أصدرت دار رامينا خلال السنوات الأخيرة مجموعة من الأعمال التي تنوّعت بين الرواية وكتب السيرة الذاتية، كتبها مؤلفون أكراد ينتمون إلى مناطق مختلفة مثل كردستان العراق وإيران وسوريا. تسلّط هذه الإصدارات الضوء على تجارب شخصية وثقافية متباينة، وتقدّم للقارئ فرصة لفهم أعمق لمظاهر الحياة الاجتماعية الكردية، بما تحمله من تحوّلات وتحديات تاريخية وثقافية.
عادةً ما كانت القضية الكردية تُقدَّم من منظور سياسي بالدرجة الأولى، بل حتى في المذكرات والسير الذاتية، كان الجانب السياسي يطغى على الجوانب الإنسانية والاجتماعية. غير أنّ انشغال وحساسية مدير الدار بعالم الإنسانيات، أفسح المجال لظهور نصوص مختلفة وناضجة، عكست تنوّع التجربة الكردية وغناها. وهكذا وجدنا أنفسنا أمام نصوص جديدة تقدّم صوراً غير مألوفة عن المجتمع الكردي، وتكشف أبعاداً جديدة من ثقافته.
ومن بين الإصدارات اللافتة، التي نشرتها الدار سيرة بعنوان «مذكّرات امرأة كردية» لفوزية قجو، وهو مثال حي على هذا التوجّه المختلف في النشر. الطريف في هذه السيرة، أنها تروى على لسان شخصية عادية، تمثل ما يمكن أن نطلق عليه أصوات الناس العاديين. هذه الشخصية ليست متورّطة في الشأن السياسي اليومي، بل تسعى إلى رواية تفاصيل مجتمع صغير في ستينيات القرن الماضي، هو مجتمع بلدة عامودا. كانت عامودا آنذاك أقرب إلى قرية أو بلدة صغيرة تضم مزارعين أكرادا، وبعض العائلات المسيحية، إلى جانبهم عدد من العائلات العربية الماردلية، وكانت مدينة القامشلي، التي تبعد قرابة 28 كيلومتراً، بالنسبة لأهالي عامودا تمثّل المركز الذي يلجأون إليه، كلما احتاجوا إلى ما لا يتوافر في قريتهم: زيارة طبيب، شراء حاجات أساسية، أو تلبية احتياجات حياتية أخرى. نرى أنفسنا في السيرة، أمام أحداث يومية عادية، وهنا تكمن أهميتها؛ فهي تتحدث عن المجتمع وعاداته وتفاصيل حياته اليومية. كما نرى أن التاريخ الاجتماعي الذي تدونه السيدة يختلف عن التواريخ الرسمية المعروفة اليوم. هذه التواريخ لا تُبنى على الأحداث الميلادية، بل على الأحداث الاجتماعية مثل الولادات، الوفيات، نزول الثلج في سنة معينة، الإصابة ببعض الأمراض. ولعل هذا ما يذكرنا بملاحظات المؤرخ عبدالأحد السبتي في كتابه «من عام الفيل إلى الفريكان»، الذي يرى أن المجتمعات التقليدية غالباً ما تطلق على الأعوام أكثر من اسم، ولم تُلتزم بالتاريخ الميلادي، وهو ما أنتج كرونولوجيا تسلسلاً زمنياً يقوم على الذاكرة الشفوية بدلاً من الذاكرة الرسمية.
ولذلك، حين تعود الكاتبة إلى قراءة تاريخ عامودا في تلك الفترة، فإنها تربطه بحوادث ظلّت عالقة في ذاكرة الناس، مثل حريق سينما عامودا، الذي أودى بحياة عشرات الأطفال، أو لحظات خاصة مثل زواج أحد إخوتها أو أخواتها. هذا هو التاريخ بالنسبة لها: تاريخ تُشكّله أحداث الحياة اليومية أكثر مما تُشكّله الوقائع السياسية. وعلى الرغم من بساطة الأحداث ـ الطابع العادي ـ في النص، مقارنة بالملاحم البطولية في السير الذاتية السياسية، إلا أنه يعكس، من خلال يوميات الكاتبة، زياراتها، رعاية أطفالها، ومسارات أبنائها لاحقاً، صورة حية للمجتمع الكردي، ويتيح للقارئ فهم تحوّلات المجتمع الكردي السوري، على مدى خمسين أو ستين عاماً، من مجتمع محافظ تقليدي وعشائري، إلى مجتمع بدأ يشهد وعياً سياسياً متنامياً مع مطلع الثمانينيات، وصولاً إلى انفجار هذا الوعي في مرحلة ما بعد عامي 2003 ـ_2004، ثم ما بعد الثورة السورية، حيث تحوّلت مناطق عديدة إلى مناطق خاضعة لسيطرة قوى كردية.
محطات الحياة الكردية بعيون سيدة
يمكن القول إننا أمام ثلاث محطات أساسية، أو تحولات مرت بها حياة الكاتبة وحياة المجتمع الكردي في عامودا، وربما الجزيرة السورية عموماً. هذه التحوّلات تنعكس أحياناً على حياة الكاتبة ومسارات أبنائها، لكنها لا تُقدَّم بوصفها خطاباً سياسياً مباشراً، بل تظهر من خلال تفاصيل اليوميات: المعاناة، التنقل، وتغيّر الإيقاع الحياتي تدريجياً.
المحطة الأولى: ستينيات القرن الماضي
وهي المرحلة التي وُلدت فيها الكاتبة. في هذه الفترة نرى ملامح الأب، الذي تصفه ابنته بدماثة الأخلاق والحنان. الصورة التي ترسمها له، تعيد إلى الأذهان سمات الأشخاص العاديين من الأكراد في الجزيرة السورية: طيبون، منفتحون على الآخرين، يميلون للتدين، وبعيدون عن العزلة، خلافا للصورة التي وضع بها بعض المثقفين الأكراد أنفسهم لاحقاً. ويتجلّى ذلك في مبادرات عملية، مثل قرار والدها في ستينيات القرن الماضي الدخول في شراكة مع شخصية دمشقية، لافتتاح محطة وقود، في دلالة على تفاعل المجتمعات المحلية مع المكوّنات الأخرى. في سياق السيرة، يبرز البُعد العشائري كعامل أساسي في تكوين المجتمع الكردي في تلك الفترة. فالكاتبة تصوّر مجتمعها في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي على أنه مجتمع عشائري محافظ، تُنظم حياته القيم التقليدية، العلاقات الأسرية، والشبكات الاجتماعية القائمة على الولاء العائلي والعشائري. هذا البُعد العشائري يظهر في تفاصيل كثيرة: طريقة الاحتفالات، الزواج، الولادات، وأداء الواجبات الاجتماعية بين العائلات. كما أنه ينعكس في قدرة بعض العائلات على فرض بعض المحرمات الاجتماعية النسبية، مثل عدم السماح للفتيات بحضور السينما في القامشلي. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن هذا التاريخ الاجتماعي العشائري الكردي، الذي ما يزال حاضراً بعض الشيء، لطالما حاولت السردية التقدمية السياسية الكردية تهميشه، أو حتى النيل منه. ربما يعود ذلك لكون هذا التاريخ الاجتماعي، ارتبط في الذاكرة الكردية بتواريخ بعض الشخصيات الإقطاعية، أو بعض السرديات الماركسية، لكن عموماً هناك نقطة تبدو غائبة عن السوريين، ممن لا ينتمون لمنطقة الجزيرة: أن الأكراد أيضاً لديهم تاريخ اجتماعي عشائري، وهو تاريخ غني، واستطاعوا من خلاله نسج علاقات مع باقي المكونات الأخرى. فلسنوات قليلة ماضية، كثيرا ما كانت تحتفظ الذاكرة الشعبية عن قصص تحالف عشائر عربية وكردية، ضد عشائر كردية وعربية أخرى، خلافاً للسرديات الحادة/ غير الاجتماعية/ العرقية، التي أصبحت أكثر حضوراً في العقدين الأخيرين في حياة المنطقة.
المحطة الثانية: السبعينيات
حيث نرى السيدة منشغلة بالأعمال المنزلية وتربية الأبناء، لكنها شيئاً فشيئاً تدخل على تفاصيل أوسع في حياة العائلة والقرية. هنا نجد أنفسنا أمام ما تسميه منى يماني «أطوار الانتقال»، أو «العبور» في المجتمعات التقليدية. فقد لاحظت يماني، عند دراستها لمجتمع مكة، أنّ هذه الأطوار تتجسّد غالباً في لحظات كالزواج، الطقوس والاحتفالات. وهذا بالضبط ما نراه حاضراً في النص، إذ تكمل الكاتبة تجربتها بالحديث عن ولاداتها وأطفالها، فتبدو كأي سيدة أخرى من نساء الجزيرة السورية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي: كثيرة الأولاد، منشغلة دوماً بين أعمال المطبخ وتربية الأبناء، وزيارة الأهل، وأداء الواجبات الاجتماعية. نحن أمام حياة اجتماعية قد تبدو بسيطة للوهلة الأولى، لكنها في العمق غنية بتفاصيلها وطقوسها ويومياتها، بل يمكن القول، إنها غنية بعبء الواجبات الاجتماعية التي شكّلت جزءاً أساسياً من نسيج الحياة آنذاك. وهي ذكريات تمنحنا إحساساً بالحنين إلى الماضي الجميل، الماضي الذي كان حافلاً بالعلاقات الاجتماعية المتينة، مقابل حياتنا المعاصرة التي تبدو فقيرة على مستوى الروابط الاجتماعية والإنسانية.
بالتوازي مع هذه الحياة، نجد بدايات وعي قومي آخر، خاصة ما جرى في العراق، ومدينة حلبجة (1988) على وجه الخصوص، ورغم بساطة التفاصيل التي تسردها الكاتبة، يبدو أن هذه الحادثة شكّلت قاعدة لسردية كردية، تتجاوز العراق لتصبح سردية كردية أشمل، متجذرة في آلام كردستان وحزنها. ونرى أثر هذه الأحداث في حياة الأسرة مباشرة، مثل لحظات حزينة يرويها زوج الكاتبة، الذي يقضي ساعات طويلة يبكي حبه لكردستان، متأثرا بالأخبار السيئة عن سقوط المئات أو الآلاف من القتلى.
المرحلة الثالثة: عالم الحدود
تُعتبر هذه المرحلة مرحلة انتقالية محورية في السيرة، حيث ننتقل من حياة الكاتبة اليومية وعائلتها في الطفولة والمراهقة، إلى متابعة نمو الأبناء وتطورهم الدراسي والاجتماعي. في هذه المرحلة، نرى كيف يبدأ الأولاد في مواجهة النضج والانخراط في التعليم، بينما تظل الحياة اليومية للوالدة مشغولة بالأسرة والواجبات التقليدية. السياسي في هذه المرحلة بدا أكثر وضوحاً مقارنة بالفترات الماضية. بعد عام 2003 وسقوط بغداد، بدا أن هناك مزاجاً سياسياً جديداً في المنطقة وسوريا عموماً، خاصة أن هناك رؤية كانت تعتقد أن دمشق ستكون العاصمة التالية لبغداد، وهو ما كان يعني حينها ترتيبات سياسية وإقليمية جديدة. هذا التوتر الإقليمي انعكس سريعاً على حياة السوريين، والأكراد بشكل أخص، بعد عام 2004 أحداث ملعب القامشلي، التي أسفرت عن مقتل العشرات، ما مثل نقطة عبور في حياة الأكراد السياسية، وربما حتى على صعيد العلاقات الاجتماعية مع الآخر في الجزيرة السورية. وقد تطور الأمر أكثر بعد عام 2011 خاصة مع سيطرة قوات ذات خلفية كردية على إدارة مناطق واسعة في الجزيرة السورية.
وعلى الرغم من أن مدينة عامودا في هذه الفترة لم تتأثر بالاشتباكات كثيراً، إلا أنها عانت كما باقي المناطق من استنزاف ديموغرافي وبشري، فالكثير من شبان المنطقة اضطروا لمغادرتها بسبب ظروف عديدة.
اللافت فيما تشير إليه الكاتبة هنا هو اليوميات المرتبطة بالحدود، لاسيما يوميات تهريب البشر أو انتقالهم بين الحدود السورية والتركية. تحولت تركيا في تلك الفترة إلى مركز لتجمع اللاجئين السوريين، أو لمن يرغب بمقابلة أبنائه المقيمين خارج البلاد، إذ كانت الحدود مفتوحة نسبياً قبل أن تبدأ تركيا لاحقاً، في تقييد حركة الدخول. ومن خلال هذه اليوميات، نلمس تفاصيل حياة الناس اليومية على الحدود، بما في ذلك مطاردات الجندرمة التركية، التي تكشف جانباً من واقع المجتمع الكردي في شمال شرق سوريا، حيث يسود توتر مستمر على الحدود.
يُلاحظ أن هذه التفاصيل لم تكن موجودة في الأحداث السابقة قبل السبعينيات والثمانينيات، حين كانت الحدود شبه مغلقة. لكن بعد 2012 أصبحت قصص الحدود وتهريب البشر جزءاً من الحياة اليومية لكل أبناء المنطقة، بمن في ذلك الأكراد، وبهذا أصبح المجتمع جزءا من سردية الحدود وتجاوزها، وأضحى هذا الجانب جزءا من التحولات التي عرفها المجتمع الكردي والمناطق المحاذية للحدود السورية – التركية.
وأخيرا، يمكن القول إن مذكرات الكاتبة طريفة وغنية، رغم قصرها، وغناها يأتي من بساطتها، ومن قدرتها على تقديم الحياة اليومية بصدق، بعيداً عن التطورات السياسية المعقدة. تنقل لنا الكاتبة مزاج المجتمع الكردي بصدق، وهو مزاج يعكس كيف يفكر الكردي، وكيف نظر إلى قضاياه وتاريخه، وكيف تغيرت السردية الكردية خلال العقود الأخيرة.
كاتب سوري