بغداد ـ «القدس العربي»: اتهم مرصد “أفاد” الحقوقي العراقي، الحكومة الاتحادية برئاسة محمد شياع السوداني بانتهاج “سياسة انتقائية وطائفية” بملف تقصّي مصير المغيبين، مستنداً في ذلك إلى تشكيل لجنة حكومية تخص مختطفي كركوك فقط دون المحافظات المنكوبة الأخرى، كاشفاً في الوقت ذاته عن أسر فصائل قال بأنها تابعة “للحشد” أكثر من 26 ألف شخص سنّي.
وسجّل، في تقرير نشره، أمس، “إدانته لانتقائية الإجراءات الحكومية العراقية الأخيرة في التعامل مع ملف المختطفين والمُغيبين العراقيين الذين تدخل مأساتهم عامها التاسع على التوالي، وذلك بعد الكشف عن تشكيل رئيس الحكومة لجنة لتقصي ملف المغيبين من أهالي كركوك فقط، دون غيرها من المحافظات المنكوبة الأخرى، في تصرف ينم عن انتقائية عالية تنتهجها حكومة السيد السوداني إزاء هذا الملف الإنساني والأخلاقي الكبير”.
وأوضح أنه “في الثاني عشر من نوفمبر الحالي، قال محافظ كركوك بالوكالة، راكان سعيد الجبوري، خلال مؤتمر صحافي عقد بمدينة كركوك، برفقة عدد من المسؤولين المحليين، بأن رئيس (…) أمر بتشكيل لجنة للتقصي والبحث عن مصير مئات من المختطفين من أهالي كركوك، يعتقد أن قسماً منهم موجود في سجون إقليم كردستان العراق”.
ونقل المرصد عن الجبوري قوله إن “اللجنة (…) باشرت اجتماعاتها وأعدت قوائم بأسماء المغيبين من أهالي كركوك، وستتحرك نحو السلطات في إقليم كردستان للحصول على إجابات وافية عن مصير المعتقلين والمغيبين”.
وفي الوقت الذي اعتبر فيه المرصد هذه الخطوة “حقاً قانونياً وإنسانياً واجباً على الحكومة”، سجّل إدانته واعتراضه على “استمرار التعامل بانتقائية واضحة مع ملف المختطفين، بشكل يُفهم منه على أنه تمييز طائفي وعرقي، للضحية والمجرم”.
ورأى أن “موافقة الحكومة على التحرك تجاه ملف اعتقالات قوات البيشمركة والأسايش (قوات أمنية كردية)، خلال فترة منتصف 2014 ولغاية 2016، والتغاضي عن اعتقالات وخطف ميليشيات مسلحة ضمن الحشد الشعبي بالفترة ذاتها طالت آلاف العراقيين السنة هو تعبير عن انتقائية وتمييز طائفي واضح، بل وتستر على المجرم الفاعل”، حسب قوله.
وأكد أن “استمرار محنة أسر أكثر من 26 ألف عراقي مختطف ومغيب على يد ميليشيات وجماعات مسلحة منضوية ضمن “الحشد الشعبي”، يضع القوى السياسية وحكومة السوداني على محك أخلاقي وإنساني كبير، خاصة وأن برنامج الحكومة الحالية تضمن الكشف عن مصيرهم”.
وفي هذا السياق، حصل المرصد على معلومات تؤكد “امتناع (…) السوداني عن توسيع لجنة كركوك وجعلها لجنة وطنية شاملة للوقوف على مصير المختطفين”.
وأبلغ مسؤول عراقي بارز في العاصمة بغداد المرصد بأن “القرار الحكومي شمل أهالي كركوك فقط، ورفض السوداني شمول أهالي الأنبار وصلاح الدين وديالى ونينوى وبغداد وشمال بابل، في حق العثور على المختطفين أو معرفة مصيرهم”، مضيفاً أن “ملف مغيبي كركوك يتعلق بجهة القوات الكردية فقط، بينما ملف المختطفين من أهالي المدن العراقية، فيعتبر المتهم الأول فيها الحشد الشعبي، وهو سبب كاف لامتناع رئيس الحكومة عن توسعة البحث عن الضحايا المختطفين”.
ودعا الحكومة العراقية إلى “عدم تكرار أخطاء الحكومات السابقة في التمييز الطائفي والعرقي”، معتبراً في الوقت عينه ما أقدمت عليه الحكومة العراقية، “جريمة تستر على المتورطين بملفات وقضايا انتهاكات حقوقية مروعة شملت القتل والتطهير الطائفي”.
وجدد المرصد الدعوة للحكومة بـ”سرعة فتح المقابر الجماعية المُكتشفة خاصة في المناطق التي لم يصل إليها مسلحو “تنظيم الدولة الإسلامية”، ويُرجح ارتكاب الميليشيات فيها جرائم قتل جماعية للضحايا”.
يحدث ذلك في وقت تشدد فيه الحكومة العراقية على إجراء تحقيقات دولية تُعني بـ”الجرائم” التي ارتكبها التنظيم في العراق، خلال سيطرته على ثلث مساحة البلاد صيف 2014، تمهيداً لعرض الجناة أمام المحاكم الجنائية الدولية. واستقبل نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية فؤاد حسين، مساء أول أمس، المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان والوفد المرافق له.
بيان لوزارة الخارجية نقل عن الوزير قوله إن عصابات تنظيم الدورة قد “ارتكبت جرائم عديدة بحق العراقيين، وقد شملت جميع الطوائف والأديان والفئات، وإن معاقبة مرتكبيها ضرورة واجبة ضمن الإطار القانوني والقضائي العراقي”.
واستعرض الوزير “التضحيات التي قدمها العراق في التصدي للتنظيم الإرهابي”، مؤكداً أن “العراق يولي اهتماماً بالغاً بدراسة المبادرات التي يعرضها المجتمع الدولي والتي من شأنها المساهمة بتجريم الأعمال الوحشية التي ارتكبها التنظيم (…) ومحاسبة مرتكبيها”.
واستعرض المسؤول الأممي جهود المحكمة الجنائية الدولية وسعيها “لاستخدام السبل القانونية لمحاسبة مرتكبي جرائم تنظيم داعش الإرهابي في العراق وإصدار أحكام قضائية من محكمة الجنايات الدولية بحق مرتكبي تلك الجرائم”، مشيراً إلى رغبة المحكمة بـ”التعاون مع العراق في هذا المجال، حيث تم التطرق إلى أهمية التعاون المشترك مع العراق بما يساهم ومعاقبة مرتكبي جرائم الكيان الإرهابي وإضفاء صفة الإبادة الجماعية على ما حدث للضحايا من جرائم، وتعزير التعاون القانوني مع العراق ضمن هذا المجال”.
كذلك، التقى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، خلال زيارته العراق، رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني.
وأكد السوداني ضرورة “مساندة العراق في محاكمة ومحاسبة العناصر الإرهابية التي تسببت بإزهاق أرواح العراقيين وارتكبت مجازر وحشية بحق المدنيين”، مبيناً أن “العراق حارب الإرهاب بالنيابة عن العالم، وتمكن من هزيمته، وقدم في سبيل ذلك الكثير من التضحيات”.
ودعا المحكمة الجنائية الدولية إلى “مساعدة العراق وإسناده في تحديد الداعمين للإرهاب في العراق، سواء أكانوا دولاً أو مؤسسات، من أجل مقاضاتهم في المحاكم العراقية”.
وأكد خان “حرص المحكمة الجنائية الدولية على ملاحقة ومحاسبة المنتمين للتنظيمات الإرهابية في العراق، وإنصاف الضحايا”، مشيراً إلى أن “العراقيين ألحقوا الهزيمة بـ”تنظيم الدولة” الإرهابية عبر وحدتهم وتماسكهم، والتصميم على تطهير أرضهم”.
إلى ذلك، استقبل رئيس الجمهورية عبد اللطيف جمال رشيد، المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم أحمد خان والوفد المرافق له.
وأكد، خلال اللقاء، أن “العراق تعرض لهجمة إرهابية وحشية على يد التنظيم ارتكب خلالها أبشع الجرائم ضد الإنسانية، لا سيما تلك التي تعرض لها الإيزيديون، كذلك جرائم النظام الديكتاتوري في حلبجة والأنفال والمقابر الجماعية في جنوب البلاد”، مشدداً على ضرورة “ضمان محاسبة عصابات داعش عبر جمع الأدلة وتوثيقها، والعمل المشترك مع المنظمات الأممية للتوعية بآثار هذه الانتهاكات ومخاطرها على الصعيدين الإنساني والاجتماعي”.
واستعرض كريم أحمد خان عمل المحكمة الجنائية الدولية في “مواصلة التحقيق والتقصي عن مرتكبي الأعمال الإرهابية”.