«مرادفات» للإسرائيلي ناداف لابيد: الانتماء والهوية والتخلي أمور لا تأتي بحفظ كلمات معجم

حجم الخط
0

برلين- «القدس العربي» ـ نسرين سيد أحمد: نادرا ما نلقى فيلما يسدد لنا صفعة مباشرة مدوية إن أردتم، أو يضغط بكل ما أوتي من قوة على الجراح الأكثر إيلاما لدينا، ونادرا ما نلقى فيلما يتعامل مع تجربة المهاجر، المغادر لبلد لا يشبهه، والقادم إلى بلد يود اللوذ به من وطن لا يريده، بكل هذه الحساسية وكل هذا الفهم. هذا تحديدا ما نجده في فيلم «مرادفات» للإسرائيلي ناداف لابيد، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي (7 إلى 17 فبراير/شباط الجاري). إنه فيلم يعصف بالمشاهد كليةً، ويلقي به وسط دوامة من المشاعر والمشاهد والآراء، التي تدخل في صميم تجربة المهاجر، وتمثل تعليقا سياسيا وشخصيا وحضاريا على البلد البعيد الذي يود نسيانه، وغسل نفسه منه، وعن البلد الجديد القادم إليه محملا بآمال الانتماء.


يوجه الفيلم انتقادا لاذعا لإسرائيل ولجوهرها المعتمد على العسكرية المفرطة والروح القتالية الذكورية التي تبثها وتتوقعها من الشباب على أرضها، كما يقدم في الآن ذاته نظرة فاحصة على توقع المقبل إلى فرنسا، إلى هذا البلد الذي قرأ عنه وتعلم لغته، بدون أن يراه. ترى هل تشبه فرنسا الحقيقية الصورة النمطية التي يتخيلها القادم إليها؟ ترى هل هناك فكاك أصلا من بلد ولدنا فيه حتى إن غادرناه جسدا؟ ترى هل يكفي أن تكون ملماً بحصيلة لغوية كبيرة لأن تجد لذاتك وطنا في أرض جديدة؟

يوجه الفيلم انتقادا لاذعا لإسرائيل ولجوهرها المعتمد على العسكرية المفرطة والروح القتالية الذكورية التي تبثها وتتوقعها من الشباب على أرضها.

هذه بعض التساؤلات التي يطرحها لابيد في فيلمه «مرادفات» الذي يبث فيه الكثير من عناصر تجربته الشخصية، وسيرته الذاتية بعد مغادرة إسرائيل إلى باريس، ورفضه نطق إي كلمة بالعبرية بعد الوصول إلى فرنسا. هي رحلة ننغمس فيها كليةً، وتلتبس علينا مسالكها أحيانا كما تلتبس على بطلها وصاحبها، يواف، الذي يقوم بدوره توم مرسيار، في أول أدواره، الذي ما كان للفيلم أن يكون بمثل هذا التأثير وهذه القوة، بدون أدائه الذي يتلبس الشخصية تماما.
«جئت إلى فرنسا هرباً من إسرائيل»، هكذا يقول يواف لصديقه الفرنسي إيميل (كوانتان دولمير) ناعتا إسرائيل بأنها «بغيضة»، «حقيرة»، «دنيئة»، «سوقية»، وبكل الصفات التي يعرفها في حصيلته باللغة الفرنسية، حتى أن صديقه يرد ضاحكا أنه لا يمكن لبلد واحد أن يوصف بكل هذه الصفات. تتدفق المترادفات على لسان يواف، كمن يود توثيق انتمائه لهذا البلد الجديد بمعرفة أكبر قدر ممكن من الكلمات الموجودة في معجم لغته، بدون أن يدرك مدى شيوعها، وهل تستخدم في الكلام الدارج، أم في اللغة الأدبية، هل هي كلمة حية أم ماتت وأصبحت معجمية فقط. ولكن التجرد من وطن وأسباب الرغبة في ذلك والانتماء إلى بلد آخر أمور ليست بهذا اليسر، فالأمر ملتبس بدرجة كبيرة، فالذي يعرفه يواف عن فرنسا يكاد يكون منعدما، ولا يعرف من أبناء البلد سوى اثنين، لا أكثر، حتى أن الفرنسيين اللذين يلتقي بهما لا يبدوان لنا شخصين حقيقيين، بل محض تصور لما يجب أن يكون عليه الفرنسيون. يقدم لابيد فيلما متطلباً، منفتحا على الرؤى والتأويلات.
يصل يواف إلى باريس وليس في حوزته إلا حقيبة صغيرة تحمل على الظهر، يغادر المطار وهو لا وجهة له ولا مأوى. يجول في الشوارع كالملتاع إلى أن تقوده قدماه إلى شقة خالية في حي باريسي أنيق، حيث يقرر أن يمضي ليلته الأولى في باريس، ولكن ما إن يستيقظ من نومه حتى يكتشف أن متعلقاته القليلة قد سرقت، ويكاد جسده العاري أن يتجمد بردا في شتاء باريس. وحيد في بلد غريب يود أن يلوذ به وبلا مأوى، إلى أن يجده جاراه الشابان الفرنسيان إيميل وكارولين (لويز شيفيل) مغشيا عليه بردا، فيغدقان عليه كرمهما.

لا يكشف يواف صراحة عما دعاه لمغادرة إسرائيل، ولكن تتكشف لنا بعض هذه الأسباب، فالشخصية التاريخية التي يتماهى معها يواف هي شخصية هيكتور، أحد مقاتلي طروادة، الذي مُني بخسارة فادحة على يد البطل أخيل، وفر.

يبدو إيميل وكارولين شبيهين بتخيل غير الفرنسيين لما يجب أن يكون عليه الفرنسيون، يبدوان كما لو كانا قادمين من الأفلام الفرنسية في الستينيات، فإيميل ثري يعيش على ثراء والده ليكتب رواية لم يتمها، يعيش للفكر والأدب، وصديقته كارولين أنيقة جميلة وحسية للغاية وتعزف الموسيقى الكلاسيكية. يحملان يواف إلى شقتهما، يدثرانه في فراشهما، وحين يستفيق يمنحانه ملابس ومعطفا، وهاتفا ومبلغا من المال ليتدبر به حاله.
ولعل إحدى المفارقات الكبرى في الفيلم هي أن يواف، الذي يرفض النطق بأي كلمة بالعبرية ويفر من كل ما يذكره بإسرائيل، لا يجد عملا يمده بقوت يومه إلا العمل كحارس أمن في السفارة الإسرائيلية في باريس. لكن عمله في السفارة يفتح لنا باباً إلى عقل يواف ولمَقرر المغادرة، فهناك في السفارة يلتقي بيارون (يوري هاياك) زميله في العمل، الذي يمثل كل ما يحاول يواف الفرار منه في إسرائيل، يارون يمتلئ بالعدائية والعدوانية، عدوانية يقول إنه يشرعها في وجه كل كارهي إسرائيل وكل من يحيك لها المكائد. يحرص على الحديث بالعبرية، ويعلن أنه يهودي صياحا في المترو ويستفز الجميع للشجار معه حتى يؤكد لنفسه أنه يهودي مضطهد، وأن الجميع يعادون اليهود. هذا هو ما فرّ منه يواف في إسرائيل: هذه العدائية وهذا الشعور بأن الجميع أعداء وهذه الرغبة الدائمة في القتال.
لا يكشف يواف صراحة عما دعاه لمغادرة إسرائيل، ولكن تتكشف لنا بعض هذه الأسباب، فالشخصية التاريخية التي يتماهى معها يواف هي شخصية هيكتور، أحد مقاتلي طروادة، الذي مُني بخسارة فادحة على يد البطل أخيل، والذي لم يقو على المواجهة وفر. يواف، بالنسبة لبلد كإسرائيل يغذي الروح القتالية لدى رجاله ويفاخر بذلك، يعد جبانا. لا يرى يواف فخرا في الروح القتالية ولا في الذكورة العدوانية لدى الجنود الإسرائيليين عندما كان مجندا، ولم يندمج قط مع حياة الجنود والجندية والآلة العسكرية، ولكن الحياة في فرنسا تكشف ليواف إنه ليس أقل غربة في أراضيها، وأن الاختلاف بين البلدين ومنظوريهما ليس في الواقع كبيرا كما يظن.
«الديك الفرنسي شجاع وقوي ويستيقظ مبكرا»، هكذا تقول معلمة اللغة الفرنسية في الدروس الإلزامية للمتقدمين للحصول على الجنسية الفرنسية، وتعدد مناقب الحرية الدينية والعلمانية وحرية التعبير والاعتقاد في فرنسا، ولكنها حين تطلب من طلابها ترديد النشيد الوطني الفرنسي، يتضح لنا أن كلماته لا تقل شراسة وشحذا للهمة القتالية والعسكرية ورغبة في القتال والتفاخر به، عما كان يفر منه يواف في إسرائيل. يبدو ليواف أنه لا مكان له ولا وطن وأنه قد لا يجد في فرنسا ما كان يطمح أن يجده فيها. هو غريب في البلدين، وقد يتحدث اللغتين، ولكن مهما تراكمت لديه المرادفات والكلمات، قد لا تمكنه الكلمات من التواصل مع روح ثقافة أي من البلدين. يصيح يواف مرددا كلمات النشيد الوطني الفرنسي بالحماس المطلوب، ولكنه يعلم في قرارة ذاته أنه يصعب عليه الانتماء هنا أو هناك. يصل إلى باريس عاريا يبحث عن الدفء والمأوى ليجد أنه لا مناص له إلا أن يكون غريبا أينما كان، عاريا من دفء الانتماء أينما حل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية