مراقبة أحزان العالم

حجم الخط
0

قصيدة عن صورة
في الهند شركةٌ كبيرة, ذات فروعٍ في المدن
تشتري جثثاً من أسر فقيرة
لا تملكُ مالاً لمصاريفِ حرقها…
«كشفت الشرطة الهندية عن وجود تجارة غير مشروعة في العظام البشرية، إذ تؤخذ الهياكل العظمية للقرويين الفقراء الذين لا يملك ذووهم كلف إحراق جثثهم، لتباع من أجل أغراض بحث طبية. كانت الشرطة قد عثرت مصادفة على «مصنع عظام» في قرية تقع على ضفاف نهر بهاجراتي غربي البنغال، حيث وجدت العشرات من الهياكل العظمية وهي تعالج بمواد كيماوية حافظة ثم توضع في الشمس لتجف».
إن ملاحظة طبيعة العلاقة بين القصيدة والخبر الصحفي تكشف مناورة القصيدة التي لم تستقِ مادتها من الصورة كما يثبت عنوانها، بل من الخبر بعد إعادة إنتاجه بطاقة شعريّة عاليّة. كتبتُ قبل مدّة ملاحظة نقديّة قصيرة بعنوان (قراءة صلاح فائق)، عمدت فيها إلى معاينة سؤال طالما راودني مع كلِّ تأمل لنصوصه وهو يبدأ من لحظة شعرية أولى- كلُّ قصيدة من قصائده هي، على نحو ما، قصيدة أولى، إنها التجربة التي تنشغل بالمادة الحيّة للشعر أكثر من انشغالها بنفسها- يؤمّن الشاعر لنفسه موعداً في مواجهة عزلته وهو يمنحها فرصة للتعبير عن المتضادات، ليشكّل التضاد آليةً في بناء عوالمه وإنتاج صوره التي تؤكد رؤيتها بوصفها موقفاً وخلاصةً أكثر منها خياراً فنياً أو تقنية عابرة. ثمة ما هو أصيل في قصيدة صلاح فائق يدعونا لمغادرة مواقعنا والمشاركة معه في النظر إلى العالم، فنطلُّ على مشهد نكون نحن جزءاً منه، ويمضي في تفاصيل الفكرة التي ترنُّ العزلةُ في صلبها مثل جرس قديم. مشهد موحش لا ريب، لكنه كفيل بإنتاج الدهشة وهو يُزيح الكثير من رتابة الواقع ليُقدّم واقعاً مبتكراً يبدو الإنسان فيه أعمق صلةً وأفصح إخاءً مع كلِّ ما حوله، إنه إنسان الحكاية الأولى، إنسان الدهشة والرغبة والخطيئة والسؤال. إنها العزلة تكشف مراياها، وتواصل كتابة قصيدتها مقرّبةً شاعرها من جوهر التجربة الإنسانية بسؤالها الصعب وسخريتها المريرة. واليوم، مع قراءة (قصيدة عن صورة) أراني أفيد من بعض الأفكار التي بنيت عليها الملاحظة السابقة، فالتجربة التي تنشغل بالمادة الحيّة للشعر تجد حضورها في القصيدة من جديد، ثمة ابتكار شعري يتحقق من مواد واقعيّة عابرة، تُلتقط بعناية للتعبير عن تناقضات حياتنا، الشركة الكبيرة ذات الفروع عملها الأساس جثث الأسر الفقيرة، النهر المقدّس تُغلى عند ضفافه الجثث، يُفرغ ما في رؤوسها من ذكريات وأحلام ومشاعر لتنظف الهياكل جيداً، ثم تُعطّر إيذاناً بتحوّلها إلى مادة مفرغة لا تربطها بأصلها البشري أية ذكرى بعيدة أو عاطفة، إنها هياكل مهيأة للبيع والتصدير لتُعرض طويلاً في أماكن نظيفة مكيّفة. لم يكن الشلال، وحده، بخريره المتصل في الحكاية الصينية القديمة، ما حرم الامبراطور لذة النوم، بل دأب الفنان على أن يمنح كائنات الصمت صوتاً عميقاً موجعاً.
عند ضفافِ نهرهم المقدس : يغلون الجثة ,تتفكّكُ , يرفعون الهيكل العظمي , يفرغون ما في الرأسِ من ذكرياتٍ واحلامومشاعر . يُنظّف الهيكلُ جيداً , يعطّريباعُ هنا وهناك , يُصدر الى الخارجليُعرضَ في الكلياتِ وغرف الوزراءعند ضفافِ نهرهم المقدس : يغلون الجثة ,تتفكّكُ , يرفعون الهيكل العظمي , يفرغون ما في الرأسِ من ذكرياتٍ واحلامومشاعر . يُنظّف الهيكلُ جيداً , يعطّريباعُ هنا وهناك , يُصدر الى الخارجليُعرضَ في الكلياتِ وغرف الوزراءعند ضفافِ نهرهم المقدس : يغلون الجثة ,تتفكّكُ , يرفعون الهيكل العظمي , يفرغون ما في الرأسِ من ذكرياتٍ واحلامومشاعر . يُنظّف الهيكلُ جيداً , يعطّريباعُ هنا وهناك , يُصدر الى الخارجليُعرضَ في الكلياتِ وغرف الوزراء.
كاتب عراقي

لؤي حمزة عباس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية