‘مراسم الكذب’ لشكري الباصومي: رصد مشاهد الانحدار

حجم الخط
0

فوزي الديماسي الكتابة في كتاب ‘مراسم الكذب ‘للإعلامي شكري الباصومي لصيقة بفنّ النظم، وما هي بالنظم، وهي كتابة منحدرة من سلالة السرد وليست من النثر في شيء، وهي بين هذا وذاك، منهجها الرسم بالكلمات بحثا عن مستقرّ معرفي وقيمي، تطلبه ولا تدركه، سمتها الاضطراب والتقلّب في شتّى أنواع الكتابة وفروعها. هي كتابة مخاتلة توحي لك بأنّها الشعر وقد أخذت من أدواته التوزيع البصري والاختزال والتكثيف، وتوحي لك بأنّها النثر، فتحمل بين جنباتها شخوصا، وأحداثا، وزمانا، ومكانا، تذكّر بفنّ المقامات في سجعها، وبالقصيدة الومضة في قلّة عدد أسطرها الشعريّة. لغة الكتاب كما الطّفل في براءتها، تراوح مكانها بين التصريح و التلميح، لتكشف بذلك عن بشاعة الواقع المتستّر بالصمت طورا، والتزييف أطوارا، والمواري لسوأته بطقوس من الكذب تدشّن عصرا يبشّر بانقلاب القيم، وقد لخّص صاحب الكتاب مناخات الكتابة في متنه بقول موغل في السخرية ‘هذا زمن السكوت… وملازمة البيوت ‘، وقد نقف على حقيقة الأسلوب وطبيعته القائمة على التخفّي وراء السطور والكلمات المخاتلة من خلال العتبات، فالتصدير عتبة أو مدخل لقراءة النصّ، ولكل تصدير دلالاته، وهذه الدلالات مجمّعة توحي بأجواء الكتابة وطقوسها، ولعلّ قول بدر شاكر السيّاب: ‘لم أعد أكتب إلاّ شعرا ذاتيّا خاصا، ماذا جنيت من الالتزام؟ … لم اعد أخاف الموت، وأشعر أنّي عشت طويلا… لقد رافقت قالقامش في مغامراته… وصاحبت عوليس في ضياعه… وعشت التاريخ العربيّ كلّه… ألا يكفي هذا؟ ‘الذي افتتح به الكاتب اللوحة الموسومة بعنوان ‘طموح’ يقوم دليلا على خطيّة الكتابة ومناخاتها، فهي شكل من أشكال البوح المسترسل ( المشعرن نسبة للشعر) على الطريقة الكلينيكيّة، وقد مسّ فنّ القول في هذا العمل كلّ أشكال وطرق تصريفها على مذهب أبي العلاء المعرّي في ‘رسالة الغفران ‘المتّسمة بسخرية لاذعة، والسخرية في ‘مراسم الكذب’ السمة الغالبة كما في قوله من لوحته ‘صمت’: سأل حارس المقبرة مطمئنّة نائمة راجعة إلى ربّها راضية مرضيّة أيّتها الكرامة لم تجب أعاد السؤال في وحشته أيّتها الحريّة لم تجب كلب عوى هب هب هب ومن مظاهر السخرية كذلك جملة التناقضات المتلبّسة بالنصّ، كما المدح في الشعر الذي يقوم مقام الذّم، إذ لوحة ‘صمت ‘الدائرة أحداثها في الجبّانة، كانت لوحة حيّة، ومزدحمة بالحياة، في حين الجبّانة فضاء مجبول على الصمت والسكون والعدم، ولكن اللوحة صاخبة بالأفعال من جنس ( نائمة… راضية… لم تجب…)، وللإيغال في منهج السخرية المعتمد في المتن، تحضرنا لوحة ‘سنلتقي أمس ‘والتي يقول فيها: لو متّ غدا سنلتقي امس سيكون المعنى أبيّا فلعبة الضمائر، وتبادل الأزمان مواقعها، عملت على تمييع مدلولات الأشياء، وبالتالي ساهمت في ضبابيّة المعاني، في محاولة من قبل الكاتب لتفتيت الروابط المنطقيّة بين الدال والمدلول، ليضفي بذلك على المشهد النصيّ العام صفة الغموض العاكس لغموض الواقع، وتداخل القيم فيه، أليست الكتابة انعكاسا للواقع على حدّ تعبير الماركسيين، هذا الواقع المشوّش، والمشوّش لتضاريس النصّ في الآن نفسه؟… ونصّ شكري الباصومي رصد مشاهد الانحدار بأسلوب ساخر مخاتل لا يقول الأشياء بعينها، وإنّما يقلب مواضعها ربّما تلك هي حكمة الواقع المعاش اليوم في تناول الأشياء. كاتب من تونس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية