كانت وفاة الرئيس المصري السابق محمد مرسي في قاعة المحكمة يوم 17 حزيران (يونيو) 2019 مناسبة لأعدائه وأنصاره لاستعادة حكاية قصيرة في السلطة شابها ما شابها وقيل عنها الكثير، ولكنها مثلت في البداية آمال الحالمين بربيع عربي جميل بعيدا عن تسلط الديكتاتورية والدولة العميقة ودول الحروب بالوكالة التي لم تهنأ لانتصارات الشعوب فعملت جهدها لتدمير خياراتها.
كان محمد مرسي (19510-2019) أول رئيس ينتخب عام 2012 وهذه حقيقة أجمع عليها كل من كتب عنه وعن إرثه السياسي. إلا أن الخلاف والنقد والتردد في كل من كتب جاء من تجربته القصيرة التي أجهضها تدخل الجيش بقيادة وزير دفاعه والذي كان للمفارقة من اختياره، واسمه عبد الفتاح السيسي، الذي كان غير معروف للعامة، فيما كان مرسي الخيار البديل الذي اضطر الإخوان المسلمون لترشيحه بعد فشل مرشحهم الرئيسي خيرت الشاطر، نائب المرشد العام بالحصول على الموافقة لتقديم طلبه. ومن هنا جاء مرسي الذي عمل نائبا في البرلمان فترة وقضى معظم حياته في المجال الأكاديمي بين أمريكا وبلده مصر إلى السلطة بالصدفة.
وأجمع الكثيرون على أن مرسي كان ضحية لنظام قمعي حبسه في سجن انفرادي ومنع عنه الدواء وحرم عليه رؤية عائلته التي لم يرها سوى ثلاث مرات طوال 6 أعوام من الحبس الذي كان بمثابة عزلة تامة، لا تلفزيون ولا صحف أو كتب أو اتصالات مع العالم الخارجي. واتفق الجميع على أن الرئيس عانى من الظلم في حياته وفي مماته، فقد حول الانقلابيون حياته لفصل كابوسي مأخوذ من روايات فرانز كافكا الكابوسية، ووجهت له شتى الاتهامات من سرقة المواشي لاختراق السجون للتخابر والتجسس مع دولة أجنبية، في هذا السياق حماس وقطر، وحكمت عليه شتى المؤبدات والإعدام. ونظرا لكثرة المحاكمات التي تمت من صندوق بزجاج عازل للصوت لم يعد أحد يهتم به ولا بمحاكماته. وعندما وقع على الأرض ومات ترك مرميا وسط صرخات من في القفص لمدة 20 دقيقة، كما قالت صحيفة “إندبندنت” (18/6/2019) ما يقترح قتله حسب أنصاره، رغم مسارعة السلطات لإغلاق ملف الوفاة ودفنه ليلا بحضور عدد قليل من أبنائه وأقاربه، ضاربة عرض الحائط بمطالب عائلته نقله للشرقية مسقط رأسه وتشييعه هناك. ولعل الرجل أخافها في مماته ولم ترد أن تمنحه جنازة تليق بمقامه كرئيس منتخب لمصر. وقامت بالتغطية على خبر وفاته وجردته من لقبه فيما تناقلت وسائل الإعلام رسالة نصية وزعتها المخابرات من هاتف سامسونغ. أما زعيم مصر الأوحد فقد كان يضع إكليل ورد على قبر الجندي المجهول في موسكو، فيما دفن مرسي الرئيس الديمقراطي وحيدا في مقبرة بمدينة نصر. ومثلما دمره الانقلاب سارع المطبلون للنظام في الإعلام لنهش لحمه ميتا كما نهشوه حيا وشمتوا به رغم تظاهرهم بعدم فعل هذا.
بلادي
غريبة مصر اليوم، فمرسي أكد في مرافعته الأخيرة أنه يحب وطنه “بلادي وإن جارت علي عزيزة وأهلي وإن ضنوا علي كرام” ولكن ليس في هذا الزمن، ربما في زمن آخر. وكما نقل الصحافي المعروف روبرت فيسك في “إندبندنت” (20/6/2019) عن مستشار سابق لمرسي طلب منه قبل أيام من الإطاحة التوقيع على علم مصر فكتب هذه الكلمات: “مصر التي في خيالي هي مصر القيم والحضارة، مصر التطور والاستقرار والحلم ورايتها دائما ترفرف فوقنا”. لم يشفع لمرسي حبه لبلاده فهو في عين أعدائه إرهابي وجاسوس وغير ذلك من الاتهامات الظالمة التي وجهت إليه. وحتى من حاول التوسط والاعتدال في الحكم عليه أكد أنه لم يكن رئيسا جيدا وعاجزا لم يحقق أحلام الثورة بل ساهم بالقضاء عليها. وأقنع حتى من صوتوا له بالانفضاض من حوله نتيجة لقراراته الدستورية التي حاول فيها تحصين نفسه من الدولة العميقة التي استهدفته منذ البداية. وكانت مجلة “إيكونوميست” (22/6/2019) واقعية في حديثها عندما قالت إن مرسي الذي حاول أخذ الشرعية من معتصمي ميدان التحرير لم يسمح له وحلفاؤه “بالسيطرة على مصر الكثيرة الأحزاب. ومنذ البداية حاول الجيش تقويض سلطته، فيما عملت المخابرات على الإطاحة به. وأصبحت المحاكم المرتبطة بفترة مبارك المصدر الرئيسي للمعارضة. وقام القضاة بحل البرلمان الذي سيطر فيه الإخوان على الغالبية وقاموا بعرقلة جهود مرسي المتكررة تحديد موعد جديد للانتخابات. وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 2012 أصدر مرسوما رئاسيا لحماية قراراته ما أدى لتظاهرات مضادة له حول القصر الرئاسي وهاجمهم أنصار الإخوان. وأدى المرسوم والعنف الذي تلاه إلى تمزق العلاقة مع الثوريين الذين ساعدوا بوصوله إلى الرئاسة. وعندما أطاح به الجيش بقيادة وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي شعر الكثيرون بالفرح لخروجه. وحتى المجزرة التي قتل فيها المئات من أنصار السيسي بعد شهر من الانقلاب والتي تعد غير مسبوقة في تاريخ مصر الحديث انتقدت بصمت. وتم حظر الإخوان مرة أخرى وفقدت هيكليتها المضبوطة وأصبح قادتها في السجون أو في المنافي بالدوحة أو اسطنبول والعواصم الأوروبية”.
موت معلن
ومنذئذ أصبحت حياة مرسي فصلا يشبه رواية ماركيز “قصة موت معلن” التي يعرف فيها الضحية إنه محكوم عليه بالموت ولكنه لا يعرف متى. وهو ما حذر منه تقرير برلماني بريطاني العام الماضي عندما قال معدوه إن عدم توفير العناية الصحية لمرسي تعني وفاته. وفي هذا السياق كتب النائب البريطاني المحافظ كريسبن بلنت أنه توقع وفاة مرسي بالطريقة التي حدثت. وفي مقاله بصحيفة “إندبندنت” (18/6/2018) قال: “في العام الماضي ترأست لجنة من النواب والمحامين البريطانيين أوكل لها مهمة مراجعة ظروف احتجاز الدكتور مرسي. واستنتجنا بناء على شهادات من عائلته ومن يعرفون بأوضاعه أنه لا يحصل على العناية الطبية المناسبة ولا مراقبة كافية لمرض السكري الذي يعاني منه أو مراقبة معاناته من مرض الكبد”. و”قلنا إنه قد يؤدي احتجازه المستمر الوحشي وغير الإنساني والمعاملة المهينة إلى تراجع سريع في صحته وربما الموت”. ويعتقد النائب البريطاني أن “ظروف اعتقال الدكتور مرسي تجعل الرئيس السيسي، من الناحية المبدئية متورطا في جريمة التعذيب، وهي جريمة تخضع لصلاحيات عامة”.
ووصفت صحيفة “الغارديان” (18/6/2019) وفاة الرئيس المصري السابق في قفص مخصص للمجرمين بأنها رمزية وحدث جدير بالملاحظة مثل انتخابه في حزيران (يونيو) 2012. ومثل غيرها من الصحافة الأجنبية التي وازنت بين فشله واستحقاق الثورة وما فعله خليفته به وبأنصاره وشعبه قائلة: “إن المصريين الذين لن يبكوا على رحيله يشعرون بالندم على الطريقة التي رحل فيها وما تقوله عن ثورتهم المسروقة. فهو وإن ساعد على تدمير ثورتهم لكن الرجل الذي أطاح به فعل الأسوأ”.
انقلاب
وصارت فصول تلك المرحلة معروفة وسجلها مدير مكتب صحيفة “نيويورك تايمز” في القاهرة ديفيد كيرباترك “في يد العسكر” (2018) حيث كشف عن دور الدول الإقليمية في الإطاحة بحكم الإخوان. وكانت الولايات المتحدة وبريطانيا اللتان دعمتا نظام السيسي على معرفة بخطط وزير الدفاع، ففي بداية آذار (مارس) 2013 أخبر السيسي وزير الخارجية الأمريكي جون كيري أنه يخطط للإطاحة بمرسي. وكان السفير البريطاني جيمس وات على علم بما يخطط له وزير الدفاع المصري. وفي نيسان (إبريل) أخبر السيسي السفير الأمريكي بما يدور في ذهنه. وبحلول أيار (مايو) بدأت وزارة الخارجية الأمريكية العمل على إقناع مرسي التنحي عن السلطة. وحسب كيرباتريك أخبر وزير الدفاع تشاك هيغل السيسي أن عليه “حماية البلد” وبعد ذلك أرسل له “سيرة جورج واشنطن”. بل وزعم جون كيري بعد ذاك أن الجيش “يقوم باستعادة الديمقراطية”. ولكن قادته قاموا بدلا من ذلك باستعادة حكم الجيش وأشرفوا على مذبحة مئات من مؤيدي مرسي في ميدان رابعة وفرضوا نظاما قمعيا أكثر وحشية. وكانت معاناة مرسي ووفاته الصادمة صورة عن معاناة عشرات الآلاف من السجناء المصريين ورمز لتصميم النظام الحالي لسحق المعارضة. و”يجب أن تفضح وفاته أصدقاء الجنرال السيسي وتدفعهم للاعتراف بالحقيقة” كما تقول صحيفة “الغارديان”.
شهيد… قتيل
وفي محاولة لتجريد الرئيس الراحل من أي إرث هناك من اعترض على تسميته بالشهيد، كما ورد في تقرير صحيفة “واشنطن بوست” (20/6/2019) أكد كاتبه أن صفة “الشهادة” جاءت بسبب سوء تصرف النظام، فهو لم يكن زعيما شعبيا. وقال إن “من خلقوا هذه الأيقونة التراجيدية التي ستلهم بالتأكيد أجيالا من الإسلاميين لم يكونوا سوى الرجال بالخاكي” فالسيسي ورجاله جعلوا من زعيم غير شعبي مصدرا للأسطورة وشهيدا لدى أتباعه الذين تذكروه عبر منابر التواصل الاجتماعي وصلوا عليه في عدد من العواصم العالمية، وهتفوا له في تركيا بالشهيد والسيسي بالقاتل. ووضعه الإسلاميون والمحافظون في مرتبة الأولياء. وكان يمكن تجنب صفة الشهادة لو تركه الجيش يكمل رئاسته والشعب يقول كلمته فيه وجماعته التي ضيعت فرصة للحكم، لكن السيسي طلب من الشعب تفويضا لسحق الإرهاب وقتل أكثر من ألف شخص في يوم واحد بمجزرة لم يشهد التاريخ المصري الحديث مثلها. وبدلا من سحق الإرهاب كما يزعم النظام، تواجه مصر تمردا شاملا في سيناء ضرب المركز. وبعيدا عن اللهجة التخويفية التي اتسم بها كلام الكاتب الذي قال إن وفاة مرسي ستعطي الإسلاميين الفرصة للتشدد تماما كما حدث مع الإخوان في ظل عبد الناصر، يرى كاتب آخر في “نيويوركر” (19/6/2019) أن الإخوان لم يردوا على القمع الممارس عليهم منذ عام 2013 بقمع آخر، فهم ضعاف وخسروا على ما يبدو الفرصة التي سنحت لهم. ولدى الكاتب تحفظ على كلمة شهيد لمرسي لأن الشهيد هو من يموت من أجل قضية وهذا يختلف عن الضحية ضد قوى أقوى منه. ويرى أن إرث مرسي لن يقدم إلهام الشهيد لأن الإسلام السياسي في مصر أضعف. وفي ظل مناخ الخوف والقمع ومعاناة مرسي وجماعة الإخوان فمن الغرابة بمكان أن يقوم دونالد ترامب بتصنيف الإخوان كحركة إرهابية، فقد عانت من أسوأ أشكال العقاب. وتاريخها يعطي فكرة عن نجاتها ولكن ليس كتنظيم سياسي بل كجماعة دينية أو اجتماعية. لكل هذا حاولت مصر السيسي جعل يوم 17 حزيران (يونيو) خارج التاريخ المصري مع أن جدول القاهرة حافل بالمناسبات التي سجل بعضها على الإسمنت والحجر مثل كوبري السادس من أكتوبر التي تخلد حرب عام 1973 وشارع 26 يوليو الذي يخلد الثورة المصرية. فمحمد مرسي ليس موجودا في التاريخ الرسمي ولا في الذاكرة والتعاطف العام معه هو حزن على الطريقة التي عومل بها وموته التراجيدي في قفص والمفارقة أنها جاءت متزامنة مع الذكرى السادسة للانقلاب الذي أطاح به. لكن مرسي بأشهره القليلة في الحكم مهم، سواء كبداية للثورة أو خاتمة بل لأنه أول رئيس منتخب عومل بطريقة ظالمة مقارنة مع الرجل الذي أطاحت به ثورة يناير 2011. ورغم ما قيل فقد كان عامه الوحيد واحة حرية التعبير والحريات المدنية، ولعل حس الندم ورد في كلمة قبطي عارض مرسي بشراسة على صفحته في فيسبوك: “اعتقدت أن عصابته من الإخوان المسلمين ستحكم مصر للأبد ولن يكون هناك رئيس آخر ينتخب بطريقة ديمقراطية. وصدقت حقيقية أنه باع سيناء لحماس أو قطر وأنه خرق الدستور، وأنه كان خائنا لبلده وفقد الشرعية ولم يبق في الرئاسة سوى عام واحد. واليوم اكتشفت أنني وقعت أسر جماعات منابر التواصل الاجتماعي، وضخم الصور على الشاشات كل كلمة قالها ومحت الحقائق على الأرض أو شعبيته. واليوم أبكي رحيله وأشعر أنني مسؤول جزئيا عن الجنون الذي قاد لوفاته، متأسف”. ففي زمن آخر ومكان آخر قد يعود الناس لهذا الفصل الدرامي والحزين ويتذكروا أول رئيس شرعي منتخب.