البرنامج الغنائي ‘احلى’صوت’:حسن كاوز تحدثنا في مقال سابق عن التركيبة التنظيمية للبرنامج الغنائي’The Voice أحلى صوت’ الذي تذيعه القناة الأولى للمجموعة الإعلامية إم.بي.سي مساء كل جمعة، ووقفنا عند مرحلته الأولى التي عنونها أصحابها ب ‘الصوت وبس’، وخلصنا إلى أن بداية هذا البرنامج المستنسخ كانت موفقة رغم بعض العثرات والنواقص. لكن السؤال العريض الذي كان يتبادر إلى الذهن، خلال مراحل المشاهدة والتقييم الأولي، هو قضية الاستنساخ الذي كان بطل البرامج الفنية لهذه المجموعة، بدءا ببرنامج ‘أراب غوت طالنت’ ومرورا ببرنامج ‘أراب أيدول’ وانتهاء ببرنامج ‘دي فويس’. فإذا كان اقتباس المعنى أو استنساخ الجوهر مسألة مجازة في زمن العولمة وسيادة ثقافة الأقوى، فإن شراء حق استنساخ الشكل والمضمون مسألة أخرى فيها نظر، لأن الواضعين الأصليين للأفكار حتما لهم أهداف ولهم مبررات ومقاصد وخصوصيات قد تتفق أو لا تتفق مع الجهات الأخرى طالبة الاستنساخ. وإذا كنا غير ملمين بطبيعة هذه الصفقة الإعلامية، وبتفاصيلها المادية والأخلاقية، والعيب هنا على القناة نفسها التي لا تصارح زبناءها بالموضوع، فإننا مرة أخرى نطرح سؤالا عريضا حول قضية استنساخ البرنامج من حيث الشكل أو من حيث الموضوع أو من كليهما، فإذا كان هذا الاستنساخ، وفق بنود الصفقة، لا يخرج عن إطار الموضوع والمضمون، فالمسألة مستحبة، وللقائمين على البرنامج حرية الاجتهاد لتكييف الفكرة الغربية مع الخصوصية العربية، وتقديم طبق إعلامي من الضفة الأخرى بنكهة عربية مقبولة، أما إذا كان الاستنساخ، وفق بنود الصفقة نفسها، أعمى لا يحيد عن الشكل والمضمون الأصلي بمقدار حبة، فهذه طامة كبرى تشير إلى أن إعلامنا العربي أقدر في العجز على الاتباع من الإبداع، وأن قنواتنا الفضائية ليس فيها من أوهام القومية العربية إلا ما يستقيم لها ميزانها التجاري. وقد ألمحنا لذلك في مرحلة ‘الصوت وبس’ عندما قلنا أن التصويت الإيجابي لعضو واحد من ضمن أربعة أعضاء من لجنة التحكيم لا يكفي لمرور المرشح إلى المرحلة المقبلة، وهذا مثال واحد من شكليات وسلوكيات البرنامج الذي لا يسمح بإنصاف الأصوات الجيدة التي تم إسقاطها خارج إطار الموهبة، وهو ما تكرر في نظام الثنائيات أو المواجهة. إذ لو كان الخيار للقائمين على البرنامج، ولا نعرف هل كان لهم فعلا خيار أم لا حسب مقتضيات الصفقة، لوجب عليهم اعتماد الإنصاف في جواز المرور من عدمه، والدفع بالأصوات الجيدة، حتى ولو كانت مغربية أو مصرية أو لبنانية بالكثرة، إلى مرحلة النهائيات، بدل اعتماد مقاييس تنويع تمثيلية الأقطار على حساب الجودة، ومقابلة الأصوات المتوسطة بالحسنة في إطار لعبة الانتصار للأصوات والأشكال المطلوبة للمرور، أو الدفع بالأصوات الجيدة لمصارعة مثيلاتها فيما يبدو نهائيات قبل الأوان تتسبب في خسارة البرنامج، ومعه مشاهديه، في طول الاستمتاع بهذه الأصوات حتى المراحل الأخيرة من البرنامج. والملاحظة الغريبة في مرحلة المواجهة، التي استغرقت ثلاث حلقات، توالي سقوط أصوات جيدة على حساب أصوات أقل جودة، وتفوق الأداء في اللون الغربي بشكل أدهش الحاضرين والمشاهدين، وأنسانا أننا في حضرة برنامج فني عربي يعنى بالأغنية العربية، وأن مرحلة ‘الصوت وبس’ انتهت وطويت صفحتها إلى الأبد لتبدأ ولادة شيء في الكواليس، ولدى أعضاء لجنة التحكيم ومستشاريهم، اسمه الصوت وأشياء أخرى. وإن شرعية هذا التخمين تنبع من واجهات ومواقع مختلفة، لعل أهمها وضع القرار النهائي للحكم لدى مدرب المجموعة ومستشاره، والذي يشكل الثنائيات وفق مقاييسه التي لا نعرفها، ويفرض لونا غنائيا لا اختيار فيه للمرشحين المتصارعين، ويجمع ما بين المرشحين من بلد واحد لتحرير البرنامج من هيمنة تمثيلية بلد بعينه، ويستعين أو لا يستعين برأي باقي زملائه من أعضاء لجنة التحكيم، بحجة أن الفرقة المختارة، والمشكلة في النهاية من ست أصوات، هي فرقته الخاصة التي سيذهب بها إلى مرحلة