بغداد ـ «القدس العربي»: توثق شهادات صوتية ومكتوبة حصل عليها مرصد “أفاد” الحقوقي في العراق، حالات جوع شديد بين نزلاء سجن التاجي شمالي العاصمة العراقية بغداد، دفعت بعدد من حراس السجن، إلى ممارسة التجارة مع النزلاء ببيعهم قناني المياه النظيفة وبعض المعلبات والمواد الجافة لقاء مبالغ يصل بعضها 8 أضعاف سعرها الحقيقي في الأسواق المحلية، حسب المرصد.
ووفقا لثلاث شهادات لأهالي المعتقلين جرى مقاطعتها مع أحد حراس السجن الذي تحدث عبر الهاتف حول أوضاع السجن الذي يشهد هو الآخر ارتفاعا في معدلات الوفيات أسوة بسجن (الحوت) سيئ الصيت جنوبي البلاد، فإن تلاعبا كبيرا في مُقدرات طعام السجناء، أدت إلى تراجع كمية ما يقدم بوجبات الطعام ونوعيته أيضا، وهو على خلاف ما تدعيه السلطات العراقية في هذا الإطار.
وذكر تقرير للمرصد الحقوقي المعنّي بـ”توثيق الانتهاكات الإنسانية والمخالفات القانونية”، إن أوضاع السجناء الإنسانية في سجن التاجي تفاقمت “خلال الأسابيع الأخيرة”، وفقا لوالد أحد النزلاء الذي أكد دفعه مبلغا ماديا لشقيق أحد المسؤولين الإداريين في السجن والذي يعمل كوسيط لإيصال المبالغ ويقطن في منطقة الشعب شرقي العاصمة، لقاء السماح بإيصال بعض الحاجيات الإنسانية الضرورية لنجله.
وقال الشاهد إن أوضاع السجن مفجعة والنزلاء يتضورون جوعا، لافتا إلى أن نجله أبلغه بأن حالات الوفاة التي تحصل في السجن صارت تشمل حتى الشبان والأمراض وسوء التغذية تفتك بالنزلاء. كذلك، قالت سيدة عراقية توفي نجلها هذا الأسبوع في سجن التاجي، إن آخر مقابلة له معها أبلغها من خلف الحاجز السلكي (السيم) بالقول: “يمه جوعان”.
ودوّن المرصد إفادة السيدة ولأسباب تتعلق بأمنها الشخصي تم حجب اسمها، أكدت أن ابنها لم يكن يعاني من أي مرض قبل الاعتقال الذي تم على الشبهة خلال حملة اعتقالات نفذتها قوات حكومية بدون أوامر قبض قضائية، وتم نقله من سجن المطار إلى سجن التاجي قبل نحو سنة ونصف وعندما كان في سجن المطار لم يكن يعاني من أي مرض وكان على اتصال مع أهله.
وخلال مقابلتين مع والدته في سجن التاجي أخبرها من خلف سياج (سيم) انه يعاني من الجوع، مؤكدا أن حراس السجون يبيعون التفاحة الواحدة بمبلغ ألفي دينار (نحو دولار ونصف الدولار) والصمونة (قطعة خبز) الواحدة بـ 500 دينار (نحو 40 سنتاً)، وكذلك قنينة المياه الصغيرة بمبلغ ألفي دينار، إذ لا مياه نظيفة في السجن.
وتؤكد أن، خلال تواجده في السجن تم تشخيص إصابته بسرطان الدم وجرى نقله إلى مستشفى الكرخ في العطيفية/ الجناح العسكري، وجرى نقل دم له، وقبل ثلاثة أسابيع، أكد لوالدته، أن حالته الصحية أفضل من الزيارة الأولى، لكنه أكد أيضا أنه يعاني من الجوع. وأخبر الضحية والدته أن 8 من زملائه في السجن توفوا بسبب مرض اللوكيميا والتدرن، وأضاف لها أن “التدرن انتشر بين سجناء سجن التاجي”.
في العشرين من أغسطس/ آب الحالي تم الاتصال بوالدة الضحية من إدارة السجن يبلغونها بوفاة ابنها، وأن عليها القدوم لاستلام الجثة، وتم منحها ورقة مكتوبا فيها عبارة (سبب الوفاة تحت الفحص) وأخبرها مستشفى مدينة الطب أن نتائج تشريح الجثة بعد 3 أشهر، علماً أنه بقي على محكوميته 9 أشهر فقط للإفراج عنه.
وأقر أحد حراس السجن، الذي طلب عدم ذكر اسمه، في إفادته مع مرصد “أفاد”، أن أوضاع السجن (غير آدمية) على حد تعبيره، مبينا أن عمليات بيع التفاح والموز وحبات الطماطم والبصل وقناني المياه والصمون من قبل الحراس مستمرة منذ سنوات وبعلم إدارة السجن، وهو أحد الأسباب التي فاقمت الأوضاع بالسجون، إذ أن عدم تقديم الطعام للسجناء يضطرهم للشراء ومن لا يملك المال يأخذ بالدين ويبلغ الحراس أن أهله سيسددون المبلغ وبالفعل يقوم الحراس بالاتصال بالأهل لفعل ذلك، وعادة ما تكون الأسعار كبيرة جدا، مبينا أن “التلاعب لا يشمل كميات الطعام، بل بنوعيته أيضا، وهناك تلاعب في الأدوية إذ يتم صرف وصفات وهمية واستلام الأدوية لصالح العاملين في السجون”.
وكشف المصدر عن وفاة 7 سجناء منذ مطلع الشهر الجاري في السجن جميعهم بالعقدين الثالث والرابع، ووثقت الأسباب بالتدرن واللوكيميا وفشل كلوي وجلطة دماغية، متحدثا عن أن “أوزان السجناء وفقا للمعايير العالمية غير طبيعية، إذ أن بعضهم لا يزيد وزنه عن 40 كيلوغراما بسبب الجوع وسوء الأوضاع داخل السجن”.
ودعا المرصد الحكومة العراقية والمنظمات الحقوقية، إلى “فتح تحقيق عاجل في أوضاع سجن التاجي ومن قبله سجن الحوت، إذ أن استمرار الإعلانات شبه اليومية عن الوفيات بين النزلاء داخل السجون دون أي تحرك حكومي أو حقوقي وبرلماني يجعلها متورطة في التستر على ما يحدث من كوارث إنسانية في سجون العراق”.