مرحلة انتقالية عصيبة قوامها اللامنطق

حجم الخط
0

نصر شمالي تتطلع الأمم عموماً إلى عالم تسوده العلاقات الديمقراطية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أي العدالة وحقوق الإنسان كأهمّ وجوهها، غير أنّ مثل هذا التطلع المنطقي يمكن أن يجهض، وأن يتحوّل إلى مشروع كارثة، إذا أصبحت الولايات المتحدة نموذجه وقيادته، وليس أدلّ على ذلك من الاستطلاع العام الذي أجرته المفوضية الأوروبية في العام 2003، وقالت نتيجته أنّ أكثر من 70 في المائة من الأوروبيين يرون أنّ الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي هما الأشدّ خطراً على الاستقرار والسلم العالمي أمّا الرئيس الأمريكي فقد أعلن بعد ثلاثة أيام من صدور الإعلان الأوروبي أنّ بلاده (وضمنها الكيان الإسرائيلي) هي النموذج للحرية والديمقراطية، وأنّها سوف ترغم العالم أجمع على الاقتداء بها كنموذج. لقد كان ذلك الاستطلاع الأوروبي النوعي، وذلك الخطاب الأمريكي النوعي، إشارة واضحة إلى أنّ البشرية تجتاز مرحلة انتقالية عصيبة قوامها اللامنطق، إذ لا يعقل أبداً أن يصبح الأبيض أسوداً والأسود أبيضاً، والقاتل المجرم بطلاً منقذاً والضحية مجرماً! إنّ أولئك الذين ابيضّت الأرض بعظام ضحاياهم يتنطعون لمهمة حماية الأمن والاستقرار في العالم، ولإشاعة الحرية والعلاقات الديمقراطية بين البشر إنّ الرذيلة تنهض لحماية الفضيلة، واللصوص يهبّون للدفاع عن القانون، والذئاب تتواثب لرعاية الحملان إنّ القتلة الأشقياء يزعمون رسمياً أنهم وحدهم على حق، ويعلنون جهاراً نهاراً أن العالم عالمهم، يتصرفون به كما يشاؤون، وأنهم لن يسمحوا لأحد ولن يمكّنوا أحداً حتى من مجرّد التعليق والنقد! فهل ثمة شك، ونحن نرى هذا اللامعقول، في أن العالم يجتاز مرحلة انتقالية لا يمكن أن تكون إلا مؤقتة؟. لقد جاء خطاب الرئيس الأمريكي خلواً من أية إشارة إلى الاستطلاع الأوروبي، وهذا يعني أنه ربّما أعدّ قبله، أما الذين أعدّوا الخطاب فهم تلك الأوساط الحاكمة ذاتها التي أعدّت خطابات الحرب ضدّ العراق وضدّ العرب والمسلمين والعالم عموماً. إنها تلك العصابة من المرابين مصاصي الدماء، التي تحكم من وراء ستار، والتي لا يعني حديثها عن الديمقراطية على الطريقة الأمريكية سوى إطلاق يدّ ديكتاتوريتها حرّة في جميع أنحاء العالم، تقتل من تشاء وتنهب ما تشاء، وإنه لتكرار لا لزوم له على الإطلاق أن نستعرض ما لا يحصى من الأمثلة عن رعاية الإدارة الأمريكية ودعمها أفظع الديكتاتوريات في العالم على مدى قرن ونصف من الزمان! ثم إن الإدارة الأمريكية نفسها ليست سوى ديكتاتورية، سواء في إدارتها للولايات المتحدة بالذات، حيث الحاكم هو حزب واحد يحمل اسمين يتناوبان السلطة إلى الأبد، أو في إدارتها للعالم بعد أن أصبحت ديكتاتورية عالمية. لم يشر ذلك الخطاب الديمقراطي للرئيس الأمريكي ولو مجرّد إشارة إلى هيئة الأمم المتحدة ودورها، ولا إلى شركاء أميركا في حلف شمال الأطلنطي ودورهم، ولا إلى رغبة ولو غامضة في الاستعداد للتشاور مع ممثلي الأمم الأخرى حول طبيعة هذه ‘الديمقراطية’ التي يريدون فرضها على العالم أجمع والأفظع أنّ الرئيس الأمريكي أشار إلى أنّ الولايات المتحدة حققت ديمقراطيتها بعد قرن ونصف من الصراعات والأهوال الداخلية (أي بعد استكمال إبادة أصحاب البلاد الأصليين بالضبط) وهكذا فهو وعد العالم بعقود طويلة قادمة من الحروب، حيث لن تصبح الأمم في مستوى اعتماد النظام الديمقراطي على الطريقة الأمريكية إلا بعد فنائها ويا للعجب في الحقيقة، إنها لمضيعة للوقت والجهد أن ننكبّ على دراسة الخطاب الديمقراطي الأمريكي، الذي هو دائماً مجرّد ذرّ للرماد في العيون. إن الانجلوسكسون الذين يحكمون الولايات المتحدة وبريطانيا، والذين يعتبرون أنفسهم يهوداً بالروح، يعتقدون أو يزعمون أنّ هذا العالم كله يتكون من مجاهل، وأن قدرهم الذي لا ينازعهم فيه أحد، باعتبارهم العنصر المتفوق الذي اختاره الله، هو تملّك ما يشاؤون من أرض وثروات، فذلك حقهم الطبيعي الذي كفله لهم إله الطبيعة والأمم إنّ الولايات المتحدة، مثل ‘إسرائيل’، لا تعترف بحدود جغرافية لها، وليس في دستورها أية إشارة إلى ذلك إنّ التأكيد باستمرار على أنّ الولايات المتحدة سوف تمضي إلى النهاية في إشاعة ‘الديمقراطية’ يعني، بالضبط، أنها مصممة على المضيّ في عملية ‘تملّك’ العالم، وليس أي فعل آخر. بتاريخ 27/10/1995، وقف الرئيس الأمريكي كلينتون أمام أعضاء الكنيست الإسرائيلي، وخاطبهم قائلاً أنه كان قبل 13 عاماً في بعثة دينية اصطحبه كاهنه خلالها إلى الأراضي المقدسة (فلسطين) حيث عايش فيها تاريخ اليهود كما يرويه ‘الكتاب المقدس’ قال كلينتون أن كاهنه الذي رعى تربيته الروحية أوصاه يومئذ قائلاً:’ إذا تخلّيت عن ‘إسرائيل’ فإن الله سيغضب عليك’ وأن الكاهن كشف له الحجاب عن ‘إرادة الله’ التي تقضي ‘بأن تكون إسرائيل لشعب إسرائيل إلى الأبد’ أضاف كلينتون أنه قطع لكاهنه عهداً وميثاقاً بقوله: ‘إن إرادة الله يجب أن تكون إرادتنا’. في خطابات لاحقة سوف يتحدث الرؤساء الأمريكيون من دون مواربة عن القدر المتجلي والتوسع الجغرافي اللانهائي برعاية إله الانجلوسكسون لقد بدأ منذ عهد ريغان التحرر من التعبيرات السياسية المضللة، حيث لم يعد ممكناً استخدام تعبير ‘التحالف الاستراتيجي’ كبديل عن ‘التحالف المقدس’ بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، أو تعبير ‘القيم المشتركة’ بدلاً عن ‘الإيمان المشترك’ سوف يصبح من غير الممكن أيضاً استخدام تعبير ‘إشاعة العلاقات الديمقراطية’ في العالم بديلاً عن ‘استباحة العالم’ لقد بدأ الرؤساء الأمريكيون الكشف عن حقيقة بنية وعيهم التاريخي الذي شكلته البيوريتانية وأفكار العهد القديم، وبدؤوا الكشف عن المعنى المكابي الإسرائيلي /الأمريكي للسلام في فلسطين، وفي العراق، وفي الوطن العربي والعالم عموماً. ‘ كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية