«مرحلة النوم»… رواية تستشرف سقوط المدينة من شرفة حزبية على وشك الانهيار

القاهرة ـ «القدس العربي»: ضمن ندوات (منتدى المستقبل للفكر والإبداع)، التي تُقام في مكتبة خالد محي الدين في (حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي) في القاهرة، أقيمت ندوة لمناقشة رواية «مرحلة النوم» للكاتب محمد خير، الصادرة عن دار الكتب خان للنشر في 2024، التي تمت ترجمتها مؤخراً إلى الإنكليزية. أدارت الندوة القاصة هايدي فاروق، ومشاركة الناقد يسري عبد الله، والشاعر محمود خير الله.
«يا ليلة العيد أنستينا.. وجددت الأمل فينا.. يا ليلة العيييييييد»
كان صوت الأغنية يتسرب من الدور الأول في الحزب، وصولاً إلى الدور الأخير الذي تطل عليه السماء (مكان انعقاد الندوة)، فاليوم بالمصادفة هو يوم الاحتفال بالعيد الـ(49) لتأسيس حزب التجمع. المكان مزدحم برواد الحزب من مختلفي الأعمار، إلا أن كبار السن شاركوا بدورهم الشباب ربيع عمرهم، في ملابس كانوا يرتدونها وقت شبابهم، فكان الأمر أقرب إلى حفل تنكري مهيب.
«نحبها من روحنا.. ونفتديها بالعزيز الأكرم.. من قوتنا ورزقنا»
صوت آخر يتصاعد لأم كلثوم في أغنيتها الوطنية الشهيرة، وقد قطعه تصفيق حاد، وصوت آخر بدأ في تقديم الاحتفال.. «ويستمر العطاء بداية من الأب خالد محيي الدين، والمفكر رفعت السعيد والقائد والمناضل سيد عبد العال)، وأخيراً أيقونة الحزب محمد سعيد، إلى شباب عظيم سيناضل من أجل هذا الوطن». بعدها قال القائد والمناضل.. «في العام الـ49 للتأسيس نستعد مباشرة للاحتفال بالعام الخمسين، فأمامنا سنة نحتفل فيها». وبمناسبة (الاحتفال فيها) تواترت العبارات وسط التصفيق والتهليل.. «بقي لنا 49 سنة ضد تيار الجهل والتخلف والاستبداد، وننطلق بأقدام راسخة للعام الخمسين».

التخيّل التاريخي

يبدأ الشاعر محمود خير الله بتتبع أعمال الكاتب محمد خير، بداية من تجربته الشعرية، كما في (هدايا الوحدة)، و(العادات السيئة للماضي)، ثم القصصية ومنها (عفاريت الراديو) و(رمش العين)، وأخيراً الإنجاز الروائي، (سماء أقرب) و(إفلات الأصابع). ويرى أن رواية «مرحلة النوم» تبعد عن الواقع لكي تتحدث عنه، وهي تجربة من بين التجارب المحدودة لكُتّاب الجيل الجديد، والتي يمكن أن نطلق عليها (روايات ما بعد الثورة)، حيث الواقع الديستوبي، والعمل ضد عناصر الرواية التقليدية ومفهومها السائد، خاصة السردية التاريخية.
ويرى خير الله أن مصطلح (الرواية التاريخية) هو مصطلح منتهي الصلاحية، والأكثر إدراكاً لعلم الرواية أن نتحدث عن (التخيّل التاريخي)، فالرواية العربية في القرن العشرين استُهلِكت في سردية تاريخية، وكأنها تقدم علاجاً لأزمات المجتمع، فهي ذات مسارات مرتبطة بالإمبراطوريات، كشكل من أشكال تعزيز للسلطة التي تؤكد نفسها، من خلال هذه السردية في مواجهة السرديات الضخمة للإمبراطوريات. ومن جانبه يضيف الناقد والأكاديمي يسري عبد الله في هذا الشأن بأن هناك بالفعل تكريسا للرواية التاريخية، وهو تكريس له علاقة بالجوائز من جهة، وبمحاولة ما يُسمى بتنميط الذائقة الأدبية، فهناك اتجاه لتسييد باترونات للكتابة أكثر من كونها تيارات أدبية، كنماذج جاهزة للكتابة، وهي إشكالية كبرى في السردية العربية الراهنة، عززتها مراكز ثقافية، ليس من بينها المركز الثقافي المصري.

التخيّل المستقبلي

وفي ما يخص التخيّل المستقبلي يقول خير الله، إنه شكل من أشكال القفز إلى المجهول، من خلال خيال روائي يتوسل بأدوات سردية وجمالية نقيضة للرواية التقليدية، التي اتسمت لعقود طويلة بالعيش على مرويات الماضي، وهو ما حققه الكاتب محمد خير، وقد صاغ حكايته في شكل كابوس استشرافي لدراما المقبل، بغية استطلاع الظواهر المجتمعية المستقبلية، منطلقة من ثغرات تكاد لا تُرى في الواقع الحاضر، بما يجعلنا نعيد النظر في عالمنا الآني بوصفه ماضياً. «أهم شيء هو الثبات على المبدأ، مع تطور الأفكار، وقد قدمنا برنامج المشاركة الشعبية، الذي قدم رؤية ما زلنا متمسكين بها، مع أنها لم تنفذ… حتى يتحقق الشعار العظيم.. وطن الاشتراكية والحرية والوحدة». (أمينة النقاش الأمينة العامة المساعدة لحزب التجمع).

قاهرة أخرى

ويرى خير الله، أن الكاتب يحاول من خلال «مرحلة النوم» تقديم صورة مختلفة للقاهرة، كمحاولة لخلخلة الصورة الذهنية الثابتة للمدينة، وهي من أبرز سمات أدب ما بعد الثورة في مصر، حيث يتم دائماً في هذا الأدب الجديد تغيير معالم المدينة التي عاشت الثورة، كما يتم تحويلها إلى ديستوبيا قاسية تحكي عن صراعات مجتمع محطم يمر بتحولات قاسية. تدور الرواية عام 2033، حيث التغيرات والتطورات الهائلة التي طرأت على المدينة والبلد والعالم أجمع، خلال سنوات قليلة، وتتوقف الرواية أكثر عند المدينة التي فقدت هويتها بالكامل، جرّاء التشوهات التي طالتها على أيدي (السلطة) وكتلة الغرباء، التي أصبحت تعرف بـ(الوافدين)، الذين أصبحوا يشكلون كتلة سكانية ملحوظة وفاعلة، وهم مهاجرون جاءوا من بلاد آسيوية وأوروبية وافريقية، وأصبحت لغتهم وعاداتهم وسلوكهم جزءا من ثقافة القاهرة المعولمة، التي ذابت ثقافتها التقليدية مرّة واحدة وإلى الأبد. فملامح البطل المصرية الخالصة تثير غضب رجال السلطة، وقد أصبح غريباً ومثار شك، هذا البطل الذي خرج من السجن ليجد مدينته وبلده تغيرا إلى حدٍ مذهل، وليجد الأحياء الشعبية الشهيرة لا تحمل من ملامحها سوى الاسم فقط، فلم يصدق أن تتحول مدينته إلى مسخ فاقد للهوية، فيشعر بأنه كائن غير مرغوب فيه وزائد عن الحاجة. حتى إن العطالة عن العمل، أصبحت تمثل لديه شكلاً من أشكال الهوية المفقودة، التي لا يتوقف البطل طوال الرواية عن البحث عنها. من ناحية أخرى لا يجسد البطل شكلاً تقليدياً من أشكال البطولة، كما في الملاحم والقصص الشعبي، إلا أن بطولته تتمثل في قدرته على احتمال الأذى، فهو بطل ما بعد حداثي.. مسكين، مأزوم، مغترب، ومحاصر دائماً. ما دفعه إلى الهروب إلى النوم كملجأ وكنوع من التصدّي المؤقت للحالة غير القابلة للتفسير، وأصبح النوم على سجادة في صالة شقة فارغة من الأثاث وسط البلد، تواجه المعبد اليهودي نوعا من الهرب والفرار، خاصة بعدما تغيرت المدينة، حيث البنايات الزجاجية الشاهقة، وأعداد الكباري التي لا تحصى، لتنشأ تحتها مجتمعات تجارية أجنبية، حتى صار بالإمكان أن نلمح غزالة صغيرة قرب حديقة الأزهر!

اختراع العالم

ويرى الناقد يسري عبد الله أن اللافت الأول في الرواية هو القدرة على اختراع العالم، فالحكايات التقليدية لها منطق يرتبط بمخزن الحكايات، كالقصص والأساطير الشعبية، والحكايات تاريخية، بمعنى الكتابة محمولة على غيرها، هنا نحن أمام كتابة تخترع العالم، إلا أن هذا لا ينفي أن تكون هناك ظلال واقعية، إلا أن المد الفانتازي لهذه الظلال سيجعلها لا تقع تحت طائلة السردية الجاهزة، بل ستدخل في طور آخر، فعندما يُشير الكاتب إلى منطقة وسط البلد، خاصة شارع طلعت حرب ببناياته وأماكنه، التي استقرت في الوجدان العام، وراهن الكتابة الأدبية كجغرافيا سردية واقعية، إلا أن المد الفانتازي في (مرحلة النوم) يجعلنا أمام جغرافيا بديلة، رغم الإيهام الواقعي في البداية.
«أمناء الحزب في المحافظات تخلواعن أماكنهم طواعية للشباب الجديد الذي يقود الحزب الآن». (سيد عبد العال أمين عام الحزب).

النسق الكتابي

ويضيف عبد الله، أن النسق الكتابي هنا وإن كان ينتمي إلى الفضاءات المتخيلة، إلا أنه بعيداً عن تلك الفضاءات التي خاصمت المتلقي ودخلت في ما يُسمى بـ(الإلغاز الدلالي)، فالفارق شاسع بين الغموض الفني والألغاز. فالفانتازيا لها منطق جمالي هي التي تختاره وليس العكس، فثمّة منطق جمالي هنا يحكم النص. وبالتالي لن تجد هنا التسلسل الزمني للأحداث ولا العقدة ولا الترتيب الأرسطي، ولكن هناك حكاية.
من ناحية أخرى نجد الاعتماد التام على وجهة النظر السردية من خلال (السارد الرئيسي) القابض على زمام الحكي، حتى لو لم يكن حكياً متسلسلاً. وهو ما ينقلنا إلى شكل هذه الكتابة التي تنتمي إلى ما بعد الحداثة ـ بعيداً عن استهلاك المصطلح ـ فالنص يتميز بالأصالة والفردية، بمعنى أنه ليس محمولاً على نصوص أخرى، فلا توجد سردية مدن، كما كتب عنها الكثيرون، فالكاتب هنا يخترع عالمه الخاص.
«ليس الفقر هو الذي يصنع الثورة، بل الوعي بالفقر». (مُقدّم فقرات الحفل)

سردية المدينة المتخيّلة

كذلك يرى يسري عبد الله أنه رغم الاستناد هنا إلى مدينة مثل القاهرة، بما تحمله من إرث ثقافي ومعنوي، إلا أن الرواية اعتمدت على آليتين، هما (التخييل الذاتي) و(التخييل الموضوعي)، فنحن نرى القاهرة في زمن مستقبلي، وهي في الوقت نفسه موضوع لهذا التخييل. عالم متخيّل وكارثي فيه بعض من ملامح الديستوبيا، لكنه في الحقيقة يتخطاها، لكونه مشغولاً بما يُسمى بالكشف عن الأنساق المضمرة في شبكة العلاقات الإنسانية بين الشخصيات وعوالمها.

البلكونة هتقع باللي فيها

قبل فقرات الحفل بحوالي الساعة، وقبل قدوم أصحاب الندوة وروادها، دخل شاب وصديقته المكان، ويبدو اندهاشها من الكرنفال وشخوصه، أنها تشارك صديقها المنتسب إلى النضال اهتماماته، ليبدو المنتسب بدوره أنه صديق لأحد الشباب الفاعلين في الحزب ـ الجيل الجديد ـ فأراد المنتسب أن يأخذ صورة سيلفي وصديقته في شرفة الحزب المطلة على (جروبي) و(ميدان طلعت حرب)، فتوجه ممثل الجيل الجديد عن طيب خاطر وحاول فتح باب الشرفة، لكنه لم يفلح، فتوتر وغضب، ونادى أحد العمال بالمكان في عصبية وغطرسة تتنافى ومبدأ الحرية والإخاء والمساواة، وتقدّم الرجل العجوز وفتح باب الشرفة بمفتاح يحتفظ به في جيبه، ودخل الصديق وصديقته البلكونة. عندها نهضت امرأة كبيرة من بين الجالسين والجالسات، تريد الخروج إلى الشرفة لتدخين سيجارة، حتى لا تضايق أحدا، هنا استوقفها ممثل الجيل الجديد، الذي كان يقف بعيداً، حتى لا يخدش حياء لقطة السيلفي، وباغت المرأة التي أطلت برأسها نحو الشرفة، وردّتها سريعاً قائلة «دول بيبوسوا بعض جوّة»، فاحمّر وجهه غضباً.. «البلكونة هتقع ما ينفعش حد يخرج يقف فيها»، وفقط أشارت لعاشقي النضال بالشرفة، فواصل جداله الديالكتيكي «وبعدين أنتِ عاوزة تخرجي البلكونة ليه؟»، فردّت «هاشرب سيجارة»، فرد الضربة «آه .. انتِ مكسوفة تشربي وسط الناس»، فارتبكت «لأ.. أنا بس مش عاوزة أضايق حد»، فآمن بنجاح جداله «لا عادي، اقعدي واشربي براحتك، هنا ما حدش بيتضايق من حد»، فامتثلت وعادت سيرتها، إلا أن الغضب لم يفارق ملامحه، التي فجأة استلانت وتحولت إلى ابتسامة واسعة وهو يستقبل عاشق السيلفي ومعشوقته من رحلة البلكونة، وينادي على حارس الشرفة في حدة .. «أقفل كويس بالمفتاح وما تفتحاش لأي حد»، فأومأ الرجل، وقد وجد له دوراً في مسلسل الامتثال، وتخيلته يقولها بينه وبين نفسه.. «صحيح.. وهي هتتفتح لأي حد».

المفارقة

ونعود للشاعر محمود خير الله، الذي يتساءل عن سبب سجن البطل، وهنا تبدو المفارقة الساخرة، فقد اتُهم بتسهيل احتلال بلده ـ يعمل الرجل مترجماً في مجال السياحة ـ وذلك من خلال بوست كتبه على فيسبوك، أو مزحة في حقيقة الأمر، قال فيها «إن الحل الوحيد لقطاع السياحة في بلدنا أن يُستبدل كل مَن فيه من الكبار والصغار والمسؤولين والمتدربين، حتى الباعة المتجولين والآخرين الجالسين في البازارات، بل وعمال النظافة وسائقي التاكسيات وأصحاب الأحصنة والجِمال، ولو أمكن حتى استبدال المارة والزوار المحليين، بأن يُستبدلوا جميعاً بمواطنين من بلاد أخرى. سنعطي وظائفنا السياحية للأجانب ليجنوا هم ثمارها.. لا يهم.. وحين استوقفه الشرطي في الشارع سأله: أتريد احتلالاً لبلدك يا روح أمك؟».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية