مرض جنون رعاة البقر (وبعض أبقارهم)
د. عبدالوهاب الافنديمرض جنون رعاة البقر (وبعض أبقارهم)(1)لنتخيل للحظة أن بعض ضحايا مجرمي الحرب الأمريكيين ممن ثبت ضلوعهم بالحجج المبينة في جرائم موثقة ضد الإنسانية في فيتنام أو شيلي أو غواتيمالا أو العراق أو… أو… إلخ، قاموا بالتوجه إلي منزل المجرم المعني وقصفوه بالصواريخ انتقاماً. أو لنتخيل أن بعض من نهبت بعض الجهات الأمريكية أموالهم أو دمرت بيوتهم توجهوا إلي أقرب بنك أمريكي ونهبوا أرصدته بحد السلاح بحجة أنهم يتقاضون تعويضاً، أو يعاقبون المجرم أو يمنعونه من ارتكاب جرائم جديدة. هل ستكتفي بقية دول العالم بالإعراب عن قلقها من مثل هذه التصرفات التي لا تساعد علي تحقيق الاستقرار في العالم؟ أم أن الكل سيدعو نزالا ويعلن الحرب علي الإرهاب والفساد في الأرض؟(2)ولكن هذا تحديداً ما فعلته السلطات الأمريكية خلال الأيام القليلة الماضية، حيث قامت في يوم واحد خلال هذا الأسبوع بقصف قري آمنة مسالمة في الصومال، وحولت أحد شوارع بغداد إلي ساحة حرب مفتوحة تقصف فيها الصواريخ والقنابل منازل المواطنين. وفي نفس اليوم قامت الإدارة بتجميد أرصدة مصرف إيراني بحجة أنه يمول التسلح الإيراني (كأن تنفيذ برامج التسلح إثم تعاقب عليه الدول مع أن حق الدفاع عن النفس حق سيادي تكفله المواثيق الدولية لكل الدول مهما كان حجمها).(3)لا تتعلق المسألة هنا بما لو كان الضحايا مذنبين بما تتهمهم به الجهات الأمريكية (وهي تهم ترددها وسائل الإعلام حتي العربية ببغاوية مدهشة). فحتي لو افترضنا صحة هذه الاتهامات فإن الإجراء الحضاري السليم هو اعتقال المتهم وتقديمه لمحاكمة عادلة. ولكن الذي يحدث في غالب العمليات الأمريكية هو أن المعلومات التي علي أساسها استهدف الضحايا كانت خاطئة، وأن معظم من سقطوا لا علاقة لهم بالأمر. وحتي في حالات المعتقلين في غوانتنامو الذين وصفهم وزير الدفاع الأسبق بأنهم حثالة أهل الأرض وأنهم مجرمون خطرون، فإن العشرات منهم أطلق سراحهم بدون توجيه تهمة، كما أن معظم الباقين لم توجه لهم تهمة بعد.(4)حتي لو افترضنا جدلاً مقبولية مثل هذه التصرفات في أحوال استثنائية فإن الهمجية أصبحت هي القاعدة لا الاستثناء، حيث أن القوات الأمريكية وقوات الدول الحليفة أصبحت تري أن من حقها التصرف بطريقة رجال الكاوبوي وعصابات المافيا في أي مكان تشاء، وتمارس اصطياد البشر مثل الوحوش في مواقع تتراوح بين الفلبين وباكستان وأفغانستان واليمن والصومال والعراق والشيشان وغيرها. (5)وهناك بالطبع أس البلاء وأصل الداء، إسرائيل التي ابتدعت هذه البدعة السيئة وتولت كبرها. وهي لا تمل من تذكيرنا بذلك، كما حدث في شتاء من عام 2004 حين تزامن الهجوم علي الفلوجة مع هجوم مماثل علي غزة يتبع نفس المنهج، ويستخدم الجنود فيه نفس الآليات بل تكاد هيئتهم وأزياؤهم تتشابه بحيث يصعب علي المتابع للتغطية الإعلامية لهذه العمليات أن يفرق بينما يجري في الفلوجة وما يجري في غزة.(6)لمزيد من التأكيد علي التشابه والتكامل بين منهج القتل العشوائي وأسلوب النهب المسلح، فقد نقلت لنا الأجهزة الإعلامية خلال اليومين الماضيين مشاهد تقوم فيها عصابات النهب المسلح المسماة بالمستوطنين في الخليل بالتهجم اليومي والمنهجي علي أسرة فلسطينية لا ذنب لها سوي أنها لم تستسلم لرغبة هذه العصابات في طردها من منزلها. وفي مشهد آخر مقابل تستعد عصابات النهب المسلح التي تسمي نفسها دولة لهدم منازل ستة مواطنين عرب بنيت علي أرض آبائهم وأجدادهم، في حين لا تمس تلك الدولة المهاجرين الروس وغيرهم الذين يقومون ببناء مستوطنات علي أرض ليست لهم في مخالفة حتي لقوانين الدولة المجازية.(7)ليس مستغرباً أن يتسع نطاق الإرهاب وتتعدد أشكاله ويكثر المقبلون علي صفوفه، بل المستغرب هو الصبر المحمود لكثير من ضحايا هذه الأعمال الهمجية من التقتيل والنهب والاضطهاد دون اللجوء إلي الإرهاب.(8)للتذكير فإن حجة أمريكا (وإسرائيل) الأبرز ضد الإرهاب والإرهابيين هي عدم التزامهم بالقواعد المتفق عليها في القتال، وأبرزها البعد عن استهداف غيرالمحاربين. أمريكا وإسرائيل هما أول من يعترف بأنهما ارتكبتا المظالم في حق ضحاياهما، ولكنهم يصرون أن علي هؤلاء الضحايا المطالبة بحقوقهم بالتي هي أحسن، والصبر علي الحوار و العملية السلمية حتي ينالوا حقهم. ولكن يبدو أن الجنون الذي أصاب إدارة بوش بعد طامة الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) لم يجعلها فقط ممن يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، بل إنه سيجلب عليها كوارث أخري تبعاً للمثل الإغريقي الذي يقول إن من تريد الآلهة تدميره فإنها تبدأ بأن تصيبه بالجنون.(9)الجنون لم يقتصر فقط علي بوش وبطانته بل تعداه إلي حلفائهم، مثل أولئك القادة الصوماليين الذين يطالبون أمريكا بمزيد من القصف علي إخوانهم في الوطن حقداً وإعلاناً للعجز وافتقاد الإنسانية ناهيك عن الوطنية، أو أولئك القادة العراقيين الذين يحجون إلي واشنطن يستمطرون صواريخها ورصاصها علي أهلهم وجيرانهم. وكفي دلالة علي جنون الأمريكيين أنهم اختاروا مثل هؤلاء الحلفاء .9