مرافعة سقراط «اعرف نفسك بنفسك»: هل عرف الإغريق فنّ السيرة؟

تمتدّ جذور السيرة قديما إلى الأدبين الإغريقي واللاتيني، فقد كانت الأنماط الأدبية السردية في القديم تكتب شعرا، وأفضل أنماطها الملحمة التي تتحدّث عن إنجازات أبطال وآلهة وثنيّين أسطوريين. وقد دلّ على هذا النوع من السير مصطلح السيرة (Biographie) وهي كلمة من أصل يوناني، مُركّبة من ( (bioبمعنى الحياة، و(Graphie) بمعنى كتابة، وهي بالتالي تعني: كتابة الحياة. وإذن، فإنّ السيرة هي ترجمة حياة شخص يتّسم بملامح غير عادية، تُروى على شكل مجموعة أحداث (قصة) عاشها أثناء وجوده.

سيرة الرجل العظيم

يُعدّ كزينوفون (زهاء 430-354 ق.م) في كتابيه «السيروبيديا» و«المخلَّدون» رائدا لهذا النوع من الكتابات السيرية، بما في ذلك ما كتبه عن سقراط وحياته وذكرياته معه في «المذكرات». كما عُرف عن المؤرخ اليوناني بلوتارخوس (46 -120) أنّه كان كاتبا للسير التي تعكس نظرته للتاريخ وطبيعة معالجته لأحداثه، وسماها «السير المتوازية» تحديدا. فخلافا لكثير من المؤرخين القدامى، أقدم بلوتارخوس على تجربة فريدة من نوعها في كتابة التاريخ تقوم على كتابة تراجم العديد من الساسة الملوك والقادة العسكريين العظام من أثينا وإسبارطة وروما، إذ كان يترجم لأحد الزعماء يتبعها بكتابة سيرة زعيم آخر، ثُمّ يقوم بالموازنة بينهما، كما في كتابه «العظماء.. عظماء اليونان والرومان والموازنة بينهم»: تيزيوس ورومولوس، ليكورجوس ونوما، صولون وبوبليكولا، إلخ. فهو، إذن، كان يُلخِّص في سيره المتوازية التاريخ اليوناني والروماني من وجهة نظر الأخلاقية الرواقية، حيث يختار المؤلف من ماضي الإغريق والرومان بطلين يُشخِّصان إحدى الفضائل والمثل العليا (الشجاعة، الرزانة، الإيثار، العدل، الشهامة، الحِلْم..) ويتوسع في وصف أعمالهما، ثُمّ يقارن بينهما. ويعتقد جورج ماي أن بلوتارخوس قد يكون جمع بين كونه أب السيرة واللفظ الدالّ عليها، واستعمل كلمة الـ«حياة» (بيوس في اليونانية) التي هي مناط السيرة.
ومثلما أنّ قدماء المصريين دوّنوا على أحجار المعابد والمقابر والأهرامات تراجم لعظماء الحكام والقادة، بل أنجزوا نصوصا مهمة في فن السيرة لطبيعة حساسيتهم المفرطة من الزمن والتاريخ، فقد اهتمّ هذا النوع من الكتابة السيرية، عند الإغريق والرومان، بتاريخ عظماء الرجال والأبطال من ملوك ووزراء وقادة عسكريين، عاملا على إبراز قواهم الخارقة، أو على إعادة تأبينهم بعد موتهم من أجل تمجيدهم وتخليد ذكرهم، أو قل صونا لهم من الموت وتأليها لهم على نحو ما، حتى أنّ «نوع السيرة لم يستقم أمره بحقّ إلا في صورة التأبين اللاتينية».
ولم يكن يسلم لطبيعة الأحداث التي يرويها من عالم الأسطورة، إذ التبس الواقع بالخرافة والحقائق بالخوارق، فامتزج عالم الحقيقة بعالم الخيال امتزاجا قويّا ودراماتيكيّا في كثير من الأخبار، مما أسبغ على الشخصيات الحقيقية هالة أسطورية أو ملحمية كأنّهم هم الفاعلون الحقيقيون في التاريخ، كما هو الأمر بالنسبة إلى أشهر الملاحم البطولية وفي مقدمتها «الإلياذة» و«الأوديسة» لهوميروس الذي عاش بين القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد. لقد كانت الأساطير بمثابة الأصول الأولى لكتابة هذه السير، وكانت الجماهير محتاجة إليها، ومتعلّقة بها، لتزجية الوقت أثناء السلم، وشحذ الهمم والعزائم وقت الحرب، فظهرت شخصية راوي السيرة، الذي غالبا ما يكون فردا يقف على مسرح من الساحة العمومية – الأغورا «Agora» بمواجهة الجماهير الغفيرة، ليروي سيرة بطل أسطوري أو حقيقي أو سيرة الآلهة المعروفة آنذاك، وأحيانا يضع الراوي على وجهه قناع صاحب السيرة، وربّما وقفت الجوقة على المسرح لتؤدي من خلال تبادل الأدوار والإنشاد سيرة واحد من أولئك العظماء المشاهير.

هل عرف الإغريق السيرة الذاتية؟ تردُّ مونيك تريدي – بولمر (1944) وهي باحثة فرنسية متخصصة في التراث الهيلليني-الإغريقي، بالنفي. وترجع ذلك إلى «الإكراهات» التي فرضتها الجماعة المدنية والفئات الاجتماعية وأشكال التعبير التقليدية، كما أنّ «وعي الفرد بتفرُّده لم يتخلص من تلك الأشكال والإكراهات».

كان كل ذلك يجري ضمن سياق الخوارق والمنجزات والعبقريات الفذة التي بقيت تسيطر على مشاعر مُؤرّخي الإغريق والرومان من تأثير الأساطير القديمة التي حملتهم على تمجيد البطولة والدور الذي يقوم به «الرجل العظيم». وهي إذ تتعلّق بهذه السير شفويّة ومكتوبة، كانت تحقق كيانها وتشعر بذاتها، شأن كل جماعة أو أمة تاريخية عندما تسرد تاريخها لا تستطيع أن تتخلّص بتاتا من نسج القصص حول ماضيها ومزج الخيال بالواقع، إلى حد أن «يصبح التاريخ قصة مروية، وتصبح القصص المروية التي ينسجها خيال الأمة تاريخا، ويتلاقى الزمان الكوني الخارجي مع الزمان الداخلي المعاش».
تختلف كتابة السير عندهم كما هي عند العرب التي لم تحفل بنظرية (الرجل العظيم) في كتابة سيرها، فقد سوّت الشريعة الإسلامية بين الناس، إلا في طاعة الله «إن أكرمكم عند الله أتقاكم» و«لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى» فلم يكن لهذا التأثير نظيره في الفكر الإسلامي. وإذا كانت السير في التقليد العربي الإسلامي قد عنت في جزء منها بـ«البطل» فإنّ ذلك لم يكن يتمّ إلا بالنظر إلى المهمّات الثابتة التي قام بها وأدّاها ببسالة، فهي – بالتالي- لم تكن تعنى سوى بصورة الفرد في حياة البطل، وتأثير الظواهر الدينية والسوسيوثقافية في حياته، وأثر تكوينه الجسماني والفكري في سلوكه وأعماله وعبقريّته، وهو ما يجعل السيرة تنطبع بطابع الحدث التاريخي لا الأسطوري الذي يغذّيه المخيال الشعبي ويزيد عليه.

انبثاق وعي ذاتي

لكن، هل عرف الإغريق السيرة الذاتية؟ تردُّ مونيك تريدي – بولمر (1944) وهي باحثة فرنسية متخصصة في التراث الهيلليني-الإغريقي، بالنفي. وترجع ذلك إلى «الإكراهات» التي فرضتها الجماعة المدنية والفئات الاجتماعية وأشكال التعبير التقليدية، كما أنّ «وعي الفرد بتفرُّده لم يتخلص من تلك الأشكال والإكراهات». وترى أنّ «أنا» الكاتب لم يبرز إلا متأخّرا، ببروز أشكال جديدة من الخطاب (شعر، رسائل، محكيات تاريخية، مذكرات، إلخ) أولت الكائن الفردي أهميّة جوهرية، ولم تعدم خطابا حول «النفس» واهتماما بالبعد السيرذاتي فيها.
غير أنّ ذلك لم يكن يعني ميلاد «نوع» السيرة الذاتية، بقدر ما دلَّ على أنّ هناك تعبيرا أو مسعى سيرذاتيّا اِرتبط بانبثاق مفهوم الفرد الذي أخذ يتّسع وتتكوّن معه الكتابة السيرذاتية. ومُثِّل على ذلك بـ«الأوديسة» لهوميروس، حيث يشير استعمال ضمير المتكلّم إلى الشاعر بوصفه «باثّـا» (أو «مُرْسِلا») لرسالةٍ إلى ربّة الفن، وليس بوصفه «مُتكلِّما». أمّا هسيودوس Hesiod (750-650 ق.م) فقد ظهر عنده، لأوّل مرة، شخص الشاعر، إذ يبلغ في ملحمته «الأعمال والأيام» النزوع السيرذاتي مداه. وفي بعض أشكال الشعر الغنائي، صار «أنا» الشاعر محطّ اهتمام، إلا أنّ هذا «الأنا» الغنائي بدا غامضا شأن «أنا» أغنياته؛ إنّه لا يضمن على الإطلاق ذات التلفُّظ. وربّما أن الغناء القديم – الشعر الغنائي، أي المغنّى- لم يكن يُقصد به، البتّة، التعبير عن تدفُّقات «أنا» الشاعر. كما كان العصر الغنائي كذلك عصر انطلاق دلفي Delphes وربّات إلهامها وأقوالها المأثورة، بما فيها قول (اِعرفْ نفسك بنفسك) بصورةٍ جسّدت علامة أولى على الاهتمام بحالة ما هو داخليّ عند الإغريق. كان عليهم أن ينتظروا سقراط ليحثُّهم بتلك الحكمة على الانصراف إلى تحليل النفس واكتشاف جوانب من الرُّوح وكل ما هو داخلي في نفس الإنسان. ويرى باختين في كتابه (جماليات الرواية ونظريتها) أن الإغريق القديمة شهدت نوعين من السيرة الذاتية: الأول يسميه نوعا تعاقديّا (النوع الأفلاطوني) ويتجسد الثاني في «الأنكوميون» ومثاله الأوضح مرافعة إيزوقراط.

مرافعة سقراط

يذهب أكثر من دارسٍ إلى أنّ هناك وشيجة تجمع، في العالم الإغريقي، بين السيرة الذاتية والمرافعة، ووجدوا أنّ أول سيرة ذاتية يونانية كانت المرافعة التي دافع بها سقراط (470 – 399 ق.م) أثناء محاكمته المشهودة بعد إدانته من قبل حكومة أثينا الديمقراطية بتهمة إفساد الشباب والإلحاد. يقول: «قد يسأل بعضكم: لكن ألا تندم على ما فعلت حتى الآن، حيث قد يعني ذلك موتك؟». فأجيب على هؤلاء: «أنتم على خطأ، ينبغي على الرجل الطيب أن لا يحسب فرصه في الحياة والموت، عليه فقط أن يسأل نفسه إذا كان يفعله صواب أم خطأ، سواء كانت ذاته الداخلية طيبة أم شريرة».
كان سقراط يسعى بقوة إلى جعل الآخرين يمارسون تفكيرهم الخاص، فكان محط إعجاب الكثيرين إلى درجة دفعتهم إلى الكتابة عنه، وكلهم رأوا فيه شخصا غريبا بالنسبة إلى تقاليد القرن الخامس قبل الميلاد في أثينا: في مظهره، وشخصيته، وسلوكه، وكذلك في آرائه وأساليبه.

يذهب أكثر من دارسٍ إلى أنّ هناك وشيجة تجمع، في العالم الإغريقي، بين السيرة الذاتية والمرافعة، ووجدوا أنّ أول سيرة ذاتية يونانية كانت المرافعة التي دافع بها سقراط (470 – 399 ق.م) أثناء محاكمته المشهودة بعد إدانته من قبل حكومة أثينا الديمقراطية بتهمة إفساد الشباب والإلحاد.

بيد أن المحير في الأمر صعوبة التمييز بين سقراط التاريخي وسقراط الموجود في نصوص من كتبوا عنه، بالإضافة إلى تعدد شخصيات سقراط في تفسير العشرات من المفسرين المتأخرين، وكل تفسير منها يتصور سقراطا «ممكنا نظريا» كما ورد في موسوعة ستانفورد للفلسفة. وفي المقابل، يعتقد ميخائيل باختين (1895- 1975) أن «مرافعة إيزوقراط» كانت بمثابة العمل السيرذاتي الأول، بحيث جسَّدتْ مظهر الإنسان الواعي بنفسه ووجوده، أو بشخصيته في علاقتها بذاتها أو بالآخر، والباحث عن «المعرفة الحقيقية». كما تركّزت أولى المحكيات على تاريخ «الأنا» ومغامراته، ولاسيّما محكيات الخطيبين إيزوقراط (436-338 ق.م) وديموستين (384-322 ق.م). لكن ما إن شارف القرن الرابع على نهايته، وتزامن مع أزمة المدينة القديمة، حتى بزغ نجم الفرد بديلا عن صورة المواطن المتواضع عليها، فتعدّدت «الأنواع السيرذاتية» بما في ذلك المذكرات مثل «الأناباسيس» لكزينوفون، والرسائل مثل رسائل أفلاطون (427- 347 ق.م) تحديدا. ففي رسالته السابعة ينثر أفلاطون جانبا خطيرا من سيرته الذاتية، وهي ـ كما قال عبد الغفار مكاوي- «ليست مجرد اعتراف شخصي أو ترجمة ذاتية أو سيرة حياة تلقي الضوء على طموح أفلاطون لتحقيق أفكاره وأحلامه، والأخطار التي تعرض لها، وإنّما هي بجانب ذلك كله نافذة نطل منها على قلبه الذي وقف دائما وراء فكره، ونتعرف من خلالها على معالم فلسفته المتأخرة».
لكن يمكن القول، اختصارا، إنّ الأدب السيرذاتي الإغريقي – اللاتيني الذي لم يصلنا إلينا منه إلا شواهد قليلة، قد عرف، خلال الفترة الهيلينية، نموّا مُطّردا، لكنّ الانشغال الجمالي والأخلاقي كان يفوق الفضول السيري؛ إذ إن الأمر كان يرتبط بتمجيد الشخصية اللائقة بنماذج الماضي وبالاعتبار العمومي، أكثر من التركيز على المميزات الفردية نفسها.
وبخلاف ذلك، كانت التراجم والسير في قديم الثقافة العربية والإسلامية من الأنواع النثرية القديمة التي اهتمّ بها الأدباء والعلماء العرب القدامى ممّن كانت لهم منزلة أو سلطة ما في مجتمعهم أو في دواليب الحكم والسياسة، حظوا بها أو دُفعوا إليها لسبب من الأسباب.

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية