الرئيس الفلسطيني محمود عباس
رام الله- “القدس العربي”: رفض ثاني أكبر فصيل في منظمة التحرير الفلسطينية قرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي صدر يوم أمس يوم ونص على إجراء انتخابات مجلس وطني جديد قبل نهاية العام الجاري، فيما رأت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطيني أن القرار شابه “العديد من الثغرات والفجوات السياسية والقانونية، وتجاوز التقاليد المتبعة على مدار الحياة السياسية الفلسطينية”.
وكانت الوكالة الرسمية “وفا”، نشرت مساء السبت، قرار الرئيس عباس بشأن إجراء انتخابات مجلس وطني جديد قبل نهاية العام الحالي بحيث يشكل المجلس من 350 عضوًا، على أن يكون ثلثا أعضائه “يمثلون الوطن”، أما الثلث الآخر فيمثلون الخارج والشتات.
وجاء في نص القرار أنه “بعد الاطلاع على النظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وعلى نظام انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، وتحقيقًا للمصلحة العامة، فإن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير قررت في اجتماعها المنعقد في مدينة رام الله، إجراء انتخابات مجلس وطني جديد قبل نهاية العام 2025، وفقًا لنظام انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، ويحدد موعدها بقرار من رئيس اللجنة التنفيذية”.
وجاء في القرار أن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ستصدر قرارًا بتشكيل لجنة تحضيرية تختص باتخاذ الترتيبات اللازمة لإجراء الانتخابات، وتكون برئاسة رئيس المجلس الوطني الفلسطيني ومشاركة مكتب رئاسة المجلس وأعضاء من اللجنة التنفيذية وممثلين عن الفصائل الوطنية الفلسطينية وعدد من المنظمات الشعبية والمجتمع المدني ومن الجاليات الفلسطينية في الخارج.
وأشار إلى أن قرار تشكيل اللجنة التحضيرية سيُحدد مهام اللجنة، على أن يعرض على رئيس اللجنة التنفيذية خلال مدة أقصاها أسبوعان من تاريخ صدور هذا القرار للمصادقة عليه.
وحمل البند الثالث من القرار أن يكون من ضمن شروط العضوية في المجلس الوطني التزام العضو ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية وبالتزاماتها الدولية وقرارات الشرعية الدولية، وهو الأمر الذي اعتبر تقييدا في مواقف المرشحين.
ورأت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين أن دعوة الرئيس لانتخاب المجلس الوطني الجديد، حملت في طياتها العديد من الثغرات والفجوات السياسية والقانونية، وتجاوزت التقاليد المتبعة على مدار الحياة السياسية الفلسطينية.
ودعت لحوار وطني شامل في القاهرة لإقرار خطة وطنية متكاملة لإنجاز انتخاب وتشكيل المجلس الوطني الفلسطيني.
وجاء في البيان “تؤكد الجبهة الديمقراطية على موقفها الداعي إلى إصلاح النظام السياسي الفلسطيني وتطوير بنائه على أسس ديمقراطية، بانتخابات عامة حرة ونزيهة وشفافة، بنظام التمثيل النسبي الكامل، انتخابات تشارك فيها جميع مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية، دون استثناء، تنهي حالة الانقسام، وتعيد بناء الوحدة الداخلية المؤسساتية، وفقاً لمعايير الشراكة الوطنية، وقيم وتقاليد حركات التحرر الوطني، بما في ذلك تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني، بالانتخاب حيث أمكن، وبالتوافق الوطني حيث يتعذر ذلك”.
وحول نقاط اعتراض الجبهة على قرار الرئيس قالت إن الدعوة تجاهلت الدعوة الرئاسية لانعقاد حوار وطني شامل في اجتماع يرأسه رئيس اللجنة التنفيذية ويضم أعضاءها ومكتب رئاسة المجلس الوطني والأمناء العامين للفصائل الفلسطينية وعدد من الشخصيات الوطنية المستقلة للبحث بالشأن الوطني العام، بما فيه موضوع إجراء الانتخابات الفلسطينية العامة. كما أن الدعوة الرئاسية خالفت القرار القاطع الذي اتخذه المجلس الوطني في دورته الـ23 (2018) القاضي بتحديد عضوية المجلس الوطني بـ 350 عضواً، منهم 150 يمثلون أبناء شعبنا في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67، و200 يمثلون أبناء الشعب الفلسطيني في مناطق اللجوء والشتات”.
ورأت الجبهة أن الدعوة الرئاسية حددت شروطاً لعضوية المجلس الوطني تؤدي إلى إقصاء عديد القوى السياسية ذات الصفة التمثيلية الوازنة، وذلك بالتضاد مع القرار بقانون لسنة 2021، بشأن الانتخابات العامة الذي يستند نصاً وحصراً إلى «وثيقة إعلان الاستقلال وللقانون الأساسي المعدل لسنة 2003»، كما والمادة 12 من القانون المذكور التي تنص على «أن يلتزم المرشح بالقانون الأساسي المعدل لسنة 2023»، دون إضافات على غرار ما ورد في القرار الرئاسي الأخير، والأمر نفسه ينطبق على المرسوم بشأن الدعوة للانتخابات العائد إلى سنة 2021، الذي يستند حصراً إلى النظام الأساسي لـ م. ت. ف والقانون الأساسي المعدل لسنة 2003، وعلى «وثيقة إعلان الاستقلال”.
وفي المقابل، رفضت الجبهة الشعبية قرار إجراء انتخابات المجلس الوطني وأكدت على أهمية الانتخابات الشاملة لكل مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني، وفي مقدمتها المجلس الوطني، كجزءٍ لا يتجزأ من عملية إصلاح وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، على أسسٍ وطنية ديمقراطية تُمثّل الكل الفلسطيني، في الوطن والشتات، وتعيد الاعتبار لدور المنظمة كمرجعيةٍ وطنيةٍ شاملة في مواجهة المشروع الصهيوني.
واعتبرت القرار بمثابة قفز عن التوافق الوطني، وخروجاً على القرارات الجماعية التي حددت شروط هذه العملية، ما يجعله خطوةً أحادية تفتقد إلى الشرعية الوطنية، وتكرّس الانقسام في لحظة مصيرية تتطلب أعلى درجات الوحدة والتنسيق بين كافة مكونات الشعب الفلسطيني.
ورأت الجبهة في بيانها أن إجراء هذه الانتخابات يجب أن يكون ثمرة توافق وطني شامل، وخطوة على طريق إنهاء الانقسام، واستعادة الوحدة الوطنية، وفق ما نصّت عليه مخرجات الحوار الوطني في القاهرة وإعلان بكين، والتي وضعت أسس وآليات وشروط واضحة تضمن شمولية التمثيل، وتهيئة الظروف الوطنية والسياسية لإنجاح هذا الاستحقاق الديمقراطي.
وقالت الجبهة إنها ترفض ما سمته الشروط المسبقة التي يضعها الرئيس للعضوية في المجلس الوطني، وخاصة ما يتعلق بالالتزام الكامل ببرنامج منظمة التحرير الحالي وتبعاته الدولية، وهي شروط تقصي طيفاً واسعاً من القوى والفعاليات الفلسطينية، وتعيد إنتاج الأزمة بدلاً من معالجتها، خصوصاً أن هذا البرنامج يتضمن اتفاقات سياسية فاشلة أسهمت في تراجع حقوق الشعب الفلسطيني.
ورأت الجبهة إن المخرج الحقيقي والوطني من هذا الوضع، يبدأ بإرادة سياسية جامعة تنبذ سياسة التفرد، وتدفع نحو حوار وطني شامل بمشاركة كافة القوى والفصائل والفعاليات الشعبية.
ضغوط خارجية
بدوره اعتبر الكاتب والمحلل السياسي خليل شاهين، قرار الرئيس جاء بدون توافق وطني وبدون مشاورات مع الفصائل والمجتمع المدني والقطاع الخاص.
وشدد على أن الفلسطينيين يريدون انتخابات حرة ونزيهة لكي يختاروا بحرية من سيمثلهم في المجلس الوطني وبالتالي من سيكون في قيادة منظمة التحرير.
واضاف ان الفلسطينيين يريدون الانتخابات كمحطة لطرح برامجهم من خلال القوى السياسية والمرشحين والتنافس لإحداث تغيير منشود، لافتا أن انتخابات بلون سياسي واحد تعني أن من لا يحق لهم الدخول بموجب هذا المرسوم في العملية الانتخابية سيجدون طرق أخرى من أجل تغيير السياسات والبرامج القائمة وهو أمر خطير، مشددا على ضرورة توافق الفلسطينيون على الوحدة قبل اجراء الانتخابات وإصدار المرسوم يعني ادارة الظهر للوحدة وبالتالي زيادة الانقسامات والخلافات.
وشدد شاهين على حاجة الشعب الفلسطيني لإجراء انتخابات متزامنة للمجلسين الوطني والتشريعي وانتخابات للرئاسة.
واعتبر شاهين أن عدم إجراء الانتخابات الفلسطينية سيقود الى الأخطر، أي مسألة التعيين بإعادة هندسة المؤسسات الفلسطينية.
وأكد شاهين أن قرار إجراء الانتخابات جاء بناء على ضغوط خارجية وليس بناء على احتياجات فلسطينية، والأولوية الآن وقف حرب الابادة في قطاع غزة ووقف العدوان في شمال الضفة والانفلات الاستيطاني في الضفة.
وتساءل المحلل السياسي هاني المصري حول مرسوم الانتخابات الجديد: هل هو حلّ مناسب أم مفاقمة للمأزق الفلسطيني؟ معتبرا أن الوحدة مدخلا للانتخابات، لا العكس، وأن والقرار يُنذر بتعميق المأزق الفلسطيني بدل المساهمة في حله.
وشدد المصري في حديث لـ”القدس العربي” على أن القرار صدر بشكل أحادي، من دون تشاور وطني، معتبرا أن هذه المقاربة تضرب بالصميم شرعية المرسوم وتُفقده الغطاء الوطني اللازم.
واعتبر أن المرسوم يتجاهل مسألة تشكيل قيادة وطنية موحدة وبلورة استراتيجية وطنية شاملة لمواجهة هذه التحديات وتوظيف الفرص المتاحة.
وتسأل: “كيف يُمكن تصور إجراء انتخابات في قطاع غزة في ظل الوضع القائم؟ وكيف ستُجرى في الضفة في ظل القضم المتدرج والضم الزاحف، والتقدم نحو فرض السيادة الإسرائيلية عليها؟”.
وانتقد المصري ما تضمّنه المرسوم من وجود شرطًا مستغربًا يشترط على المشاركين في الانتخابات الالتزام ببرنامج منظمة التحرير والتزاماتها، ما يُخالف جوهر العملية الديمقراطية القائمة على حرية التنافس بين برامج وخيارات متعددة ضمن إطار وطني موحّد.
بإمكان القوى الوطنية الاتفاق على أسس وأهداف وقيم إنسانية عليا تُصاغ ضمن ميثاق وطني جامع، يستند إلى الإرث الوطني والحقوق الثابتة، خاصة أن مكانة الميثاق الوطني السياسية والقانونية أُضعِفت نتيجة الشروع في تعديله دون استكمال هذه العملية.
وعقب على أن المرسوم تضمن انتخابات المجلس الوطني فقط، من دون ذكر أي استحقاقات رئاسية أو تشريعية، وكأن منظمة التحرير ستمسك بكامل السلطات، دون أي مراجعة أو إعادة بناء لمؤسساتها المتقادمة والمُعطلة منذ سنوات. وهذا يكشف عن توجّه خطير لتجاوز السلطة الفلسطينية ورئيسها ومؤسساتها لصالح منظمة مشلولة، من دون إصلاحها وتفعيلها وإعادة هيكلتها وإعادة بناء مؤسساتها لتضم مختلف ألوان الطيف السياسي والاجتماعي.