سقط المطر طوال الرحلة من طولكرم إلى جنين، التي استغرقت قرابة الساعة. بادية خصيبة مغمورة بالأشجار والزراعة المغطاة. كان الأطفال جالسين في المقدمة وقد وضعوا على ركبهم الهدايا المخصصة للأسرة وكيسا من السكر لأحد الجرحى. تتحدث ألفة عن ابنها الأصغر الذي يشعرها بالقلق وعن أسرتها في طولكرم وجنين وعن الشهور الطويلة من الحصار التي عانت منها. ألفينا مفاجأة سارة عند مدخل جنين؛ إذ رفعت نقطة المراقبة بشكلٍ مؤقت. أشارت على يمينها إلى عمارة جديدة يقيم فيها شقيقها، قالت: سأنام هنا فيما سيقيم الأبناء عند شقيقته في الجانب الآخر من المدينة. ألحت ألفة: اتصلي بي على هاتفي المحمول في حال حدوث مشكلة ولا تترددي في القدوم للنوم عندنا.
بدا وسط هذه المدينة المهمة التي يبلغ تعداد سكانها سبعين ألف نسمة في حال مزرية ببضع بنايات قديمة في حالة سيئة ومصابيح مقتلعة وآثار هنا وهناك لمرور المدرعات. أنزلنا سائق سيارة الأجرة في المخرج الشمالي في اتجاه مخيم اللاجئين. سألنا عن الطريق وسرعان ما دعانا شاب إلى ركوب سيارة عمه وأنزلنا على بعد كيلومتر في قلب المخيم. كانت المنازل التي دمرت في عام 2002 قد أزيلت أنقاضها، وقد تحولت هذه الأرض الخلاء بتأثير الأمطار المتساقطة إلى مستنقع. كانت آثار الطلقات النارية جلية في كل مكان وحتى على جدران المدرسة. صعدنا أحد أزقة المخيم. ويمكن للاجئين من أعالي المخيم رؤية قراهم القديمة المهجورة منذ عام 1948. وعند الطابق الأرضي لأحد المنازل الذي تعرضت طوابقه العليا للقصف وتكدست فوق بعضها بعضا كانت امرأة عجوز متدثرة تتدفأ بجوار كانون تدفئة صغير. كانت في مهب الريح ودون جدران أو نوافذ. أرخى الليل سدوله وما يفتأ المطر يتساقط والبرد يلسع. وثمة الكثير من سكان المخيم يقيمون وسط الأنقاض.
وعلى حين غرة حيانا شاب طويل وعلى وجهه ابتسامة، تخصص جمال بفضل اتقانه للغة الإنكليزية في استقبال الأجانب داخل المخيم. وهو من المرونة والرقة والخفة في كل ما يأتيه من حركات بحيث تظن أنه ما يزال طفلا: «ادخلن؛ فنحن نحيي حفل زفاف في المنزل». قدّم لنا جمال والديه العجوزين القاعدين على الأرض جوار كانون التدفئة في المطبخ بعيدا عن الحفل. جهزوا لنا مجلسا فوق السجاد في غمرة من الدفء وقدموا لنا الشاي. كانت النسوة في الجوار منهمكات في تحضير نقش الحناء للعروس. كان العشرات من الأطفال يبتسمون لنا وقد وقفوا جميعهم لالتقاط صورة. لم أجرؤ على أن أسأل الآباء كيف عاشوا اجتياح المخيم في أبريل/نيسان عام 2002. لم أشعر هذا المساء بنفسي قوية وشجاعة بما يكفي، ثم إن قدميّ مبلولتان منذ الصباح. كنت سأعود في التو إلى رام الله لو طاوعت نفسي، لكن الحصار فرض على المدينة بعد ثماني عشرة ساعة. لاحظت أنني فقدت هاتفي المحمول، الذي نسيته لا شك في سيارة الأجرة التي تصل طولكرم بجنين. وقد فقدت بطبيعة الحال رقم هاتف ألفة. لم يعد لنا من خيار ويتحتم علينا أن نقضي الليلة في الفندق الوحيد للمدينة وأن نحاول استقصاء أثر الهاتف المحمول.
يقع فندق غاردن في قلب السوق، وهو يتيح راحة نسبية بسريرين في كل غرفة ودون تدفئة وبسعر معقول: أربعون شيكلا أي ما يعادل ثمانية أورو لليلة. كنا الزبونتين الوحيدتين وقد ساعدتنا مالكة الفندق بود بالغ في الجلوس جوار جهاز التدفئة الغازي الوحيد. قدمت لنا الشاي وساعدتنا في تجفيف معاطفنا وجواربنا.
كف المطر عن التساقط واستعدنا الشعور بالدفء. عاودتني شجاعتي فقمت صحبة ماريا بتفقد واستكشاف الازقة المحيطة بالسوق. كان محل الحلويات يتيح كنافة لذيذة بالجبن تؤكل ساخنة. كنت مهمومة بالعثور على شقيق ألفة أو الفة ذاتها أو سائق سيارة الأجرة. كانت الصيدلانية تتحدث بالإيطالية لكنها لم تكن تعرف أسرة رشيد، لكن كان من حسن حظي أن تعرفت على البناية التي يقيم فيها الشقيق. طرقنا باب شقته في السابعة والنصف. كان رجلا نحيفا هادئ المخبر في الأربعين من عمره. لم يفهم ما كنا آخذين في شرحه، لكن لا يهم؛ إذ ينبغي لواجب الضيافة أن يسبق كل شيء. وهكذا استقبلتنا امرأة شابة رقيقة تنحدر من مخيم اللاجئين كما شرحت لنا. وقد تزوجت لتوها من هذا الرجل الذي كان أبا من زواج سابق لسبعة أبناء. كان هؤلاء ملتصقين بأبيهم وجالسين بهدوء فوق السجاد. كانت الشقة فسيحة وقد زرتها بمصاحبة الأبناء. غرفة مخصصة لأربعة أولاد وغرفة لثلاثة بنات وغرفة للأبوين وصالة جلوس كبيرة يتوسطها جهاز التلفزيون. على الجدار صورة للجد وهو يمتطي صهوة الحصان في لباس أحد ضباط الجيش الأردني.
ظلت آرائك الصالون فارغة لأن الاسرة تفضل الجلوس على السجاد المطروح فوق الأرض بجوار جهاز التدفئة. ركن الأطفال إلى الصمت وهم يراقبوننا بفضول. وما أن فرغنا من تناول الشاي والقهوة والحلوى حتى بادر رب البيت إلى مهاتفة شقيقته المقيمة في جنين. ألفة؟ لقد وصلت هذا الزوال. نعم، لقد تلقت مكالمة من سائق سيارة الأجرة، ولم يعد أمامنا إلا الذهاب للقائها في الجانب الآخر من المدينة في سيارة الشقيق. كان هذا الأخير مهندسا مدنيا عاطلا عن العمل منذ فترة قصيرة. عبرنا جنين ليلا وكانت مقفرة تماما وبمعيتنا اثنان من أبنائه. توقفنا بجوار منزل صغير معزول فوق مرتفع يطل على البادية. استقبلتنا أسرة كبيرة تتكون من شقيقة ألفة وزوجها وأبنائهما الستة وأبناء الخالة الأربعة الذين قدموا من طولكرم. جلسوا جميعهم متلاصقين فوق السجاد وهم يصغون إلى ما كانت ترويه ألفة عن ظروف لقائنا وسفرنا والتقائنا مجددا والحكاية العجيبة للهاتف المحمول المفقود الذي ساستعيده عما قريب. حققت الحكاية نجاحا كبيرا واستعادت ألفة المئات من التفاصيل. والأكثر إثارة للاهتمام بالنسبة لكل أفراد الأسرة يتمثل في الطريقة التي عثرت بواسطتها على شقة شقيقها. أما الأكثر إثارة للاهتمام بالنسبة لي فيتمثل في لطفهم الذي لا نهاية له وطريقتهم التلقائية في بذل قصارى الجهد في مساعدة من هم غرباء عنهم تماما؛ اقصد أنا وماريا.
كان على الأسرة أن تعود شابا في طور النقاهة ولم يتعاف من جروحه الخطيرة، إلا فيما يشبه المعجزة. تعالوا معنا. سيسعد بذلك. كنا سبعة بالغين محشورين في سيارة رونو صغيرة.
وماذا عن الأم ومعاناة السنة الماضية؟ ليس ثمة شيء كثير نقوله. أخرجوا لنا صورا فوتوغرافية لموقع مخيم اللاجئين خلال وبعد الحصار.. صورا لجثث مشوهة وأنقاض وجرحى مقطعي الأوصال، بحيث يتعذر عليك وفق أي اتجاه سوف تتطلع إلى الصورة، خيام بيضاء من تلخيص وضعت محل الأكواخ الخشبية القديمة للمخيم. كانت الصور تتنقل من يد لأخرى بمن في ذلك الأطفال. جاء دور بنت صغيرة تجمع شعرها الغزير والكثيف في ظفيرتين لتنظر. تجمد بصرها قبل أن تسلمها إلى الآخرين، لم يكن لألفة وكانت بطبعها ثرثارة غير تعليق واحد: هم الإرهابيون.
كان على الأسرة أن تعود شابا في طور النقاهة ولم يتعاف من جروحه الخطيرة، إلا فيما يشبه المعجزة. تعالوا معنا. سيسعد بذلك. كنا سبعة بالغين محشورين في سيارة رونو صغيرة. وكان شقيق ألفة من قاد السيارة في غمرة الليل وقد كف المطر عن التساقط. طلع القمر. وصلنا إلى منزل الجريح وكان عبارة عن فيلا صغيرة معلقة في ارتفاع كان من الممكن أن نرى من خلاله أضواء المدن الساحلية الإسرائيلية. قضى عابد البالغ من العمر تسعة عشر عاما ثلاثة أشهر في المستشفى الأردني. كان نحيلا وشديد الشحوب.
كان يؤدي خدمته في مقر شرطة السلطة الوطنية الفلسطينية حين جاء الإسرائيليون في الصيف الماضي. ذكرت الشهادة الطبية الفلسطينية أربع طلقات نارية في البطن وقد أصيبت الأمعاء والبنكرياس إصابات بليغة. وفي الغرفة المربعة ذات الجدران البيضاء اتخذ العشرات من الزوار أماكنهم بجوار أشقائه وأصدقائه. واستجابة لطلب الزوار الجدد رفع عايد قميصه لكي يطلعهم على الجرح الغائر في خصره الأيمن. كان الجريح مقلا في الكلام ولم يكن له ما يضيفه إلى الأحداث والوقائع التي أصبحت معروفة جيدا. وسوف يعود إلى عمله في الشرطة حين يتماثل للشفاء: سوف أحمل السلاح بطريقة أو بأخرى لأدافع عن شعبي. وقد وافق أصدقاؤه على كلامه صامتين. قيل لي إن أكبرهم سنا هو المسؤول المحلي لقوات حركة فتح. تضع الأم أمام كل زائر كأسا من الكريستال تملأه بالليمونادا. ويتم توزيع الحلوى. لم يكن ثمة تظاهر بالحزن والشأن نفسه بالنسبة للتضامن. لبثنا بعض الوقت بدافع اللياقة والأدب. قال الشقيق الأكبر لعابد إنه عدل عن اجتياز امتحان الباكالوريا هذه السنة كي يظل بجوار الجريح وكي لا يبقى وحيدا.
ألحت الفة وشقيقها علينا ونحن في مدخل الفندق أن نحل ضيفتين عليهما: لا تذهبا للنوم هناك. تعالا عندنا. لن تكونا بخير هناك. سوف تستيقظون في ساعة مبكرة بتاثير صخب السوق. لا ينام هناك إلا الرجال وليس هذا المكان ملائما لامرأتين مثلكما. وكان علينا أن نلوذ بحزم أكثر كي نرفض دعوتهما، ودون أن نجرح مشاعرهما.
الجمعة مساء
انتهى السوق وأصبحت جنين مقفرة. وتناهت إلى آذاننا في الليل طلقات بعيدة نسبيا. وقد علمنا أن الجيش قد تدخل في الساعة الرابعة صباحا داخل المخيم لكي ينفذ عملية اعتقال. وقد أسفرت المعارك عن اثنين أو ثلاثة قتلى. أعيد فرض حظر التجوال. كان علينا أن ننتظر طويلا قبل أن تمتلئ سيارة الأجرة المتجهة إلى طولكرم بالركاب. وعند مخرج المدينة كان جندي يعتلي مدرعة منشغلا بمراقبة أوراق الهوية. كان الجندي الذي يعتمر خوذة جالسا على ارتفاع مترين، فيما أحد الفلسطينيين يمد إليه الغلاف الذي يحتوي بطاقة هويته سلمني خالد زوج ألفة في طولكرم هاتفي المحمول الذي تكلف باستعادته بالأمس من سائق سيارة الأجرة. قال: لا تشكريني. أتمنى لك سفرا موفقا. كان عليّ أن أغير سيارة الأجرة من جديد عند حاجز عنابتا الأمني. عدنا إلى رام الله في الظهيرة حيث كانت الشمس قد استعادت صفاءها.
14 يناير
علمنا هذا الصباح أن امرأة من غزة فجرت نفسها عند معبر أيريز والحصيلة أربعة قتلى وعشرة جرحى. وكانوا في غالبيتهم من العسكريين. أعلنت كل من حركة حماس وكتائب شهداء الأقصى مسؤوليتها عن العملية. اما الجديد فيتمثل في أن الانتحارية كانت أما لطفلين. كانت حماس ترفض إلى حدود اللحظة إشراك النساء في العمليات. أعلنت السلطات الإسرائيلية حصارا مشددا على قطاع غزة وإلغاء تراخيص العمل لثلاثين ألف عامل كانوا يستفيدون منها. ونقرأ في جريدة «هآرتس بعضا مما ورد في البيان الأخير للانتحارية: سوف أطرق باب الجنة بجمجمة يهودي. فكرت من جديد في السرجان بلومبيرغ: هل يوجد اسمه ضمن لائحة الضحايا؟ ليس ثمة من تدقيق هذا اليوم. وتتواصل العمليات الإسرائيلية في رفح بما يستدعيه ذلك من مزيد من الموتى والعشرات من المباني المدمرة.
آن برونسويك: صحافية وروائية فرنسية كتبت يوميات رحلتها الى فلسطين بقصد كشف القناع عن عنصرية وهمجية الاحتلال الإسرائيلي ودحض أطروحة الفلسطيني «الإرهابي» في مقابل الإسرائيلي الإنساني والمتحضر.