مرفأ بيروت .. وضع كارثي وتاريخ ينبض بالحياة

عبد معروف
حجم الخط
0

بيروت – “القدس العربي”: لم يشهد مرفأ بيروت البحري كارثة تدميرية ، منذ بدأ العمل به في العهد الفينيقي ، كما هو الحال اليوم ، بعد الانفجار الذي ضرب المرفأ في الرابع من آب أغسطس 2020 .
فالدمار الشامل للمرفأ والعنابر والأرصفة التي دمرت في حرمه ، شكلت كارثة في تاريخ لبنان المعاصر بسبب حجم الضحايا والتدمير ، كما أثرت بحركة المرفأ إلى حد كبير ، ومستقبل نشاطه الاقتصادي.
“القدس العربي” دخلت حرم مرفأ بيروت المدمر ، فلم تجد مكاتب ولا إدارات ولا مدراء ولا موظفين ، يمكن الاستعانة بهم والحديث معهم حول ما كان عليه المرفأ ، والنتائج الكارثية التي تعرض لها بعد الانفجار ، لكن الوثائق والتقارير والأرقام التي اطلعت عليها في وزارتي الأشغال والمالية ، وفي غرفة التجارة والصناعة ، تؤكد أن مرفأ بيروت البحري. يعتبر واحدا من أبرز المرافئ وأهم محطة للتجارة الدولية على شاطئ البحر المتوسط ، نظرا لأهميته الاستراتيجية كمركز التقاء للقارات الثلاث: أوروبا، آسيا، وأفريقيا، وهذا ما جعل منه ممرًا لعبور السفن التجارية واستيراد المواد الأساسية من دول العالم وتصديرها عبر الداخل اللبناني إلى دول الشرق الأوسط.
يضم ميناء بيروت البحري أربعة أحواض يصل عمقها إلى 24 مترًا، ، بالإضافة إلى 16 رصيفًا ومنطقة شحن عامة مكونة من 12 مستودعًا، وصوامع لتخزين القمح والحبوب، تعد بمثابة الخزان الاحتياطي الستراتيجي للقمح للبلاد ، وتشكل قاعدة بيروت البحرية التابعة للجيش اللبناني جزءًا من الميناء.
بدأ العمل في مرفأ بيروت في العهد الفينيقي، واتخذ الإفرنج من المرفأ ، مقراً لسفنهم وجيوشهم. ولما خضعت بيروت للحكم الإسلامي، كان ميناؤها مركزاً لصناعة السفن لا سيما في عهد معاوية بن أبي سفيان.
أشارت الدراسات التاريخيّة والأبحاث التجارية إلى أن مرفأ بيروت كان منذ القدم من أصلح الموانئ لرسو السفن. وكانت السفن ترسو قديماً في داخله، فيضع أهل بيروت العاملون في المرفأ (الصقالات) وهي ألواح عريضة من الخشب، ليستعملها المسافرون جسراً للنزول إلى البر، وإنزال البضائع على الرصيف.
وكانت منازل الأجانب، وبعض قناصل الدول الأجنبيّة، تقع في الجهة الجنوبيّة من ميناء بيروت، كما تركزت الكثير من الخانات (الفنادق) إزاء المرفأ وبجانبه، وذلك لتسهيل إقامة التجار والوافدين من الخارج، كما تشير التقارير إلى أن مرفأ بيروت لا سيما في القرن التاسع عشر، كان بمثابة خلية نحل حيث التقى التجار من لبنان بتجار الأوروبي و بالتجار من مصر والمغرب وتونس والجزائر .
وكانت حركة التجارة في ميناء بيروت حركة نشطة، حيث كان الجبل اللبناني يزوّد تجار بيروت بـ 1800 قنطار من الحرير، ويتم تصديرها عبر مرفأ بيروت بواسطة مراكب أوروبيّة ومحليّة، يُصدّر معظمها إلى الدول العربية.
تعامل مرفأ بيروت مع 300 مرفأ عالمي وقدر عدد السفن التي كانت ترسو فيه قبل الانفجار في 4 آب أغسطس ، بـ 3100 سفينة سنوياً. ومن خلاله تتم معظم عمليات الاستيراد والتصدير اللبنانية وتمثل البضائع التي تدخل إليه 70% من حجم البضائع التي تدخل لبنان. كما يحتل المركز الأول في المداخيل المركبة 75% إضافة إلى دوره كمركز أساسي لتجارة إعادة التصدير وتجارة المرور (الترانزيت).
ويعتبر هذا المرفأ ركيزة أساسية للاقتصاد اللبناني، إذ أنّه يلعب دورا أساسيا في عملية الاستيراد والتصدير وبالتالي تحريك العجلة الاقتصادية اللبنانية.
ويؤكد الاستاذ الجامعي الدكتور عمر سعد الدين لـ”القدس العربي” أن توقف مرفأ بيروت الدولي بعد الانفجار ، سيؤدي إلى خسارة مليارات الدولارات كانت تشكل دعما رئيسيا للاقتصاد اللبناني ، ويشير إلى أن خسارة هذه المليارات موزعة على قسمين ، الأول نتيجة توقف المرفأ عن العمل والقسم الثاني كلفة الأضرار والدمار التي أصابت المرفأ.
وأعرب الدكتور سعد الدين عن أسفه الشديد بسبب حجم الدمار والخسائر التي ضربت مرفأ بيروت ، وأدت إلى توقف حركة الاستيراد والتصدير لفترة، عدا عن الخسائر التي لا يمكن تقدير حجمها بالوقت الحالي ولكن بالتأكيد ستكون ضخمة وقدر الخسائر بأكثر من 5 مليارات دولار أمريكي ، والخسارة ستشمل أيضا حركة الرسو للسفن، كما سيتأثر القطاع الجمركي وكل يوم سنخسر رسوما جمركية ، وبالإضافة الى الاهراءات، فقد شمل الدمار المنطقة الحرّة في المرفأ والتي تبلغ مساحتها 81000 متر مربع.
مرفأ بيروت الذي كان يسعى الى رفع قدرته الاستيعابية البالغة حالياً مليون و400 الف حاوية سنوياً، بات يطمح لإعادة إعمار وترميم أحواضه الأربعة البالغة مساحتها نحو 660000 م ، وأرصفته الـ 16 التي تنتشر عليها المستودعات المسقوفة والمكشوفة والتي دُمّرت بالكامل بما فيها البضائع والاهراءات ومحطة الحاويات.
أما بالنسبة لحجم الاضرار وكلفة إعادة إعمار مرفأ بيروت، هناك إجماع على انّه لا يمكن تقديرها بشكل دقيق بعد، لكنها لا تقل عن 5 مليارات دولار ، بانتظار أن تصدر عن المهندسين والخبراء التقارير والتقديرات النهائية. إلّا انّ تقرير وزارة الأشغال العامة والنقل بعد الانفجار اكّد انّ الأضرار في مرفأ بيروت جسيمة، وهناك صعوبة في إعادة تشغيل المرفأ القديم في وقت قريب، مما سينعكس على معيشة اللبنانيين. كما أعلن محافظ بيروت مروان عبود انّ انفجار مرفأ بيروت طال نحو نصف مساحة بيروت، متسبباً بأضرار تتراوح كلفتها بين 3 و5 مليارات دولار.
في المقابل، أكّد الخبير الاقتصادي الدكتور نديم حسون ، في اتصال هاتفي مع “القدس العربي” أنّ كلفة إعادة إعمار المباني والمنشآت داخل حرم مرفأ بيروت فقط مقدّرة بحوالى 500 مليون دولار، لافتا إلى انّ المرفأ هو عبارة عن أرصفة وبحر، وفي حين أنّ الارصفة لم تتضرّر، فإنّ الاهراءات ومحطة الحاويات والمكاتب والشاحنات وغيرها قد دُمّرت بالكامل ، لافتاً الى انّ الخسائر الناتجة من فقدان البضائع كانت لتبلغ 4 مليارات دولار لو حصل هذا الانفجار في العام الماضي ، ولا يمكن بعد إحصاء الأضرار وتقدير حجم الخسائر التي نتجت عن الانفجار المأساوي في مرفأ بيروت ، لأنّ المرفأ اليوم عبارة عن منطقة عسكرية مقفلة ختم الدكتور حسون .
لم يستطع لبنان حتى الآن ، تحديد حجم الخسائر التي نتجت عن انفجار مرفأ بيروت يوم 4 آب أغسطس ، ولم يحدد بعد كيف يمكن له إعادة إعمار المنشآت والمباني التي دمرت بالكامل ، وكيف يمكن أن يعيد حركة الحياة إلى المرفأ الذي شكل شريانا حيويا لاقتصاد لبنان والدول المجاورة والعالم ، لكن لبنان أصبح يعلم حجم الكارثة التي تعرض لها بسبب الانفجار ، ويعلم أيضا أنه لن يستطيع بوضعه الاقتصادي المهترئ ، في ظل انهيار عملتة الوطنية ، والفوضى السياسية والأمنية وحالة القلق التي تسيطر على اللبنانيين أن يعيد الحياة للمرفأ.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية