‘كلما أنت، وكلما أنحنيت على أحرفك’ لصباح زوين:
إسماعيل فقيهيبقى الشعر عصيا ً على الغياب والتراجع، ويطلّ بوتيرة عالية ومفاجئة في لحظة مفاجئة، وترسم المفاجأة الشعرية التي تبرز دون سابق إنذار حقيقة ما آلت إليه القصيدة من تطور ومواكبة سريعة غير متسرعة للزمن، الزمن بما يحمل من إضاءات تكفل حماية نظام العيش والإحساس والشعور الذي يُهندس الحياة نفسها. ويأتي كتاب الشاعرة اللبناية صباح زوين ‘كلما أنتِ، وكلما انحنيتِ على أحرفكِ’ (دار نلسن- حزيران/يونيو 2011) ليرسم معالم هذه المفاجأة الشعرية التي تثبت بالملموس بلوغ الشعر مرتبته المتقدمة بين الفنون.
الشاعرة اللبنانية صباح زوين لها خصوصيتها الشعرية التي بدأتها منذ أن دخلت الى بيت القصيدة، ويبرز هذا جليا ً في كتابها الذي يفور بكلماته بين يدينا مثل خلية نحل. تواصل زوين رحلتها الشاقة والجميلة والممتعة مع الكلمة عبر كتاباتها المميزة دائما ً من حيث التقنية والمضمون والجمالية التي تمارسها في شعرها منذ كتاباتها الأولى في بداية الثمانينات، لتتنقل بين مضمون المكان ومضمون الزمان، بين الحيرة من الوجود والدهشة إزاءه، بين التقنية المميزة والصورة الخلابة المزدانة بألوان خاصة داخل الكلمة التي تنتقيها وكأنها تراقب البلّور تحت عادات الشمس. في خضم الفوضى والتساهل والفقر التي أصابت قصيدة النثر أخيرا ً خصوصا ً لدى الكثيرين من الشباب والشابات، في خضم أدغال من الكتابات الناسخة والمنسوخة التي تبقى عاجزة عن الوصول الى صلب قصيدة النثر، الى بريقها وجماليتها، تأتي الشاعرة صباح زوين، وهي من أهم الشاعرات في لبنان، تأتينا بجديدها المتألق، وكل جديد عندها مميز، ويحمل الصور المزدانة ببريقها ووعيها وجنونها العذب، لأن ما تكتبه يشكل في كل مرة انعطافة مهمة في الشعر الراهن. وكيفما قرأناها سرعان ما ندرك لغتها ونتعرف عليها.
انها تكتب وتعيش قصيدة السؤال الوجودي بعيدا ً عن الحزن العادي والبليد الذي يخرج من أقلام غير متمرسة. ألمها يمكن أن نصفه بالفريد، بعيدا ً عن نظريات متصنعة، كذلك حزنها وخيبتها لا يمتان بصلة الى الحزن الطوباوي الذي يحمله عامة الشعراء شعارا ً باهتا ًً في ما يسمى ب’قصائد’. ما تكتبه صباح زوين هو الغرابة العفوية في كل ما تحمله هتان الكلمتان من معنى. يحار المرء إزاءها، ففيها غرابة لا يمكننا سبرها، وهذا ما تنضح به قصائدها الممتدة على ثلاثة عقود. تكتب من منطلق غرابة الوجود، من سؤالها المستميت حوله وحول اللغة، ما يجعلها تقيم في قلب اللغة، وهي على عرشها دون سواها. انها الكتابة الكثيفة والعميقة، الملتبسة والحاضرة بقوة، هي المقيمة بين الحافة والهاوية. إنها الظهير المزدوج للغة. إضافة الى ذلك، نقع في كتاباتها على حيز هام ألا وهو الدهشة الدائمة إزاء الوجود. انها المندهشة العفوية رغم غرابتها. فاللحظة التي تكتبها زوين هي لحظة الدهشة الخارقة بامتياز حيث تدوين الزمان والمكان مغامرة ميتافيزيكية وفيزيكية في آن، تعبر من خلالها، من عدسة العين في لقطة تصويرية إلى اللحظة الشعرية الرائعة، تجمع فيها الشاعرة بمهارة المبدع، بين ما فات وما هو آت، في لوحات خلابة من الصور النادرة.
اللافت أيضا ً لدى زوين في معظم كتبها، ميلها إلى استعمال الجمل الإسمية الفائقة الجمال، جمل يمكن القول إنها تلوّح للقريب والبعيد بإشارات الوعي: ‘أو كلما نسمة الصبح الى مراياك والحيطان، وكلما أشعة اسمائك بين ذهب اصابعك’. من تقنياتها الأخرى، تلك الجملة المبنية على المفاجأة حيث تأتينا بما لا ننتظره في مستهل الجملة وبما لا نتوقعه في نهايتها، وهذا ما عملت زوين دائما ًعليه بفنية كبيرة. تلجأ الشاعرة الى ربط القصائد والصور من خلال اللعب التقني على المطالع والمخارج حيث يحدث الإنتقال من صورة الى أخرى ومن جملة شعرية الى أخرى بطريقة غير مباشرة، من خلال أحرف وصل لا نتوقعها من أمثال ‘أو’، ‘أي’، ‘كلما’، ‘كيف’ ‘كم’ ‘فقط’ الخ. تستعمل هذه الأحرف في أمكنة غير اعتيادية من الجملة دون سابق إنذار فتقطع الجملة السابقة لتدخل الى اللاحقة من خلال هذه الأحرف، لتصنع تلقائياً قصيدة مختلفة. أضيف الى أن كتابة زوين الشعرية قائمة على عنصر اساسي آخر، وهو اللقطة الفوتوغرافية – السينمائية. كل كتبها تحمل بصمات ‘كاميرا’ تصوّر وتكتب في آن. كتابة زوين هي لغة الممحاة من داخل التدوين، وهي إشكالية لطالما رافقتها: ‘وكنتِ منذ البداية تعلمين أن التدوين كالمحو في فراغ البياض’ – ‘أنت التي في الصفحة الجوفاء تكتبين، وكم حاولت القبض على احرف الكتابة، كم تلك الذهبية احرف كلماتك…’- . تكتب لتمحو وتمحو لتعيد الكتابة، لتكتب بذلك ودون كلل، عن إشكالية الكتابة. انها الكتابة عن الكتابة بامتياز. انها تلعب على تقنيات عدة، تقنيات تصرّ عليها وتلاحقها، بعيدا ً عن الطنطنات اللغوية الفارغة التي يلجأ اليها الكثر. كأن الغربة إزاء الكتابة وغوصها فيها في آن هي ما يحرك لغتها. فنشعر أن الشاعرة في كل ما تكتبه وتعيشه غريبة عن الآخرين.
تذهب الشاعرة عميقا ً في ألم العلاقة العاطفية ونواحيها الضارية، ولكن هنا أيضا ً يجب الإشارة إلى فرادة زوين في الكلام عن هذا الموضوع، بل تظل في منطقة الحيرة والغموض. لم أعثر يوما ً في كتابات صباح على’رجل’ عادي أو على ‘حب’ كالذي نقع عليه في قراءاتنا الكثيرة لديهن جميعا ً. يبقى الرجل عندها استعارة للتعبير عن الألم إزاء الوجود وإنكساره. كما عرفتها دائماً، هي الشاعرة الوحيدة التي لم تعرف يوما ً البلادة في صناعة القصيدة. إنها تبعد كل البعد عن الآهات المصطنعة التي عرفناها عند كثيرات وخصوصا ً تلك اللواتي يتخذن من الجسد والجنس مدخلا ً لهذه العملة الباطلة. فالحب عندها نوع فريد لم تطأه قدمٌ بعد ولم يبلغه قلب. الحب عندها من نسيج خاص وحنان خاص. تلجأ زوين الى الرجل لكي تصنع من خلاله لغتها العالية النبض، الموجعة والمُخففة للألم في آن، لكي ترسم مأساة الوجود. قد أقول ان صباح زوين أول امرأة تكتب عن الحب دون تدفق عاطفي، دون أي اشارة الى التفجع أو الى الإطراء الباهت. العلاقة بين الرجل والمرأة لديها هي بمثابة المرجع المأسوي الأساسي لإشكالية الحياة. يقول الشاعر اللبناني شوقي أبي شقرا في الشاعرة: ‘المثل الذي توفره زوين ما زال الأفدح شعريا ً، وما زال عرضة للأخذ منه والإستقاء ولأن يقلّده آخرون ومن هؤلاء بعض النسوة’. قد يقلدها الآخرون، يحاولون، لكنهم قاصرون عن بلوغ ما يشتهونه من تقليد. كتاباتها خاصة بها فحسب، حيث التمرد على كل ما يكتب راهنا، خارج أي معيار وأي ماض، لغة تتوهج بقدر ما تتوهج صورها النارية والبراقة، وكأنها المتأرجحة بين جحيم الوجود ونوره. انها تجربة صاخبة تتسم بالجمع بين الفيزيك والميتافيزيك وفيها من العمق الإنساني والفلسفة الوجودية بقدر ما فيها من شطحات واختزالات شعرية. انها لغة ثالثة كما تقول شاعرتنا دائماً، ‘لغة العجز’ عن اللغة وعن الكتابة التي دائما ً أقلقتها، لأنها تحديدا ً اللغة المتمكنة من ذاتها. تقول: ‘وكلما العجزعن الكلام، وكان الوقت من فتات كلمات… كيف الكتابة وأنت في العمق ومن كثرة العمق رأيتك تهلكين…’ – ‘كتابة في أوج الكتابة، وكأنك في ذروة العجز… أو هو العجز عندما الذروة أو ربما، عندما اكتمال التدوين’. دون أن ننسى الإيقاع الذي تبني عليه الشاعرة كتابتها ويرتكزعلى موسيقية ملفتة.
من يقرأ في تجربة زوين الشعرية لا يسعه إلا الذهاب عميقا ً في الأسئلة، ربما نفس الأسئلة التي تطرحها الشاعرة في معرض قلقها وخوفها وانكسارها الوجودي، وحين تكتمل الأسئلة يزداد السؤال الكبير حضورا ً: ما هذا الخزان الكبير الذي تحمله الشاعرة في جعبة قصيدتها، خزان الحب والفرح والألم والحيرة النابضة بجنون العاطفة، طبعا ً العاطفة الخاصة غير الممجوجة التي عودنا عليها أغلب شعراء الحداثة وما قبلهم من كلاسيكيين وسواهم من الذين اعتقدوا أنهم قدموا جديداً في هذا السياق الإنتحاري. وشاعرتنا بكتابتها أعطت البرهان الساطع على أن حقيقة القصيدة هي حقيقة الشعور الممهور بقلق اللغة والمعرفة وثورة الوعي داخل الإحساس والذات.