لندن- “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “الغارديان” مقالا للدكتورة الأسترالية آمي نيلسون، المختصة بطب الطوارئ والتي عملت مع أطباء بلا حدود والصليب الأحمر الدولي ومنظمة كادوس الألمانية، قالت فيه إنها كانت تعرف عددا من المسعفين الذين قتلهم الجنود الإسرائيليون في مجزرة 23 آذار/ مارس قرب مدينة رفح، وشعرت بالحزن الشديد.
وقالت: “أكتب لأشهد على الروعة العظيمة لهؤلاء الرجال وعلى لطفهم ورقتهم وطيبتهم…عندما وردت الأخبار الأولية عن إعدام ثمانية مسعفين من جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني واختفاء مسعف آخر في عيد الفطر، حدقت طويلا في صور الرجال الذين قتلهم الجيش الإسرائيلي. ومنذ ذلك الحين، ازداد تعلقي بهم يوما بعد يوم. فقد عرفت بعضا من هؤلاء الرجال”.
وأوضحت أنها نظرت إلى الصورعن أيامها التي قضتها في غزة العام الماضي “باحثة عن هؤلاء الرجال في ذاكرتي ورأيتهم مع المرضى، راكعين بجانب النقالات التي كانت بمثابة أسرّة وهم يضمدون الجروح ويتحدثون ويطمئنون. رأيتهم يحملون المرضى في سيارات الإسعاف وينطلقون في غبار الصيف، ثم رأيتهم يضحكون ويلعبون كرة القدم في ملعب التنس”.
وقالت: “قُتل ثمانية مسعفين فلسطينيين، يعملون تحت رعاية الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، وتحت الحماية الكاملة لشعارهم، على يد القوات الإسرائيلية، في انتهاك صارخ للقانون الإنساني الدولي، بل ولأبسط معاني الإنسانية.. قتلوا ودفنوا إلى جانب ستة من مسعفي وحدة الدفاع المدني في غزة وموظف من الأمم المتحدة”.
وأضافت: “في نيسان/ أبريل 2024، كنت جزءا من فريق طبي طارئ يقدم الرعاية الطبية في غزة. وبناء على طلب منظمة الصحة العالمية، عمل فريقنا مع جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في نقطة استقرار للصدمات. يا له من شرف! في ملعب تنس بخان يونس عملنا من خيمتين، واحدة لجمعية الهلال الأحمر وأخرى لنا، متعاونين باستمرار وبحرية تامة. عاينا المرضى وعالجنا من استطعنا علاجه، وحققنا استقرار حالتهم وأحلنا من لم نستطع علاجهم إلى أماكن أخرى. وكان المسعفون ينقلون المرضى مباشرة من أماكن الإصابات في الخطوط الأمامية، وعندما تستقر حالتهم، يعيدونهم إلى سيارات الإسعاف وينقلونهم إلى حيث يأملون أن يتلقوا الرعاية التي يحتاجونها. لقد تحمل أطباء الهلال الأحمر الذين عملت معهم في خان يونس مخاطر أكبر بكثير من أي مخاطرة واجهتها خلال عقد من العمل في مناطق النزاع، لتقديم رعاية طبية منقذة لحياة مواطنيهم”.
وكانت نيلسون قد كتبت في العام الماضي بعد عودتها من غزة مقالا في “الغارديان” قالت فيه إن “إسرائيل تشكل خطرا ملموسا وغير مسبوق على العاملين في المجالين الإنساني والطبي في غزة”.
وتشير آخر التقارير الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أنه منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، قتل ما لا يقل عن 409 من العاملين في المجال الإنساني في غزة، وأن العدد في ازدياد مستمر. وكانت عاملة الإغاثة الأسترالية زومي فرانكوم واحدة منهم. وقد مرت ذكرى وفاتها قبل أيام قليلة، وبصمت مفرط.
وتقول نيلسون: “العمل الإنساني الطبي، بالنسبة لي، هو المساهمة في توفير الرعاية الصحية للأشخاص في المناطق الأكثر احتياجا وكذلك الشهادة على معاناتهم، بأي طريقة تتطلبها اللحظة. وأكتب في هذه اللحظة لأشهد، ولكن ليس على معاناة الطاقم الطبي للهلال الأحمر الفلسطيني، لأنك تستطيع أن تقرأ عن ذلك بنفسك. في الواقع، إذا لم تر عنف إسرائيل الصارخ ضد العاملين في مجال الرعاية الصحية والمدنيين في غزة والضفة الغربية، فأنت أعمى. ولا أكتب لأشهد على الطبيعة المذهلة لهؤلاء الرجال، على حبهم ولطفهم ورقتهم وطيبتهم. نتوقف عن رؤية إنسانية الناس بسرعة كبيرة في الحروب بأي وصف، وخاصة في المذابح الجماعية أو حتى الإبادة الجماعية، فالمحو يتطلب مثل هذا النسيان”.
وتقول نيلسون: “شاهدت رجال الهلال الأحمر الفلسطيني يعملون بجد وفعالية. جلست معهم بين المرضى، أستمع إلى حديث عاطفي وأُعجب بمعنوياتهم العالية. وفي لحظات أكثر خصوصية وصراحة، كانوا يشرحون: ما الخيار المتاح لهم؟ كانوا بحاجة إلى التحلي بالتفاؤل الكافي للوقوف على أقدامهم كل يوم لمواصلة العمل. كانوا مرهقين وخائفين، لكنهم استمروا”.
وتضيف: “تناولنا الطعام معا وسط منطقة صراع، ومع التقشف الناتج عن الحصار الإسرائيلي الممنهج للإمدادات في غزة، كان زملاؤنا في الهلال الأحمر الفلسطيني يطعموننا يوميا من مطابخهم. يبدو أن العاملين في الهلال الأحمر الفلسطيني كانوا يعطون من خيرهم الذي لا ينضب”.
وتعلق أن الكثيرين ممن يعملون في المجال الطبي والإنساني، غارقون اليوم في حزن وغضب وقلق من أي احتمال للعمل في ظل النزاعات مستقبلا. وتقول: “يدرك العاملون في المجال الإنساني من ذوي الخبرة أن وفيات زملائنا ليست أضرارا جانبية ناجمة عن روتين الحرب. ربما كانت الحرب غامضة في القرن التاسع عشر، لكنني أؤكد لكم أنها ليست كذلك في القرن الحادي والعشرين. وقد أثبتت إسرائيل قدرتها الاستثنائية على الاستهداف الدقيق. لا أحد منا يملك أي نفوذ يستطيع انتظار إجراءات متأخرة من المحكمة الجنائية الدولية أو محكمة العدل الدولية لتعلن عما نراه بأم أعيننا. يجب على الدول أن تقر بانتهاكات إسرائيل لقوانين الحرب، وعليها أن تتصرف بناء على ذلك”.
وتنهي بالقول إن صديقا سابقا في اللجنة الدولية للصليب الأحمر كتب على إنستغرام: “لقد فقد الحزن معناه”. جميعنا عاجزون عن التعبير. وكتب لي آخر: “إنه لتحد كبير أن نكرم حياتهم كما ينبغي”. و”بينما أُكافح للكتابة وأقتلع الكلمات كالأسنان دون تخدير، أشعر بكلمات أصدقائي بروحي وعضلاتي. لا أستطيع مواجهة هذا التحدي ولا شيء يمكنني قوله يمكن أن يكرم رجال جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني بما يكفي. بدلا من ذلك، أكتب بحزن للتاريخ”.