بعض الكتاب وبعض الشعراء لا يكتبون كثيرا ولكن ما يكتبونه من الأهمية بمكان إلى درجة أن المرء يعود إليه بين الفينة والفينة، وهذا شأن الكتب المهمة والدواوين الممتازة، يجد فيها المرء ضالته ويظل يستنطقها ويقرؤها قراءة مغايرة للأولى، فينكشف له بعض ما لم ينكشف في القراءة السابقة، وقد كان زهير بن أبي سلمى مقتصدا، فهو ينظم القصيدة، ثم يظل ينظر فيها وينقح قبل أن تنشد في سوق عكاظ، أو تظهر من قبل راويته بعد عام، اتقاء للزلل حتى سمي شعره بالحوليات.
وكتاب الشاعرة اللبنانية جمانة حداد «سيجيء الموت وستكون له عيناك» هو من هذا القبيل، فقد قضت سنوات في إعداده، وأنفقت وقتا وجهدا في الاتصال بأهل الشعراء الغائبين أو المنتحرين، وبأصدقائهم وفي جمع دواوينهم أو أشعارهم مستعينة بالمراسلات وبالاتصالات عبر الشبكة العنكبوتية، حتى تهيأت لها المادة الخام التي كانت مصدر عملها.
كتابها يكتسي قيمة عند الباحثين والأكاديميين، وعشاق الشعر من القراء العرب خاصة، فقد اقتحمت مجالا لم يقتحمه أحد بمثل استقصائها، فالعتبة الأولى تحيل على فعل الغياب والتواري والعنوان مستوحى من عنوان لقصيدة شاعر إيطالي كبير منتحر هو تشيزاري بافيزي (1908/1950).
لقد كتب خليل الشيخ كتابا عن الانتحار هو «الانتحار في الأدب العربي دراسات في جدلية العلاقة بين الأدب والسيرة» ونشرت مقالات شتى عن بعض الشعراء العرب المنتحرين، ولكنها محاولات متفرقة، وإن كانت على جانب من الأهمية، وفعل الانتحار بالذات في ثقافتنا هو من قبيل المسكوت عنه، ومن يقتحم هذا المجال ربما يجابه بالازدراء أو الرفض أو الهجوم، لأن الشخص المنتحر في ثقافتنا هو شخص منحرف، أو ضال أو يائس، من الأسلم السكوت عنه وتفويض أمره إلى الله. لكن الانتحار في الظاهرة الإبداعية شيء آخر إنه ظاهرة عالمية لصيقة بالهم الإبداعي، والتضاد بين عالم المثل والعالم الواقعي والخيالي والواقعي، والحلم والحقيقة، وهو ظاهرة قديمة لازمت الإبداع، ولن يعوز الواحد منا ذكر الأمثلة والنماذج المنتحرة منذ الشاعرة الإغريقية صافو.
فجمانة حداد إذ أسدت خدمة إلى المكتبة العربية، وإلى المكتبة الشعرية على السواء، وقربت الآداب العالمية من القارئ العربي، الذي لم يتح له الاطلاع على تلك النماذج الشعرية في لغاتها الأم، خاصة وهي تجيد معظم اللغات الحية الأوروبية وتترجم عنها مباشرة، مع ما في نقل الشعر من لغة إلى أخرى من صعوبة جمة، تكاد تذهب بالمعنى، لأن لكل لغة حمولتها الثقافية والعاطفية والمتخيلة، ولكن ذوق الشاعر وحاسته الشعرية، يمكن أن تساهم في تقريب المعنى والأخيلة في اللغة المنقول إليها عن المنقول عنها، وظاهرة الترجمة وصفت من قبل بالخيانة، وتحدث عنها الجاحظ، وهو واحد من بحث أثر الترجمة في تحريف المعنى وعدم نقله بأمانة.
فبعد المقدمة المسهبة في تشريح هذه الظاهرة من الوجهة النفسية والاجتماعية والثقافية والوجودية، والحديث عن عوائق التأليف في الموضوع والاتصالات المختلفة، التي قامت بها، والجهد المبذول في الترجمة، خاضت في تراجم وأشعار الشعراء المنتحرين من الشرق والغرب على السواء، منذ مطلع القرن العشرين، وشكر الذين أسدوا إليها خدمات جليلة في جمع المادة، وهم في الواقع أسدوا خدمة إلى القارئ العربي.
في قرن من الزمن أحصت الشاعرة مئة وخمسين شاعرا انتحروا جميعا بطرق مختلفة وهم ـ جلهم – في شرخ الشباب وميعة الصبا من الشرق والغرب، مرت بالشعراء الكبار والصغار على السواء، وأثبتت نتفا أو قصائد من إبداعاتهم، ومنهم ماياكوفسكي، ويسنين، همنغواي، سيلفيا بلاث، آن سكستون، وغيرهم ممن يجد القارئ العربي أسماءهم ونتفا من أشعارهم.وختمت الكتاب بقائمة لكتاب كبار وصغار على السواء، انتحروا مثل همنغواي، أكوتاجاوا، كوستلر، مشيما وغيرهم وحتى من الفنانين والمشاهير.
وليس الغرض من هذا المقال الحديث عن أساب رحيلهم الإرادي، فهو كذلك مبثوث في ثنايا الكتاب لمن أراد الاطلاع عليه ولكن الحديث عن ظاهرة انتحار الشعراء العرب وكذا الكتاب.وهذه هي قيمة الكتاب الكبرى، بالنسبة لنا كقراء عرب، إن كثيرا منا يعرف بعض الأسماء، أو ربما قرأ لها، ولكن لا يعرف أن رحيلها كان انتحارا، أو لا يعرف أسماء لو عاشت لكان لها صدى في عالم الكتابة أو الشعر، فهم جميعا ماتوا في ربيع العمر باستثناء الشاعر خليل حاوي.
اجتياح بيروت
تثبت الكاتبة نصوصا جيدة للشاعر اللبناني الراحل خليل حاوي عام 1982 والنصوص التي تثبتها تتحدث عن تنبؤ بقرب الرحيل، من خلال العتبة النصية (عناوين القصائد) والحقول الدلالية للموت وللرحيل عن الدنيا، وإذا كانت جمانة تربط مأساة خليل حاوي باجتياح بيروت من قبل الدبابات الإسرائيلية عام 1982 فإن كثيرا من النقاد يضيفون إلى ذلك قصة الحب الفاشلة مع القاصة العراقية ديزي الأمير، ثم مرضه في الدماغ الذي كان يخفيه ولا يحب الحديث عنه :
خلنـي للبحـر للـريح لمـوت
ينشـر الأكـفان زرقا للـغـريـق
مبحر ماتت بعينيه منارات الطريق
مات ذاك الضوء في عينيــه مــات
لا البطولات تنجيه ولا ذل الصــلاة
وتفرد الشاعرة مجالا لأشعار الشاعر الأردني تيسير سبول، الذي رحل عام 1973 وتربط مأساته بالمأساة العربية عامة، وحتى الكلمات دالة على السأم والرغبة في الرحيل. وإن كان الناقد والكاتب عيسى الناعوري يتحدث عن مرض كان يعاني منه الشاعر وكتمه انتهى به إلى العمى، وربما كان هو السبب الحقيقي لاختياره الموت الإرادي:
سأسقط لابد يملأ جوفي الظلام
عذيرك بعد، إذا ما التقينا
بذات منام
تفيق الغداة وتنسى
لكم أنت تنسى
عليك السلام
إن من يقرأ الكتاب سيتخذه مرجعا، وسيظل يرجع إليه كلما دعت الحاجة، فاللغة رصينة، سواء لغة الشرح والتقرير، أو لغة الشعر التي قاربت فيها المعاني، أو الأخيلة التي حام حولها الشعراء العالميون، ولاشك في أنها بذلت جهدا هرقليا استحق هذه السنين من الإعداد والصبر والمثابرة، كما أن الصور وجودة الطبع زادت في متعة القراءة، ولو أن الأجواء كابية حزينة.
ما يؤخذ على الشاعرة الكاتبة أنها أهملت بعض الشعراء المهمين، وكان عليها أن تعرف بهم أكثر من بعضهم الآخر ـ ويشفع لها عدم توفر المعلومة، وربما نقص المصدر ـ فبعضهم كان معروفا
ومشهوداله بالشاعرية، كالشاعر المصري صالح الشرنوبي (1924/1951) الذي تنبأ له العقاد بمستقبل شعري واعد، وله محاولات في القصيدة الحديثة وهو القائل:
غدا يا خيالي تنتهي ضحكاتنا
وآمالنا تفنى وتفنى المشاعر
وتسلمنا أيدي الحياة إلى البلى
ويحكم فينا الموت والموت قادر
والشاعرة ناهد طه عبد البر (1920/1950) التي دافع طه حسين عن حقها في الدراسة الجامعية، بعد معارضة من أسرتها المحافظة، وحالتها المرضية (نوع من سرطان الدم) وكانت على علاقة عاطفية مع الناقد أنور المعداوي وهي القائلة:
أرى حكـمةَ اللّه فـي شـرعِهِ
تـردُّ الفساد وتَهدي الضـلالْ
ففـيـم الـتلاعبُ بـالدّين ربّي
وبـاسم الشـريعة يـطغى الرجـال؟
والشاعر الجزائري مبارك جلواح (1908/1943) رائد الرومانسية في الجزائر بلا منازع، هذا الذي ألقى بنفسه الكليلة العليلة من على جسر في نهر السين في باريس عام 1943 ودفن وحيدا هناك في مقبرة بوبيني الإسلامية، إلى جوار رفيقه المنتحر كذلك الكاتب التونسي الجزائري الأصل محمد العريبي، وكان الناقد الجزائري الراحل عبد الله ركيبي، قد كتب عنه كتابا كاملا معتمدا على مخطوطة لديوان الشاعر سلمها له تلميذه عبد العالي رزاقي في الثمانينيات وهو شاعر ممتاز، ولو عاش لكان أمير شعراء الجزائر بلا منازع، على الرغم من سقطاته اللغوية وهناته العروضية، ويشفع له عصاميته وكدحه عاملا بسيطا في باريس في الأربعينيات، وديوانه كله كابي اللون حزين النغمة ينذر بالرحيل الإرادي:
إني سئمت من الوجود ومن
حمق المسا وغباوة البكر
وسئمت من كيد الحياة ومن
إحن القضا وضغائن القدر
ومن التعاسة أن يفـــارقني
هذا الترنم غير منتحر
وكان من الواجب ألا تكتفي باسم الشاعر وبيتا واحدا من شعره، خاصة في ما يتعلق بالشاعر المصري أحمد العاصي (1903/1930) الذي أثنى أمير الشعراء شوقي على شعره، وقرظ ديوانه. وقد كان تلميذا لزكي مبارك وتحدث عنه في كتابه «ذكريات باريس». لقد ذكرت جلهم ومنهم منير رمزي وقد كان زميلا للروائي المصري إدوار الخراط، أنطون مشحور، مصطفى محمد، تيسير سبول، عبد الله بوخالفة، فاروق سميرة، إبراهيم زاير، قاسم جبارة، كريم حوماري، فخري أبو السعود وقد كان زميلا لزكي نجيب محمود، وتحدث عنه في مقالة وغيرهم. كتاب جدير بالقراءة يحفر في المسكوت عنه في ثقافتنا المعاصرة وجهد مشكور من الشاعرة ونتمنى أن تستدرك ما فاتها من أسماء في طبعات لاحقة.
كاتب جزائري