المباشر، الشيء الذي يطرح من جديد إشكالية الحق أو عدم الحق في التصرف في مراحل البرنامج بمقومات العدل والإنصاف والجودة، أو الإبقاء على شكل وجوهر البرنامج كما هو في نسخته الأصلية حتى ولو أدى ذلك إلى إسقاط الأصوات الجيدة. إن المشاهدين وأعضاء لجنة التحكيم، باستثناء المدرب المعني، هم أطراف سلبيون في مرحلة المواجهة إلا فيما يتعلق بجانب المتعة الفنية، فهم لا يحددون مصير الأصوات ‘المعروضة’، ولا يكتفون إلا بالفرجة حتى وإن مال هواهم إلى الأصوات التي تم إسقاطها، ليظل الخصم الحكم في نفس الان هو رئيس المجموعة، بطل هذا العرض’الفني وزعيمه. ولم تخل الحلقات الثلاث من مرحلة المواجهة من مشاهد مؤثرة، وخاصة لدى كاظم وشيرين، اللذين، غير ما مرة، لحقا بالأصوات المقصية، فيما يشبه طلب السماح والاعتذار، ليخففا عنها صدمة نهاية المشوار في هذا البرنامج على الأقل، متذرعين بلعبة الاختيار التي تستوجب المرور لهذا والتوقيف للآخر. ولو كانت تركيبة البرنامج فيها مقصد واحد ووحيد لمرور الأصوات الأكثر جودة إلى مرحلة النهائيات، لتم تعديل بنية نظام مرحلة المواجهة بما يقلص السلطات المطلقة لمدرب المجموعة، ويقنن مقاييس اختيار الأصوات المتصارعة وألوانها الغنائية وتمثيلية بلدانها. لقد أشفقنا على خسارة أصوات كنا نعتقد أن مآلها هو النهائيات، بسبب نظام المواجهة هذا ومقاييس الحكم فيه، والذي لم يأخذ بشعار البقاء للأجود في مجمل البرنامج، بل بشعار البقاء للأحسن في العرض الثنائي، ليكون مصير النهائيات خليط من الأصوات الجيدة والحسنة والمتوسطة، تيسر على من سعفه الحظ، وكان بلده أريحيا في التصويت، على الفوز المستحق أو غير المستحق بجائزة التتويج. إننا لا نشكك في نوايا وقدرات القائمين على هذا البرنامج في الدفع به إلى مستويات أفضل، ومرافقة نخبة من المبدعين الشباب في إسماع أصواتهم، وفسح المجال لذواتهم ومواهبهم في الظهور والوصول إلى قلوب الناس، هذا عدا ما يستحقونه من شهرة ونجومية ومكاسب مادية ومعنوية مسموح بها، غير أننا من دواعي الغيرة والمشاركة في بناء إعلام عربي قوي، نريد أن نعطي لكل ذي حق حقه دون ظلم في الحكم أو إقصاء في التتويج. فبلوغ النهائيات لهذه الأصوات التي منحها القائمون على البرنامج مشكورون رقم 24 مرشح، هو في حد ذاته تتويج نعتقد أن كثيرا من المنتجين والمطربين والملحنين وكتاب الكلمات وصناع الأصوات الغنائية سيولونه، بشكل أو بآخر، العناية المطلوبة في الدعم والانتشار، وهذا أفضل ما سيمنحه البرنامج لهذه الأصوات التي وصلت إلى مرحلة النهائيات بمواهبها وليس بضربة حظ غير المقبولة في الوسط الفني. ولهذا ألححنا على ضرورة مرور الأصوات الجيدة والأكثر جودة في مرحلتي ‘الصوت وبس’ و’المواجهة’، مدركين أن البرنامج، مع تنوع وغنى الأصوات المعروضة، وفي إطار لعبته الفنية وتعاقده مع المحتضنين، لا يمكن في الأخير إلا أن يتوج صوتا واحدا، ويترك المجال للمتتبعين المختصين، وكذا عموم المشاهدين، للتعرف على المواهب الغنائية الجديدة، والمساهمة في أخذ حقها من الانتشار وإغناء الساحة الفنية العربية. وفي هذا الإطار، وأمام واقع انتهاء مرحلة المواجهة بقوتها وضعفها، ومع شديد الأسف للأصوات الجيدة التي غادرتنا مبكرا وقبل الأوان، والتي نرجو من القناة المنظمة أن تلملم جراحها فيما يشبه دورة استدراكية في برنامج فني موازي، ونحن على أهبة المرحلة الثالثة والأخيرة من البرنامج التي ستبدأ فصولها مساء يوم الجمعة المقبل، نرجو أن يعود لشعار ‘الصوت وبس’ لمعانه وتوهجه وأولويته، وأن يكشف لنا المنظمون، بكل شفافية وأريحية، طرق وأشكال احتساب الأصوات المعبر عنها في التصويت العمومي المباشر، وأن يلتزم المتدخلون الحياد الإيجابي في قرار المشاهدين المصوتين، وأن يفوز في هذا البرنامج من حصل فعلا على أعلى نسبة من التصويت حتى ولو كان شكله وأشياؤه الأخرى لا تروق للماركة التجارية للمحتضنين المفترضين. وفي هذا فليتنافس المتنافسون.