مراقب إسرائيلي: تل أبيب تستعد لاحتلال مدينة غزة وستكتشف أن غزة هي التي احتلتها

وديع عواودة
حجم الخط
2

الناصرة- “القدس العربي”: مع بلوغ حرب الإبادة اليوم السبعمئة، اليوم الجمعة، يتواصل الجدل في إسرائيل حولها بين من يدفع للمزيد من فظائعها، وتحقيق أطماعها التدميرية غير المعلنة، بحجة أنها لم تحقق أهدافها بعد، ومن يحذّر من استمرارها، ويرى أن حملة احتلال مدينة غزة الآن ستعود عليها بضرر فادح وغير مسبوق.
ومقابل المؤيدين لاستمرارية الحرب، لكي لا تنجو “حماس” وتهزم بالتالي إسرائيل، كما يقول المعلق بوعز هعتسني، مشجّعًا على احتلال مدينة غزة بكل ثمن، هناك مراقبون كثر يحذرون من التبعات الخطيرة لحرب العصابات، منهم ميخائيل ميليشتاين، المحاضر في الشؤون الفلسطينية، الذي يقول في مقال تنشره “يديعوت أحرونوت” اليوم إن غزة مرشّحة لتصبح بغداد التي تسببت بوجع رأس كبير وخطير للأمريكيين بعد احتلالها.

بار إيل: سيتحوّل احتلال غزة لمستنقع نازف وموجع أكثر مما هو واقع الحال في الضفة، فالجيش لم يبلور خططًا لتوزيع الغذاء، وسيحتاج للانشغال بالأمن

وتابع ميليشتاين، وهو جنرال في الاحتياط ومدير قسم الأبحاث في الاستخبارات العسكرية سابقًا: “أنا قلق جدًا من أننا نتقدم نحو حكم عسكري ثقيل ومكلف لنا ولا نفهم إلى أين نحن ذاهبون”.
ويتفق معه محلل الشؤون الشرق أوسطية في صحيفة “هآرتس” تسفي بار إيل بقوله إن إسرائيل تستعد لاحتلال مدينة غزة، ومن شأنها أن تكتشف أن غزة قد احتلتها. وينضم بار إيل للذين ينبّهون لتبعات حملة “القبضة الحديدية” على غزة، ويوضح أن معنى الحكم العسكري الجديد في القطاع يشمل خسارة عشرات مليارات الدولارات في السنة، عقوبات دولية وأزمة في العلاقات مع مصر والإمارات.
ويضيف: “رغم التحضيرات المكثفة لاحتلال غزة، ليس واضحًا ماذا سيكون حجم مسؤولية الجيش المدنية، ومع فقدان بنى تحتية وحكم محلي سيتحوّل احتلال غزة لمستنقع نازف وموجع أكثر مما هو واقع الحال في الضفة الغربية، فالجيش الذي لم يبلور بعد خططًا مرتبة لتوزيع الغذاء بعد احتلال القطاع، وفق ما يؤكده ضباط كبار، سيحتاج للانشغال في الأمن الجاري داخل المراكز السكنية التي سيبقى فيها رجال حماس”.

في الجانب الآخر يشير زميلاه نير حسون وروان سليمان، في تقرير مشترك تنشره “هآرتس”، إلى أن العالم يتحدث عن الجوع، لكن معظم القتلى في القطاع يقتلون بالقصف الإسرائيلي، بمعدل 70 فلسطينيًا يوميًا، وكل محاولة استيضاح لماذا تم تنفيذ 29 هجمة قتلت 180 غزيًا بينهم نساء وأطفال، يكون الجواب عموميًا أو بالصمت.

في ملحقها، تنشر صحيفة “يديعوت أحرونوت” اليوم مقابلة مع “ع”، طيار إسرائيلي محجوب الهوية يعمل في سلاح الجو منذ 30 عامًا، وقام بعملية اغتيال محمد الضيف ومحمد السنوار وأبو عبيدة وغيرهم بإلقاء أطنان من الديناميت، فيقول إن هناك أمورًا يرويها لزوجته شريكة سره ولبعض زملائه في سلاح الجو، لكنه يحتفظ بالكثير من معلومات لنفسه. وعن قتل مئات المدنيين الأبرياء خلال عمليات الاغتيال يكتفي بالقول: “لا أريد أن يعلم أولادي بما أقوم به”.

وتنشر “هآرتس”، في ملحقها الأسبوعي، اليوم الجمعة، مقالًا نادرًا لمحاضر إسرائيلي في الحقوق في جامعة نوتنغهام، أور بسوك، يشن فيه هجومًا على المحامين والمستشارين القضائيين الإسرائيليين بالقول إنهم، فيما يصارعون من أجل إفشال الانقلاب القضائي والسياسي في إسرائيل، فإنهم هم الذين يصادقون على الفظائع التي ترتكبها داخل قطاع غزة.

متى يصحو ترامب؟

ويتركّز زميلهم يوسي فرطر، محلل الشؤون السياسية في صحيفة “هآرتس”، مجددًا، عند أكاذيب وفظاعات نتنياهو وثلته في حكومة الاحتلال، في مقال بعنوان “حكومة غريبة”، يؤكد أنه في اليوم السبعمئة للحرب واضح أن صناع القرار عندنا، والذين يديرون حياتنا هم غرباء لا يكترثون بالمخطوفين ولا بالقتلى ولا بالقيم الإنسانية.

متقاطعًا مع زميله تسفي بار إيل حول تبعات استمرارية الحرب، يشدد فرطر على أن نتنياهو لا يقامر فقط بحياة البشر، بل بمكانة إسرائيل في العالم، فكل ما يمسّه ينهار، وعندما يسخر من قادة “ضعفاء” فماذا يقول ذلك عمليًا عنه هو؟ هناك شيء واضح تمامًا، وهو أن كل من يُعيّن في وظيفة حكومية يضطر للحصول على موافقة السيدة سارة نتنياهو.

كما يتوقف فرطر عند الموقف الأمريكي المتقلب، المساعد لحكومة الاحتلال في مواصلة المذبحة، بالقول إن نتنياهو وديرمر ينجحان بالتغرير بترامب واللعب عليه، لكن احتلال مدينة غزة سيدفعه للاصطدام بالواقع.
وبلغة حادة مباشرة يقول فرطر: “للرئيس الأمريكي الفاشل والمسكون بجنون العظمة لا توجد مصاف، ومن زلات لسانه يمكن الفهم في كل وقت كيف يقوم نتنياهو ومبعوثه لإفشال الصفقات وزير الشؤون الإستراتيجية رون ديرمر بالضحك عليه. واحدة من هذه الأمثلة عدد المخطوفين الأحياء وتورطه بأخطاء حوله، إلى جانب انضمامه، هو الآخر، لخطاب وشهوة الانتقام من “حماس”، وسط بلادة إحساس تجاه تحرير المختطفين. منذ استعادة الأسير من أصل أمريكي عيدان ألكسندر، يبدو أن الرئيس الأمريكي لم يعد يهمه الموضوع”.

فرطر: نتنياهو لا يقامر فقط بحياة البشر، بل بمكانة إسرائيل في العالم، فكل ما يمسّه ينهار

لحظة فارقة في انهيار إسرائيل

وفي سياق الحديث عن التبعات الإستراتيجية السلبية لاستمرار النزيف والصراع ومخططات ضمّ الضفة الغربية المحتلة، يرى أيضًا المحلل السياسي في “يديعوت أحرونوت” بن درور يميني، الذي يقول اليوم، في مقال غاضب بعنوان ساخر: “نعلن بهذا عن اغتيال الدولة اليهودية في أرض إسرائيل”، إن سموتريتش يريد إحالة السيادة الإسرائيلية على 82% من الضفة. هكذا ببساطة. كينونة جديدة تشمل بانتوستان فلسطيني صغير يمتد على 18% منها، وفي المرحلة القادمة ستقوم عندئذ دولة ثنائية القومية، دولة واحدة من البحر إلى النهر، وعندها سيكون الانهيار الدبلوماسي الحالي لعبة أولاد صغار مقارنة بما سيحدث لنا لاحقًا”.
وبذلك يتكاتب يميني مع مقولة بن غوريون عن خطاب إعلان إسرائيل في 1948، عندما قال، في إعلان ما زال حاضرًا في ذاكرة الإسرائيليين: “أعلن بهذا عن قيام دولة يهودية في أرض إسرائيل”.
في هذا المضمار، يكشف تحقيق صحيفة “هآرتس” عن قيام قائد لواء المركز في جيش الاحتلال، الجنرال روني نوما، خلسة بإقامة نقطتين استيطانيتين في الغور الفلسطيني خلال أداء مهامه العسكرية.
ويتتبّع تحقيقٌ آخر في الصحيفة ذاتها مسيرة ضابط آخر مرشّح لرئاسة “الشاباك” لاحقًا، دافيد زيني، المتشدد والغيبي في توجهاته، وتقول إن تعيينه في هذا المنصب لحظة فارقة ومؤسِّسة في انهيار إسرائيل. وينوّه التقرير إلى أن زيني، الذي أعلن عنه نتنياهو خليفة لرئيس الشاباك المستقيل، ليس تعيينًا اعتياديًا، وقد امتنع عن ترقيته رؤساء الجيش بسبب تطرفه المفرط، لافتًا إلى أن والده عضو في حزب “نوعم” المتشدد سياسيًا واجتماعيًا، وأن عمه سبق أن نشر مقالًا في كتاب “باروخ الرجل”، الذي صدر عن مستوطنين قبل ثلاثة عقود، وأشاد بالسفاح باروخ غولدشتاين، منفذ مذبحة الحرم الإبراهيمي في الخليل عام 1994.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية