مرضى الكلى أول من يدفع الثمن «المعلبات» سمومٌ قاتلةٌ في أجساد النازحين الغزيين

بهاء طباسي
حجم الخط
0

غزة ـ «القدس العربي»: داخل قسم الغسيل الكلوي في مستشفى شهداء الأقصى، جلست صباح أبو الخير، 60 عامًا، أمام جهاز غسيل الكُلى، وعلى وجهها علامات التعب إثر تناول المعلبات فقط والأطعمة غير الصحية، تخضع لجلسة غسيل كُلى، بعدما أجبرها جيش الاحتلال على النزوح من محيط مستشفى الشفاء الطبي غربي مدينة غزة إلى مدينة دير البلح وسط القطاع المحاصر.

الستينية تشكو تخفيض عدد جلسات الغسيل الكلوي من ثلاث جلسات أسبوعيًا مدة الواحدة 4 ساعات، كانت تخضع لها في مجمع الشفاء الطبي، إلى جلستين فقط مدتهما 8 ساعات أسبوعيًا في مستشفى شهداء الأقصى، رغم حاجة كليتيها إلى الغسل لمدد كافية في كل أسبوع، منعًا لتراكم السموم في جسدها.

المرضى في خطر

صباح ترجع تراكم السموم في جسدها وغيرها من مرضى الفشل الكلوي إلى عدم توافر الغذاء الصحي، بسبب ظروف الحرب الإسرائيلية المتواصلة على قطاع غزة منذ شهر أكتوبر الماضي.
وتقول لـ»القدس العربي» وهي تشير إلى قدمها المنتفخة من أثر السموم: «لا توجد سوى المعلبات والبقوليات، وكلها أشياء ضارة صحيًا، وتتسبب في تراكم السموم داخل أجسادنا الضعيفة».
وتضيف «نصحني أطباء الكلى أن لا أتناول المعلبات بسبب تأثيرها المباشر على صحة كليتي، وكما ترى لا يوجد أكل إلا المعلبات وإن وجدت».
تنفق صباح 40 شيكلا على المواصلات ذهابًا وإيابًا إلى مستشفى شهداء الأقصى يوميًا، للخضوع لجلسات الغسيل الكلوي، ناهيك عن التعب والمشقة الكبيرين اللذين يتكبدهما جسدها الواهن.
وتكمل: «نأتي إلى المستشفى في عياء وتعب ونعود إلى البيت بنفس الحالة السيئة، بسبب ندرة المواصلات والوقوف لساعات طويلة نبحث عن سيارة تقلنا للمستشفى، وتدهور حالتنا الصحية من جهة ثانية».

ارتفاع حالات الغسيل الكلوي

سعيد الخطاب، رئيس قسم الكُلى الصناعية في مستشفى شهداء الأقصى، يشير إلى ارتفاع عدد حالات الغسيل الكلوي داخل المستشفى من 140 إلى 500 حالة فشل كلوي، بسبب النزوح واقتصار الطعام على المعلبات غير المناسبة لمرضى الفشل الكلوي، بالإضافة إلى المياه الملوثة في مراكز الإيواء.
ويؤكد استشاري أمراض الكُلى خلال حديثه لـ»القدس العربي» وفاة الكثير من مرضى الفشل الكلوي، نتيجة عدم توافر المياه النظيفة إثر الضغط على محطة التحلية داخل المستشفيات، وعدم توافر الوقود اللازم لتشغيل الكثير منها.
وأشار إلى أن نقص المياه النظيفة وطعام المعلبات تسبب في حضور الكثيرين من مرضى الفشل الكلوي إلى المستشفى ليلًا، للخضوع لجلسات غسيل إضافية.
ولا يختلف الوضع كثيرًا في مجمع الشفاء الطبي الذي تراجعت الخدمات الطبية المقدمة داخله، بسبب حصار جيش الاحتلال للمجمع الواقع غربي مدينة غزة، فهناك أيضًا تقلصت حصص الغسيل الكلوي إلى حصتين فقط أسبوعيًا بدلًا من 3 حصص أسبوعيًا.

السنة هي الأصعب

في قسم غسيل الكلى بمجمع الشفاء الطبي، يقف الفلسطيني حسن قاسم، ينتظر دوره على جهاز غسيل الكلى للمرة الثانية في الأسبوع، فيما وتبدو علامات التعب الشديد على الرجل المسن، الذي يعاني من فشل كلوي يستلزم إجراء ثلاث عمليات غسيل أسبوعيًا خشية تدهور حالته الصحية.
قاسم يواجه صعوبة في الحديث، بسبب المرض وسوء التغذية والإرهاق الشديد جراء السير لمسافة طويلة من أجل الوصول إلى المستشفى في ظل صعوبة الحركة والتنقل في مدينة غزة، مع استمرار الحصار والحرب الإسرائيلية المدمرة.
ويقول الستيني بعينين متعبتين لـ»القدس العربي» خلال حديثه: «كنا نغسل الكُلى ثلاث مرات في الأسبوع، أما اليوم أصبحنا نغسل مرتين فقط. لم نعد قادرين على التحمل ومقاومة المرض. نواجه يوميًا مشاكل في الوصول إلى المستشفى وفي توفير الكهرباء والمياه العذبة».
يشكو قاسم أيضًا من تدهور حالته الصحية، بسبب تناول طعام المعلبات «بعض الأطعمة تساعد على زيادة السموم في الجسم، لكن الظروف الصعبة تحول دون قدرتنا كمرضى فشل كلوي في قطاع غزة على تناول الأغذية السليمة».
معاناة قاسم ليست مختلفة كثيرًا عن امتثال الريس، التي كانت تجلس على كرسي غسيل الكلى ووجهها شاحب اللون، بينما تقول: «أغسل الكلى منذ ثلاث سنوات، لكن هذه السنة هي الأصعب، بسبب الحرب وصعوبة الطريق ومعاناتنا في الوصول إلى مجمع الشفاء».
المواطنة الفلسطينية الخمسينية تشير خلال حديثها لـ»القدس العربي» إلى التحديات التي تواجههم من قلة مستوى النظافة وشح المياه العذبة وأزمة انقطاع الكهرباء في المجمع والحصار المفروض على مدينة غزة، بالإضافة إلى الوضع الأمني الصعب.

لا كهرباء أو مياه عذبة

الطبيب غازي اليازجي، رئيس قسم أمراض الكُلى في مجمع الشفاء يؤكد تقلص عمليات غسيل الكلى داخل المجمع لمرتين بدلًا من ثلاث مرات، بسبب عدم توفر المياه النظيفة والوقود اللازم لتشغيل مولدات الكهرباء الاحتياطية.
اليازجي يوضح أن عدد مرضى الفشل الكلوي الموجودين في مجمع الشفاء الطبي حاليًا 40 مريضًا يعالجون بمعدل جلستين في الأسبوع بواقع 4 ساعات للجلسة.
وأشار لـ»القدس العربي» أن المجمع كان يعالج 450 مريض فشل كلوي من أصل 1100 مريض موزعين على 7 مراكز في قطاع غزة قبل الحرب.
كما يشير إلى معاناة قسم أمراض الكلى في مجمع الشفاء من نقص المستلزمات الطبية، بالإضافة إلى الأعطال المتكررة للأجهزة نتيجة عدم قدرة المجمع على تشغيل المولدات الاحتياطية الكهربائية، فضلًا عن نقص المياه العذبة الازم لعملية الغسيل الكلوي.

مناشدة للعالم الحُر

طعام المعلبات والبقوليات وغياب الأطعمة الصحية أهم أسباب تدهور الوضع الصحي لمرضى الفشل الكلوي في قطاع غزة، وفقًا لتأكيدات رئيس قسم أمراض الكُلى في مجمع الشفاء، الذي يوضح أن غالبية سكان غزة يعتمدون على المعلبات والبقوليات التي تؤدي بدورها إلى ارتفاع مشكلة وظائف الكلى وتراكم السموم، ما ينعكس على صحة المريض.
ويناشد الطبيب الفلسطيني كل أحرار العالم بالوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني وقفة حقيقية، بهدف الضغط على الاحتلال الإسرائيلي لإيقاف الحرب، ومساندةً المرضى في قطاع غزة خاصة مرضى الفشل الكلوي.
وتقول خبيرة التغذية العلاجية الفلسطينية، ميرفت حماد: «يعيش المواطنون في قطاع غزة على المعلبات في طعامهم اليومي منذ ستة أشهر وحتى الآن، وهي أطعمة محفوظة تأتي من المساعدات، بعضها سيئ التصنيع زهيد الثمن».
وتؤكد لـ»القدس العربي» خلال حديثها : «أغلب تلك المعلبات قارب تاريخ صلاحيتها على الانتهاء إلا أنها أصبحت وسيلة الإفطار والسحور الوحيدة للنازحين خلال شهر رمضان، وهذا بالتأكيد له ضرر بالغ على صحتهم».
المعلبات خصصت لتناولها يوما أو يومين في ظروف طارئة واضطرارية، أما أن يعيش عليها شعب كامل لشهور متواصلة فإن هذا يعني الحكم عليهم بالإعدام الجماعي، حسب أخصائي جراحة الكُلى والمسالك البولية شوقي الهسي، الذي حذر من انتشار الأمراض المزمنة والقاتلة بين سكان قطاع غزة، بسبب تناولهم للأطعمة المحفوظة باستمرار.

المعلبات سُم قاتل

الهسي أشار لـ»القدس العربي» إلى أن متناولي أطعمة المعلبات باستمرار أكثر عرضة للإصابة بارتفاع ضغط الدم والسكتة الدماغية أو النوبة القلبية، بسبب احتواء المعلبات على نسبة عالية من الملح اللازم لحفظ الطعام. وأكد وجود نسبة عالية من السكر في المعلبات، ما قد يؤدي إلى ارتفاع مستوى سكر الدم والإصابة بمرض السكري وتفاقم أمراض الكُلى.
أخصائي جراحة الكُلى الفلسطيني حذر من الإصابة بالتسمم الغذائي بعد تناول المعلبات، نتيجة احتواء المعلبات على المطثية الوشيقية التي تسبب الشلل وتهدد الحياة، حسب تشخيصه.
والمطثية الوشيقية هي جرثومة تولد سمومًا خطرة «سموم الوشيقية» في ظروف يقل فيها الأكسيجين. وسموم الوشيقية هي إحدى أكثر المواد المعروفة فتكًا، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، إذ تعرقل الوظائف العصبية ويمكن أن تسبب شللًا تنفسيًا وعضليًا ومن ثم الوفاة.
وحسب منظمة الصحة العالمية فإن التسمم الوشيقي المنقول بالأغذية والناجم عن استهلاك أغذية لا تجهَّز على النحو الواجب هو مرض نادر، غير أنه يحتمل أن يكون مميتًا إن لم يشخَّص بسرعة ويعالج عن طريق مضاد للسموم.
وتمثل المواد الغذائية المعلبة أو المحفوظة أو المخمرة المصنوعة منزليًا مصدرًا شائعًا من مصادر التسمم الوشيقي المنقول بالأغذية ويتطلب تحضيرها توخي المزيد من الحذر، تبعًا لتأكيدات «WHO».
الطبيب شوقي الهسي أوضح أن المعلبات تحتوي على مركب فوسفات الصوديوم، ما قد يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، واضطرابات العظام، ومشكلات الكُلى، والاضطرابات الهرمونية وتلف الأنسجة.
وأضاف أن المعلبات بشكل عام تعمل على تفاقم خطر الإصابة بمرض السكري النوع الثاني، كونها تتضمن مادة BPA الكيميائية. ومنذ 7 أكتوبر 2023 تشن إسرائيل حرب إبادة على قطاع غزة خلفت عشرات الآلاف من الضحايا المدنيين معظمهم أطفال ونساء، بالإضافة إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة ودمار هائل بالبنية التحتية، الأمر الذي أدى إلى مثول حكومة الاحتلال أمام محكمة العدل الدولية بتهمة «الإبادة الجماعية».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية