مراهنة الانتظار

حجم الخط
0

مراهنة الانتظار

الياس خوريمراهنة الانتظاريراهن النظام العربي علي البقاء من خلال قدرته علي الانتظار. الخليج ينتظر انتهاء المقامرة الأمريكية في العراق الي الفشل، كي يتنفس من جديد، والأنظمة الديكتاتورية في المشرق، تنتظر هذا الانتظار، كي ترتاح من كابوس الديمقراطية علي الطريقة البوشية الحمقاء التي لم تجلب سوي الدمار.انه زمن الانتظار.شلل كامل يشبه الشلل العثماني عشية السقوط الكبير في الحرب العالمية الأولي. لكن الفرق ان العرب ليسوا امبراطورية تعيش اضمحلالها بعد حياة مديدة. فالمشروع الوطني العربي كان لا يزال في طور التشكّل عندما بدأ يترنّح في حرب حزيران 67، وهو يحتضر اليوم في دول ودويلات تشبه دول ملوك الطوائف الأندلسية.الانتظار العربي له ثلاثة عناوين: النفط والعسكر واسرائيل. وابتداء من ثمانينيات القرن المنصرم اضيف اليه عنوان جديد هو الأصولية.اذا حللنا هذه العناوين، نكتشف انها شكلت ارضاً واحدة مشتركة بعد الخامس من حزيران. الهزيمة الحزيرانية الرهيبة اعلنت نهاية الصراع بين الأنظمة التقدمية والأنظمة الرجعية، مفتتحة الحقبة السعودية في السياسة العربية، وفي هذه المرحلة لعبت هذه العناصر الأربعة ادواراً تكاملية من اجل احكام طوق الانحطاط علي المشرق العربي.كان النفط لعنة العرب الكبري. اذ في ظلّ تحول الذهب الأسود الي العصب الأساسي للاقتصاد العالمي، لم يعد الاستقلال الذي تحقق في اواخر الأربعينيات واوائل الخمسينسيات ذا جدوي. اذ صارت المنطقة احدي اهم بؤر الحرب الباردة، قبل ان تتحول اليوم الي الملعب الأساسي الذي تخوض فيه الولايات المتحدة معركتها الأساسية كامبراطورية وحيدة صاعدة.اذا قمنا بتحليل المال العربي النفطي المهدور، فاننا سوف نصاب بالفالج. لقد رمي العرب مالهم في اللاشيء. وهذا ليس مستغربا، لأنه في الواقع لم يكن مالهم. تأسست مدن الملح ، بحسب الروائي العربي الكبير عبدالرحمن منيف، ومعها تأسست سياسة الملح، التي تتحول اليوم ثقافة مالحة تجتاح بلاد المشرق العربي، معيدة اياها الي ما قبل عصر النهضة.لم يجلب النفط معه سوي الفشل والأصولية. يقظة العرب العسكرية، علي الطريقة الناصرية، قادت الي الهزيمة والفشل، ومن ركام الفشل نجحت الولايات المتحدة في تجنيد الأصولية في معركتها الأخيرة مع الأمبراطورية السوفييتية. ومن لهب هذه المعركة ولد شبح اصولي جديد، معاد لامريكا، لكنه يريد ايضا اعادة العالم العربي الي ما قبل التنوير.تحولت لعنة النفط الي ضابط لحركة نظام العسكريتاريا العربية. فبعد نهاية الناصرية، فقدت الأنظمة العسكرية شرعيتها السياسية والشعبية، وتحولت الي اداة قمع مطلقة. والطريف ان نظام النفط كان يدعم البعثيين المتنافسين في العراق وسورية. دفع الأول الي حربه الحمقاء مع ايران، محافظا علي دعمه للثاني الذي كان حليف ايران الأساسي. والمحصلة كانت تحويل القوة العسكرية العربية الي شبيه بالقوة النفطية، اي الي قوة مهدورة.لقد هدر النظام العربي الذي تأسس بعد الخامس من حزيران عنصري قوته. صار النفط وسيلة لتكبيل العرب، بدل ان يكون وسيلة لبناء قوة اقتصادية وسياسية، وصارت الجيوش قوة مهدورة، مهمتها خدمة الأمريكيين في ايران، وتحطيم المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية والي آخره… غير ان الدور الأساسي الذي انيط بالجيوش كان تحطيم المجتمعات العربية وتحويلها الي ركام طائفي عشائري عاجز عن التعبير عن نفسه.وفي المقابل، بقيت اسرائيل هنا، ترهب الدول العربية كلها، تسحق الفلسطينيين، وتلعب منفردة في الحقل النووي، مذكرة العرب بذلهم وعارهم وعجزهم.هذه المعادلة الرباعية قادت الي تأسيس زمن جديد اسمه زمن الانتظار. فعندما افلتت الآلة المعدنية الامريكية من عقالها، بعد الحادي عشر من ايلول، وذهب المحافظون الجدد الي مغامرتهم العراقية، كوسيلة لارهاب العالم بأسره، لم يجد النظام العربي من وسيلة سوي الاختباء والانتظار. اصلاحات ديمقراطية شكلية في مصر من اجل تهدئة الأمريكيين، تراجع سوري مؤقت في لبنان، في انتظار ان يستوعب الأمريكيون ما تعرفه اسرائيل من ان اسقاط النظام السوري مضرّ لهم اولا، العاب ديمقراطية مضحكة في بعض دول الخليج.غير ان العنصرين اللذين لم يتغيرا كانا النفط واسرائيل. الارتفاع الهائل في اسعار النفط لم يغير شيئا في الاداء العربي، فالأموال التي جمع القليل منها لم يستطع احد ارسالها الي فلسطين، كما ان الموقف السياسي العربي من القمع الاسرائيلي المتمادي بقي يراوح في مكانه، وبقيت الدول العربية كالمتفرج العاجز امام مشهد الموت الفلسطيني اليومي.انه زمن الانتظار.يعتقد النظام العربي انه يشتري البقاء في وصفه رجل امريكا المريض عبر الانتظار، من دون ان يدري ربما انه يعيش علي فوهة بركان جحيمي مفتوح. فالانتظار لا يقود الا الي مزيد من التدهور الذي تلوح اشاراته في العراق وفلسطين. وسياسة ترقيع الواقع بالقمع تارة والانحناء تارة اخري او عبر اللعب علي هامش تناقضات السياسة الامريكية وفتاتها، لن يقود الا الي تحويل المشرق العربي الي ارض للخراب.ومع الانتظار تولد ثقافته، وثقافة الانتظار حكاية طويلة تشير الي الكيفية التي رضخت فيها الثقافة العربية الحديثة للترهيب والترغيب بحيث انتهت منفية في بلادها. 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية