لندن ـ «القدس العربي»: أثارت مراسلة جريدة «نيويورك تايمز» فيفيان يي التي التقت الرئيس التونسي قيس سعيد وفوجئت به يلقي على مسامعها محاضرة معدة سلفاً بدون السماح لها بطرح أي سؤال، أثارت موجة من الجدل والقلق بشأن مستقبل الحريات الصحافية في تونس في أعقاب جملة القرارات التي اتخذها الرئيس سعيد والتي اعتبرها البعض «انقلاباً على المؤسسات الدستورية». ورغم أن المخاوف بشأن مستقبل الحريات الصحافية والإعلامية وحق الناس في إبداء الرأي وممارسة العمل السياسي قد اندلعت فور إعلان سعيد تجميد عمل البرلمان وإقالة رئيس الحكومة، إلا أن حادثة مراسلة «نيويورك تايمز» زادت من هذه المخاوف وأشعلت قلقاً متزايداً في أوساط الإعلاميين والصحافيين بشكل خاص.
ونشرت المراسلة الصحافية تفاصيل لقائها مع الرئيس التونسي في قصره بعد خمسة أيام فقط على اتخاذه قرار تجميد البرلمان، حيث وصفت عبر تقرير مطول كيف تم استدعاؤها مع اثنين من الصحافيين الأجانب وهم يظنون أنه سيُتاح لهم إجراء مقابلة مع سعيد وطرح الأسئلة عليه، فإذا به يُفاجئهم بإلقاء محاضرة على مسامعهم من دون السماح لهم بطرح أي أسئلة.
وتتحدث فيفيان عبر تقريرها الذي نشرته «نيويورك تايمز» كيف أن قيس سعيَّد بدأ حديثه إليها بأن تعهد بالحفاظ على الحريات العامة، بما فيها حرية الرأي والتعبير في تونس، لكنه في الوقت ذاته أجلس الصحافيين، وبدأ يتلو على مسامعهم محاضرة، بدون السماح لهم بطرح أي أسئلة، فضلاً عن «عدم السماح للصحافية بوضع ساقٍ على ساق خلال جلوسها في القصر الرئاسي».
وتقول يي إن «الرئيس قيس سعيد استغل سنوات البطالة المستعصية، والفقر المتزايد، والفساد المنتشر، والمأزق السياسي، إضافة إلى وباء كورونا، وتدفق التونسيين إلى الشوارع للمطالبة بالتغيير، فوجدها فرصته المناسبة للاستيلاء على السلطة».
وتضيف إنها واثنان من الصحافيين العاملين معها في «نيويورك تايمز» تلقوا اتصالاً من مكتب الرئيس التونسي، وفهموا أنهم ذاهبون لإجراء مقابلة مع الرجل، لكنهم فوجئوا بهم يبدأ محاضرته اليهم بقراءة مواد من الدستور الأمريكي، قال لهم إنه قام بتدريسها لطلبته في الجامعة طيلة ثلاثة عقود.
وتابعت: «عندما بدأ أحد زملائي في الترجمة، أمروه بالتوقف. تم تصوير كل شيء من قبل طاقم تصوير حكومي، وأدركنا أنه سيتم نشر مقطع فيديو للحلقة بأكملها على صفحة الرئيس الرسمية على فيسبوك، وربما كان هذا هو السبب في أنه من المهم أن نكون صامتين.. كنا نحن الجمهور». وتقول يي إنهم عندما بدأوا المحاولة في طرح الأسئلة، قال لهم الرئيس: «هذه ليست مقابلة صحافية».
وأثارت هذه الحادثة قلقاً بشأن مستقبل الحريات الصحافية في تونس، حيث التفت الكثيرون إلى ما حدث معتبرين أنه مؤشر على عدم قبول الرئيس لفكرة المساءلة، ولا قبوله لنشاط الصحافيين وحقهم في الحصول على المعلومات من أجل إيصالها إلى الناس.
وتحدثت «القدس العربي» إلى أحد الصحافيين في تونس والذي أبلغها بأن الإجراءات الأخيرة نشرت موجة من الرعب والذعر في أوساط الإعلاميين، وأضاف: «هذه حالة غير مسبوقة في أوساط العاملين بالصحافة منذ أكثر من عشر سنوات».
وحسب الصحافي فإن «الأحداث الأخيرة أعطت انطباعاً بأن الحريات الصحافية تتجه إلى التراجع، وأعادت إلى الأذهان فترة حكم الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي الذي كان يهيمن على وسائل الاعلام في البلاد».
وكانت «منظمة العفو الدولية» قد دعت الرئيس التونسي إلى «التعهد علنا باحترام حقوق الإنسان وحمايتها، بما في ذلك الحق في حرية التعبير والتجمع السلمي».
وقالت المنظمة في بيان لها: «ينبغي على الرئيس التونسي قيس سعيد أن يلتزم علنا باحترام وحماية حقوق الإنسان بما في ذلك الحق في حرية التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع السلمي بعد أن علق عمل البرلمان وتولى بعض السلطات القضائية».
وأضافت أن «المخاوف تصاعدت من تعرض حقوق الإنسان للخطر في أعقاب المداهمة المفزعة التي شنتها قوات الأمن لمكتب قناة الجزيرة في تونس العاصمة وتهديدات الرئيس خلال خطابه باللجوء إلى القوة المشدّدة ضد أولئك الذين يهددون أمن الدولة».
وتابعت أن «الحريات التي اكتسبت بشق الأنفس ومكاسب حقوق الإنسان التي حققتها تونس في انتفاضة 2011 معرضة للخطر وخاصة في غياب محكمة دستورية تحمي حقوق كل فرد في البلاد».