مرصد حقوقي عراقي يحتج على ملاحقة المؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي: بطاقة دعوة للديكتاتورية عبر نافذة ما يسمى «المحتوى الهابط»

حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي»: في الوقت الذي أشار فيه مرصد «ميترو» الحقوقي، إلى ما تضمنته المادة 38 من الدستور العراقي من حرية الرأي والتعبير بكل الطرق والوسائل، تحدث عن لجوء وزارات وهيئات في الحكومة العراقية، الى إصدار قرارات ولوائح تفرغ هذه المادة الأساسية الدستورية من محتواها، بل وتطالب بتطبيق كل العقوبات «التي تكمم الأفواه» الذي صدرت في زمن النظام الديكتاتوري والواردة في قانون العقوبات البغدادي المرقم 111 لسنة 1969، وتضيف اليها عقوبات جديدة أشد وأقسى.
وقال المرصد، في بيان صحافي أمس، إنه «بعد قرارات اللجنة التي شكلتها وزارة الداخلية بمتابعة ما يسمى بالمحتوى الهابط، تحت عنوان (بلغ) وتم بموجب ذلك إلقاء القبض على عدد من صناع المحتوى، بل وصدور أحكام بالسجن تراوحت بين 6 أشهر إلى سنتين».
وأضاف: «خرج علينا الناطق باسم وزارة الداخلية مفتخرا أن عدد البلاغات عن ما يسمى بالمحتوى الهابط، التي وصلت الوزارة لحد الآن قد بلغت 95 ألف بلاغ، أي إننا عدنا الى المخبر السري والقضايا الكيدية، طالما لا يوجد هناك تعريف قانوني غير قابل للتأويل (للمحتوى الهابط)».

محامون للقتلة

ورأى «ميترو» أن «من المحزن ان تخرج علينا نقيبة المحامين، تهدد فيها المحامين بإلغاء أسمائهم من سجل النقابة ومنعهم من ممارسة مهنة المحاماة، كل محامي يعلن انه دافع عن أحد افراد ما يسمى بالمحتوى الهابط، بينما القانون يسمح حتى لأعتى المجرمين والقتلة والسارقين بتوكيل محام للدفاع عنهم».
ومن جهة أخرى، تحدث المرصد الحقوقي عن استعداد هيئة الإعلام والاتصالات «لإصدار لائحة، تطالب بها بتطبيق قانون العقوبات العراقي 111 لسنة 1969 إضافة الى ذلك تطبيق بعض بنود قانون مكافحة الإرهاب ونصوص قانونية عقابية أخرى، على كل من يمس الدولة وكياناتها ورموزها، بل وحتى من يمس النقابات والاتحادات التنظيمية، وكذلك تلزم المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي التسجيل في هيئة الإعلام والاتصالات وأخذ الموافقات الرسمية وتسديد الرسوم المالية قبل الشروع بالنشر».
وكما تفرض اللائحة «غرامات مالية وعقابية مختلفة ولا تسمح بنشر ما يعكر مزاج الزعماء الكبار او انتقاد النظام (الديمقراطي) الحالي ومؤسساته (الدستورية) فضلا عن فرض الهيئة على أصحاب المحتوى الممول، دفع نسبة من قيمة التمويل لهيئة الإعلام والاتصالات».
وتضمنت إحدى مواد اللائحة، حسب بيان المرصد، «تجريم أي شخص يحض على مقاطعة الانتخابات، مع ان ذلك حق طبيعي لكل مواطن/ة في النظام الديمقراطي» مشيرا إلى إن اللائحة يراد لها ان «تتحول الى قانون يمنح مجلس هيئة الإعلام والاتصالات المكون من أطراف سياسية جاءت بالمحاصصة، صلاحيات رقابية مطلقة وواسعة للتحكم في المحتويات المنشورة».
وأوضح أن «اللائحة المكونة من 17 فصلا و36 مادة عقابية، لا يوجد مثلها حتى في الدول الاكثر بعدا عن الديمقراطية. وقبل ذلك تمت القراءة الاولى لقانون جرائم المعلوماتية، الذي يهدد في الكثير من جوانبه حرية الرأي والتعبير».
ولفت المرصد إلى إنه «أصبح من الواضح أن الحكومة تسعى لقمع الحريات وكبت الاصوات المعارضة لنهجها، بحجج واهية ظاهرها خير وباطنها يهدد حرية الرأي والتعبير ويكتم الأنفاس» وبين أن «مرصد ميترو الذي أطلق منذ سنة حملة توعية ضد التضليل والأخبار والمعلومات الكاذبة، وليس عن طريق قرارات وقوانين تعسفية، للحد من حرية الرأي والتعبير».

