مرسي في ادغال افريقيا

حجم الخط
15

في الاشهر الستة الاخيرة زار الرئيس المصري محمد مرسي عدة دول ابتداء من الصين ومرورا بايران وانتهاء بالبرازيل بحثا عن قروض وتعاون تجاري واقتصادي تخفف من حدة الازمة الاقتصادية الطاحنة التي تواجهها بلاده، ولكن الزيارة الاكثر اهمية في رأينا تلك التي بدأها امس في العاصمة الاثيوبية اديس ابابا للمشاركة في فعاليات القمة الافريقية.
من المؤكد ان هذه الزيارة، وفي مثل هذا التوقيت ستتيح للرئيس المصري فرصة للالتقاء بالعديد من الزعماء الافارقة، وتجديد الصلات مع بلدانهم، تلك الصلات التي انقطعت، او تقلصت في عهد الرئيس السابق محمد حسني مبارك.
فالرئيس مبارك ومنذ ان تعرض لمحاولة اغتيال اثناء مشاركته في قمة افريقية في اديس ابابا في التسعينات من القرن الماضي، اهمل الملف الافريقي، وغض النظر عن التسلل الاسرائيلي الى هذه القارة البكر، ودول منابع النيل شريان الحياة الرئيسي لمصر.
الرئيس مرسي سيضع مسألة الحفاظ على حصة مصر من مياه النيل على قمة جدول اعماله، خاصة اثناء لقائه مع نظيره الاثيوبي حيث تشكل مياه النيل الازرق القادمة من المرتفعات الاثيوبية اكثر من خمسة وثمانين في المئة من مياه النهر.
من المؤلم انه بينما كان نظام الرئيس مبارك غارقا في تدعيم العلاقات الثنائية مع اسرائيل، وتشجيع تغلغلها في الدول العربية، وامدادها بالغاز المصري باسعار رمزية، قابلت اسرائيل هذه المكارم بالتسلل الى الفناء المصري، وتحريض دول منابع حوض النيل على فك الاتفاقات التاريخية التي تحكم توزيع حصص مياه النيل وتعطي مصر نصيب الاسد منها رغم انها دولة مصب.
افيغدور ليبرمان وزير الخارجية الاسرائيلي الذي هدد مرة بقصف السد العالي واغراق مصر في مياه النيل، كشف عن نواياه الخطيرة والمعادية لمصر هذه بالتركيز على الملف الافريقي، وقام بزيارة الى اكثر من سبع دول افريقية قبل اربعة اعوام على رأس وفد كبير يضم عددا من رجال الاعمال ومهندسي البناء والري، وكان من بين هذه الدول اثيوبيا واوغندا، وعرض دراسات لاقامة سدود وتعهدات بمساعدات مالية وصفقات اسلحة حديثة متطورة لمواجهة اي تحرك مصر ضد هذه السدود.
التحريضات الاسرائيلية هذه ساهمت بدور كبير باقناع ممثلي اثيوبيا واوغندا ورواندا وتنزانيا وهي دول المنبع الى جانب الكونغو وكينيا وبروندي على توقيع اتفاق جديد حول توزيع مياه النيل يقلص حصتي كل من السودان ومصر.
اثيوبيا شرعت في بناء سد النهضة على النيل الازرق لتوليد الكهرباء وخلق بحيرة ضخمة على غرار بحيرة السد العالي في اسوان واسندت عملية توليد الكهرباء وتوزيعها الى شركة اسرائيلية.
تحرك الرئيس مرسي في هذا الاطار يأتي في التوقيت المناسب من اجل الحفاظ على مصالح مصر من المياه والكهرباء، ولكن المؤسف ان هذا التحرك قد لا يعطي النتائج المرجوة في ظل غياب الدعم والتنسيق العربيين من دول لها وزنها ونفوذها مثل دول الخليج، والمملكة العربية السعودية بالذات الى جانب الجزائر التي لها علاقات وثيقة مع معظم دول القارة الافريقية.
هذا الغياب العربي، والخذلان للسودان الدولة العربية الاسلامية من قبل بعض الدول وعلى رأسها مصر حسني مبارك، هو الذي ادى الى نجاح الخطة الاسرائيلية في فصل الجنوب عن الشمال، وقيام دولة جنوب السودان في نهاية المطاف، ولذلك لم يكن مفاجئا ان تكون الدولة الاولى التي زارها سلفا كير رئيس هذه الدولة هي اسرائيل للاعتراف بجميلها.
الخلافات مع نظام الرئيس مرسي في مصر بسبب انتمائه لحركة الاخوان المسلمين لا يجب ان تقف حجر عثرة في طريق دعمه للحفاظ على مصالح بلاده في مياه النيل، فلا يجب تكرار خطأ الرئيس مبارك عندما انشغل في عدائه لنظام الرئيس عمر البشير في السودان بسبب تورطه في محاولة الاغتيال الفاشلة في اديس ابابا عن المؤامرات الاسرائيلية في منابع النيل، ونسي ان هذه الاحقاد ستكلف مصر والسودان معا الكثير من اهم سلاح استراتيجي في يديهما وهو مياه النيل. فالسودان دولة ممر ومصر دولة مصب والتنسيق بينهما، وبغض النظر عن الخلافات يظل حتميا لمصلحة الجانبين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية