3 مستشفيات)، التي ما تزال تستقبل الجرحى على مدار 24 ساعة».
وأضاف المصدر الذي اشترط عدم الكشف عن اسمه، إن «جميع الجرحى مصابون بطلق ناري. لا توجد إصابات جراء الاختناق بقنابل الغاز بكون القوات الأمنية في المدينة لم تعمد على استخدامها كثيراً في فضّ الاحتجاجات منذ أيام»، لافتاً إلى أن «سيارات الإسعاف ما تزال تنقل الجرحى إلى المستشفى. الأعداد تزداد في الليل وحتى الفجر».
ووفق المصدر فإن «الاشتباكات في مدينة الناصرية اقتصرت عند قيادة شرطة المحافظة»، مبيناً أن «القوات التي أتت من بغداد خرجت من المدينة».
وأكد أن «المتظاهرين يحاولون السيطرة على مقر قيادة شرطة المحافظة»، لافتاً إلى أن «القوات الأمنية تقمّع المحتجين باستخدام الرصاص الحي».
واعتبر تصريح قائد شرطة ذي قار الجديد اللواء الركن محمد حسن زيدان بأنه لم يُصدر أي توجيهات بإطلاق النار ولم يأمر بالصدام مع المتظاهرين، أنه «لغرض إعلامي ليس إلا. الحقيقة تتمثل بالإصابات المباشرة التي تصل إلينا في كل دقيقة. من أصاب كل هؤلاء؟».
ظروف صعبة
وفي وقت سابق من أول أمس، قال زيدان في بيان له، إنه «في الوقت الذي دعت فيه قيادة الشرطة إلى التهدئة ومدت جسور التواصل مع المتظاهرين وأكدنا على الحفاظ على سلمية المظاهرات لسلامة الجميع وشددنا على الابتعاد عن المقرات والثكنات العسكرية وكان من أهم ما أكدنا عليه بقاء قوات أفواج طوارئ ذي قار داخل المدينة وذلك لحسن تعاملهم مع أهلهم، لكن دون جدوى لتجنب ما يحدث من ظروف صعبة في الناصرية ومدينتنا يخيم عليها الحزن لما أصابها من احتكاك بين القوات الأمنية القادمة من خارج المحافظة والمتظاهرين، علما إننا لن نصدر أي توجيهات بإطلاق النار ولم نأمر بالصدام مع المتظاهرين من أهلنا في ذي قار».
وأضاف: «نحن حريصون كل الحرص على سلامة أبنائنا من المتظاهرين وأفراد الشرطة على حد سواء، لذا نطلب من قادة المظاهرات السلمية ووجهاء المدينة وشيوخ العشائر التدخل والسيطرة على حالة الاستياء التي سيمر بها أبناؤنا من جراء الأحداث».
ودعا إلى «الحفاظ على الأمن والاستقرار والظهور برفضهم لهذه الأفعال بالإضافة إلى مساندة الأجهزة الأمنية لإعادة الأمن والسلام إلى مدينتنا التي كانت وستبقى مثالا لجميع المحافظات العراقية بأمنها واستقرارها».
ولاحقاً التقى زيدان صباح الجمعة، بعدد من شيوخ ووجهاء العشائر في مقر قيادة الشرطة في مدينة الناصرية، ليعلن بعدها استقالته.
وتجمع عشرات المواطنين من محافظة الديوانية، على الطريق العام باتجاه محافظة النجف، للمشاركة في تشييع عشرات الضحايا من متظاهري ذي قار.
وفتح القضاء تحقيقاً في الأحداث الدامية التي شهدتها محافظة ذي قار، وراح ضحيتها العشرات من القتلى والجرحى.
وقال المتحدث باسم مجلس القضاء الأعلى عبد الستار البيرقدار في بيان، إن «مجلس القضاء الأعلى يشكل هيئة تحقيقية من ثلاثة نواب رئيس محكمة استئناف ذي قار للتحقيق العاجل في عمليات قتل المتظاهرين خلال اليومين الماضية».
كذلك، أعلنت قيادة العمليات المشتركة، أن رئيس الوزراء عادل عبد المهدي ( قبل استقالته) وجه بتشكيل لجنة تحقيقية بشأن الاحداث التي حصلت في النجف وذي قار.
وقالت القيادة في بيان إن «رئيس مجلس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة وجه بتشكيل لجنة تحقيقية للتحقيق بالأحداث التي حصلت في محافظتي ذي قار والنجف الأشرف والتي رافقها أعمال عنف وسقوط شهداء وجرحى من المتظاهرين والقوات الأمنية».
استقالة قائد شرطة ذي قار… وتشييع ضحايا «ليلة الخميس الدامية»
وأضاف أن «اللجنة ستكون برئاسة المستشار العسكري لرئيس الوزراء».
ويبدو أن الإجراءات الحكومية لم تُقنع أهالي ذي قار وشيوخها، الذين دعوا إلى إقالة الحكومة وحلّ البرلمان، وطالبوا الأمم المتحدة بالتدخل.
وأمس الجمعة، عقد شيوخ عشائر محافظة ذي قار اجتماعاً على خلفية ما شهدته مدينة الناصرية من قتل وإصابة مئات المتظاهرين.
وتضمنت مطالب العشائر، وفقاً لوثيقة مسرّبة، «إقالة حكومة عادل عبد المهدي وحل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة بإشراف القضاء والأمم المتحدة».
كما طالب شيوخ العشائر بـ«تعديل الدستور بإشراف أممي، ومحاكمة الشمري ومن معه ومن أعطى الأوامر في ذي قار»، مشددين على أهمية «إسناد منصب المحافظ ونوابه من قبل المتظاهرين والشيوخ والنقابات».
وأعلن محافظ ذي قار عادل الدخيلي، أحد قيادات تيار «الحكمة الوطني» بزعامة عمار الحكيم، استقالته من منصبه، فيما جدد المطالبة باجراء تحقيق فوري شامل وموسع لكشف كل التفاصيل التي رافقت أحداث المحافظة.
وقال في رسالة وجهها إلى أبناء ذي قار، «أكتبُ لكم الآن وقلبي يعتصر ألماً على ما حل في مدينتنا الصابرة المنكوبة، وأوجه خطابي لكم لأنكم الأهل والأقارب والعشيرة، بكم كنت وبكم سأكون، ودونكم لا يحلو مقام، ولا يهنأ أحد بمنصب».
وأضاف: «منذ أن تولينا منصبنا، محافظاً لذي قار أوخر شهر آب/ أغسطس من العام الجاري وإلى ساعتنا هذه، عملنا مخلصين على أن نضع خدمتكم أولاً، وحفظ مصالحكم ودمائكم فوق كل اعتبار، وواصلت الليل بالنهار من أجل أن أرفع عن كاهلكم ويلات الزمن وكوارث الإهمال واللامبالاة التي عانينا منها عقودا تتلو عقودا».
هذا اليوم الدامي
وتابع: «عندما بدأت الاحتجاجات السلمية حتى أعلنت بوضوح وصراحة موقفي الداعم لكم، والمؤيد لمطالبكم المشروعة في عيش كريم وعدالة اجتماعية مفقودة، ولم نألُ جهدًا في سبيل إيصال أصواتكم من موقع مسؤوليتنا إلى الجهات ذات العلاقة التي صمت آذانها مرات ومرات، ولكننا واصلنا تحمل الأمانة بمسؤولية رجل الدولة ولم نتهرب من التزامنا تجاهكم ابدًا».
ووفق ما أضاف «إلى هذا اليوم الدامي، الذي شهد أحداثاً مؤسفة، وسقط من أبنائنا عشرات الشهداء والجرحى على يد قوات من خارج المحافظة، ولم يجرِ إشعار الحكومة المحلية بوجودها ولم نطلع على مهامها، وهذا ما لا يمكن السكوت عنه أو تجاهله، فنحن أبناء ذي قار وحماتها، فكيف يصار إلى مثل هذا الإجراء المخالف للقانون، ولأي اعتبار قانوني، وقد سبق وإن هددنا في وقت سابق من هذا اليوم (الخميس) بضرورة محاسبة المتسبب بما جرى، والكشف عن تفاصيل ما حدث بالضبط»، لافتا الى «أننا في ظرف استثنائي، نعلن أمامكم وبين أيديكم استقالتنا من منصبنا احتجاجاً على ما جرى، وإخلاءً لمسؤولية الحكومة المحلية مما أُقترف».
وجدد المطالبة بـ«اجراء تحقيق فوري شامل وموسع لكشف كل التفاصيل التي رافقت أحداث الخميس».
في الموازاة، شيّع أهالي النجف قتلاهم الذين سقطوا جراء المواجهات مع قوات الأمن الليلة الماضية، حيث شهدت ساحة الصدرين وسط المدينة، مراسم التشييع مع ترديد شعارات تندد بقمّع المتظاهرين وتطالب بإسقاط الحكومة.
وأمس الجمعة، أعلن محافظ النجف طلال بلال، استقالته من منصبه احتجاجا على الإجراءات الحكومية بعد سقوط شهداء وجرحى في المحافظة، فيما اعتبر أن «لا حل مع هذه الحكومة».
وقال في تصريح بث عبر مقطع فيديو، إن «ما يحصل في العراق من مظاهرات لشباب ونساء وأطفال لم يطلبوا إلا وطنا، وسط تجاهل الحكومة لكل طلباتهم وتسويفها وسقوط العديد من الشهداء في كل المحافظات».
وأضاف أن «ما حصل في محافظة النجف تسيل له العيون دماً»، مشيرا الى أن «دماء عام 1991 التي كنا ننتظرها أن تجف حين كنا نطالب بوطن أيضا، قد أثاروها اليوم». وتابع قائلا: «جئنا إلى هذه الحكومة ونحن نأمل أن نكون جزءا من الحل»، مضيفا أن «الحقيقة أظهرت أن لا حل مع هذه الحكومة».
وأكد أن «تضامناً مع ابناء الشعب العراقي أعلن استقالتي من منصبي».
وفي العاصمة العراقية بغداد، تجمّع الآلاف في ساحة التحرير، معبرين عن استمرارهم في حراكهم الاحتجاجي، معبرين عن تعاطفهم ومواساتهم للقتلى الذين سقطوا في ذي قار والنجف.