«هدفه تكميم أفواه منتقدي سوء الإدارة في مؤسسات الدولة»

وعبر عن رفضه «هذا النهج، ويرى أن هذه القرارات واللوائح تشكل خطرا حقيقيا على النظام الديمقراطي ويهدد بشكل جدي حرية الرأي والتعبير، ويطالب الرأي العام وكل المعنيين بالدفاع عن حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير الوقوف ضد هكذا قرارات ولوائح تقييد الحريات العامة والخاصة».
وطالب المرصد الحقوقي في بيانه المنظمات المختصة بحرية الرأي والتعبير والمنظمات المدافعة عن حرية وحقوق الإنسان، بـ«تنظيم حملة جادة للوقوف ضد مثل هذا التجاوز على حقوق الانسان وحريته في التعبير عن آرائه».
وتأسس مرصد «ميترو» للدفاع عن حقوق الصحافيين، في آب/ أغسطس 2009 بجهود مجموعة من الصحافيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وبالتعاون مع معهد صحافة الحرب والسلام (IWPR) الأمريكي، بهدف مراقبة حرية الصحافة والصحافيين والدفاع عنهم وحمايتهم في إقليم كردستان.
وقال إن السلطات العراقية تمارس أساليب «تعسفية» بحق فئة من الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي بحجة أنهم «يقدمون المحتوى الهابط» لكنها لم تحدد معايير ما تقصده بـ «المحتوى الهابط» الذي لم يأتِ ذكره في أي قانون عراقي.
وتابع أن السلطات العراقية أعلنت مؤخرا اعتقال مجموعة من الذين ينشطون على مواقع التواصل الاجتماعي وينشرون «المحتوى الهابط» وفقا لتعريف السلطات، لكنها أفرجت في وقت لاحق عن بعض الذين اعتقلتهم، الأمر الذي يظهر «اضطرابا وتناقضا في الإجراءات المتبعة غير المستندة على مادة قانونية واضحة وصريحة».
وأضاف: «لم تحدد السلطات العراقية معايير (المحتوى الهابط) وهل ينطبق على محللين سياسيين تابعين لقوى سياسية ومسلحة، أو على سياسيين ومقدمي برامج يعملون في وسائل إعلام ممولة من قبل هذه الأطراف ويبثون خطابات كراهية وتحريض».
واعتمدت السلطات العراقية على المواد (401 ـ 403 ـ 404) في قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 الذي شرع في «فترة حكم ديكتاتوري وبعقلية بوليسية، ولا تتناسب مجموعة من مواده مع النظام الديمقراطي الذي أعقب النظام الشمولي الديكتاتوري» حسب البيان الذي أشار إلى أن هذه المواد تتضمن مصطلحات مثل «مخل بالحياء» – «الفاحشة» ـ «الآداب العامة» وهي مصطلحات «فضفاضة وغير واضحة، كما أن مقاطع الفيديو والنشاطات العلنية للمعتقلين لم تدخل في إطار ذلك، وما هو المخل في الحياء أو الفاحشة التي نشروها، ولماذا لم تُعلن السلطات (الجريمة) المحددة لهؤلاء». ورأى إن «تكييف هذه المواد على مواقع التواصل الاجتماعي، تكييف غير منطقي، حيث لا عقوبة ولا جريمة إلا بنص، ولا يوجد أي قانون يعاقب على ما سُمي بـ(المحتوى الهابط) كما أن نشاط هؤلاء لا يحتوي على أركان الجريمة التي يُعاقب عليها مرتكبها».
وقال مصطفى سعدون، مدير المرصد العراقي لحقوق الإنسان، إن «ما يحدث كارثي. فهؤلاء ليسوا بمجرمين، مجرد أشخاص نختلف ونتفق مع ما يقومون به، وإن كانوا يبثون محتوى تافها، فالأولى نشر محتوى هادف بدل الإجراءات التعسفية المتبعة بحقهم. واجب الدولة تقديم الخدمات وحماية المواطنين، وليس فرض نمط أخلاقي معين عليهم. واجب الدولة فرض القانون ومحاسبة من يخالفه».
وأضاف: «هناك خشية من استغلال الحملة لنحو أصحاب الرأي والمدافعين عن حقوق الإنسان، وتكميم أفواه الأشخاص الذين ينتقدون سوء الإدارة في مؤسسات الدولة».
وطبقا لبيان المرصد فإنه «لوحظ أن أكثر من مؤسسة أمنية عراقية نفذت عمليات الاعتقال، وأظهرت البيانات الرسمية والصور، تعامل السلطات مع المعتقلين وكأنهم «إرهابيون» أو مرتكبو أفعال ألحقت أضرارا بالمال العام أو مؤسسات الدولة».
وأعرب نشطاء ومدافعون عن حقوق الإنسان عن مخاوفهم من احتمالية أن تكون هذه الإجراءات بداية لحملات موسعة تستهدف كل الذين يختلفون في الرأي مع السلطات أو موظفي الخدمة العامة أو يعبرون عن آرائهم بطرق سلمية وفقا لما كفله الدستور العراقي في المادة 38 منه.
وأكد المرصد أنه «لا يقف بالضد من تطبيق القوانين، بل يسعى إلى أن يكون القانون هو الفيصل وهو المنظم لحياة المجتمع، لكنه سيقف بالضد من أي محاولة لتقييد الحريات، أو تحميل أشخاص كانوا ضحايا الأزمات التي عاشها العراق طيلة السنوات الماضية مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في البلد».

من أجل معايير واضحة

وأضاف: «ليس من واجب السلطات أن تفرض أخلاقيات معينة على المجتمع، وليس من واجبها أيضا أن تعتمد المزاجيات في تحديد ما هو (هابط) وما هو (سامٍ) دون أن تكون هناك معايير واضحة وصريحة، تسري وتُطبق على الجميع».
وقال حسام الحاج، وهو مقدم برامج وخبير قانوني خلال مقابلة مع «المرصد» إن «أصل مبدأ الشرعية الجزائية هو أن لا عقوبة ولا جريمة إلا بنص، ومن هذا المنطلق أقول إنه لا يوجد شيء في منظومة التشريعات القانونية يعاقب على ما سمّوه اصطلاحا (المحتوى الهابط)».
وأضاف أن «المواد (401 ـ 402 ـ 403) من قانون العقوبات تتحدث عن أفعال أو أقوال تحتوي على الفُحش، عبر وسائل العلانية، والفحش هو الفعل الذي يسيء بشدة إلى الأخلاق الإنسانية. الخشية واقعا هي أن تتمدد حملة مكافحة المحتوى الهابط لتصل إلى تقييد الحريات والأفكار، وبالتالي فرض نسق محدد من الأفكار».
وأشار البيان إلى أن «الاعتماد على مصطلحات فضفاضة وعامة، يعطي مطاطية كبيرة في معاقبة أشخاص وإفلات آخرين من العقاب، وهذا بحد ذاته يعد تطورا خطيرا في بلد يفترض أنه يتمتع بنظام سياسي ديموقراطي يكفل دستوره في المادة 38 حرية الرأي والتعبير عنه بكافة الطرق السلمية». وحث المرصد، مجلس القضاء الأعلى، وسلطات إنفاذ القانون، على «الانتباه لما هو جريمة ومخالف للقانون، وما هو حرية شخصية لا تلحق أي ضرر بالآخرين» داعيا في الوقت عينه الأطراف ذاتها إلى «التفريق بين انتقاد مؤسسات الدولة وهو حق مكفول، وبين إلحاق الضرر بها والاعتداء عليها».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية