الكتابة محاولة افتراضية للرهان على الخلود، ولإعادة النظر بمركزية التاريخ، مقابل ما تقترحه سردية التأليف، وهذه الثنائية تظل أفقا مفتوحا للسجال والجدل والاختلاف، لأنها تتعلق بثنائيات السلطة والمعارضة، والمفضوح والمسكوت، فضلا عن تعالقها مع نسق التدوين، الذي تمارسه السلطة لحماية وجودها ونصها، وما تمارسه المعارضة للدفاع عن وجودها المقموع، عبر صيانة الأثر بوصفه وجودا، أو عبر وعي مخاتل يعمد إلى توثيق ذلك الوجود، وإلى افتراض خيار استيهامي للتعبير عن وجودها في سياق خطابي وتداولي، يقوم على فرضية الخلود، والتعاطي معه بوصفه نصا لمجاهرة بالقوة، وبمواجهة المحو والموت، أو ربما بوصفه احتيالا سرديا لبيان مظاهر القوة التي تصنعها السلطة، عبر مؤسساتها الحاكمة، أو عبر متخيلها العميق الذي يصنعه الفقهاء والوعاظ و»مثقفو السلطة» عبر توريات وأقنعة وسير ومغاز وأساطير وملاحم واستعارات ومجازات، لأن الكتابة تعني – هنا- الوجود بوصفه نصا، وعلامة، وأثرا، وهو ما يجعلها تملك جهازا تمثيليا فائق الخطورة من الإشارات والشيفرات، ومن الصيغ والتشكلات ذات الفاعلية البنائية والمورفولوجية، بما يجعلها أكثر الوسائط الإنسانية تأثيرا في صناعة الوعي، وفي بيان متلازمة الحكم، وفي توصيف الأنساق الحاكمة.
قد تكون الرواية بوصفها سياقا كتابيا أكثر أشكال الكتابة تمثيلا لذلك الرهان، لأنها مجال مفتوح للسرد والحكي والتخيّل، وللتعبير عن المعاني والأفكار، حيث تحتكر اللغة – أداة الكتابة الرئيسية – لعبة التفكير، من خلال ما تفرضه من آليات وأنماط وموّجهات، مثلما تحتكر الكاميرا – أداة السينما الرئيسية – لعبة التمثيل البصري، عبر استعارات وصور وإيحاءات وعلامات وتقانات تجعل من سرديات السينما تملك طاقة موازية في التأليف وفي تغذية خطاب المادة الحكائية، التي يعالجها هذا الفيلم أو ذاك.
خطورة هذه السرديات تكمن في علاقتها التأويلية مع التاريخ، ومع السلطة، فنحن مسكونون بلاوعي سردياتٍ موروثة، ليست بعيدة عن السلطة، على مستوى التداول والاستعمال، وحتى على مستوى التصديق بما تقترحه مدوناتها من مرويات وأسفار وسيرٍ ومغازٍ، ومن حكايات وأساطير لفرقٍ وجماعات لها نصوصها ورواتها ومروياتها المكتوبة، حتى بات البعض يجد نفسه أمام الفكرة، التي قالها مرة جيمس جويس: «إن التاريخ كابوسٌ يجب أن أصحو منه».
الكتابة تنزع في هذا السياق إلى مواجهة مركزية التاريخ، عبر صناعة افتراضية للوثائق التي قد تكون ضدية، أو معادية، من خلال حيازة القوة التي تسوّغ سردية التأليف التي يتحصّن فيها الراوي، والتي تملك قابلية التحوّل إلى خطابٍ له غاية التأثير على الآخر القارئ أو المروي له، أو الآخر المريد، أو المتحزّب، أو الباحث عن إشباعات روحية، أو علامات للدلالة، وهي ما تعني إمكانية وجود حرب افتراضية بين (الوثائق المكتوبة) توهماً باتجاه البحث الفانتازي عن (الوثيقة الناجية)، التي لن تكون بعيدة عن حاكميات طائفية وقومية واجتماعية وسياسية وعسكرية وأيديولوجية، لها قوتها في فرض وإشهار تلك الوثائق بوصفها أدوات للصراع، ولإبراز مظاهره في سياق التداول الثقافي والسياسي والطائفي.
علاقة الكتابة بالخلود هي نظيرٌ لعلاقة الإنسان الشائهة بالموت، والمُخاتلة بحفظ الوجود، وبطرائق بحثه عن الحماية، وبالتعبير عن حاجته، ولذته، وهذا ما يجعل الكتابة في سياقها اللغوي والبصري أكثر تموضعا في التعبير عن سيميائية الأثر، كونها علامة تختصر تمثيل تلك القوة والهيمنة، أو كونها خطابا تعبيرا عن مظاهر مواجهة الضعف، والحاجة أيضا، عبر استحضار الغائب، أو عبر الانشداد إلى الأيديولوجيا العصابية، أو الأيديولوجيا (الناجية).
الكتابة وذاكرة المُقدّس
تاريخ الحاكمية المُستبدة في شرقنا لها روابط غامضة بـ»بكتابة» نصوص السيطرة والطاعة، وتقديس القوة والتاريخ، إذ هي مهووسة بالتدوين، وبصناعة تلك النصوص، عبر نماذج تاريخية لها قصدية معينة، وعبر استدعاء سرديات لها قصدية معينة، التي تتجوهر حول فكرة الحماية «الشرعية» لتلك المستبدة، عبر خطاب التأليه، والكهنوت الفقهي، التي تجسّد طوال قرون عبر الخطاب الأشعري، الذي قوّض علم الكلام المعتزلي، وعقلنة التفكير بالنص والسنّة.
إعادة النظر بمركزية تاريخ هذا الخطاب، تتطلب جرأة للحديث عن فكرة «الايمان الحر»، كما سماها فتحي المسكيني، وعبر الحفر في ما هو سري في الوثائق، وفي الوصايا، وفي كتب الأثر والأسحار والأحاجي، وحتى في مدونات الجماعات المتصارعة، مثلما مقاربتها لمدونات ما تركته (الجماعات الكلامية والفقهية) قبل الأشعرية، بوصفها ضدا نوعيا لـ»الفرقي، الجماعوي» التي تقوم أساسا على فكرة تسويغ الحاكمية، حتى باتت تلك الإعادة مجالا لقراءة تلك الوثائق والسير، ولبعض كتب «الصحاح» بوصفها جزءا من مركزية التاريخ، الذي تحتفظ به تلك الحاكمية. التعاطي مع سرديات التأليف تعني وعيا بأهمية تجريد التاريخ من أكثر أسلحته سحرا، وثباتا، وهو ما جعل السلطة أكثر عنفا إزاء تلك السرديات، بما فيها سرديات المختلف الفقهي والحكواتي والتأويلي، وإخضاعها إلى أحكام المروق والزندقة، والخروج عن الجماعة والأمة.
السرديات الكبرى هي سرديات أنوية لها علاقة بجماعات وأيديولوجيات مهيمنة، حيث النص والقوة والثروة، وحيث الوهم بفرضية تهميش الآخر، عبر قمع وجوده ورمزيته ونصوصه، وهو ما يجعل أرخنة الصراع أكثر تعالقا بما تثيره تلك السرديات (القاتلة والمقتولة) من أسئلة، ومن نظرة للصراع.
كتابة المختلف، تعني الكتابة الضد، حيث تتحول نصوصها إلى مصادر لشرعنة الصراع حول مفاهيم السلطة، والمقدس، والعصاب، والهوية، تلك التي تحصنت بها الحاكميات العربية النمطية، حتى صار- الحكواتي والكلامي، هما الصنّاع الأوائل لكتابة ذلك المختلف، عبر إعادة النظر بالأحداث والمغازي، وعبر الترويج للسير الشعبية والمقامات، وأخيرا عبر فاعلية الروائي في عصرنا، إذ تحولت كتابة الرواية إلى سلطة لها استعاراتها الفاضحة في معالجة أحداث غائرة في (تاريخ الأمّة) و(تاريخ الملّة) وهما ثنائيتان تحصنتا طويلا بالتاريخ، بوصفه أمر ونصا ومقدسا، أو وعيا قارّاً بما هو ظاهر من أحداثٍ دوّنتها السلطة، أو الدولة الأمة، أو الجماعة الملّة، أو الجماعة الكلامية في سياق حجاجها، أو في سياق بيان موقفها العقائدي. ففي روايات جورجي زيدان ونجيب محفوط وأمين معلوف، وسلم حميش، ورضوى عاشور، وجمال الغيطاني، ويوسف زيدان وربيع جابر، ورواية «موت صغير» للروائي محمد حسن علوان، ورواية «أيام المستعصم الأخيرة» للروائي عبد الجبار ناصر وغيرها توفّر للقارئ والباحث مستويات سردية لمقاربة التاريخ، عبر سردنة بعض أحداثه، وعبر قراءات لها دوافعها، ولها مرجعياتها وحساسياتها الثقافية والسياسية والأنثروبولوجية، التي يشتبك في صياغتها السياسي والتخيّلي والهوياتي والتمثيلي.
الانتقال من الجمالي السردي إلى التمثيلي، هو أخطر تحولات كتابة الرواية العربية، إذ أسهم هذا الانتقال بتعدد منصات الحكي، وتوّسع مديات ما تحوزه تلك المنصات من مرجعيات ونصوص، يمكنها أن تفضح تاريخانية السرديات الكبرى، وأن تُعطي لما سمّاه معن الطائي (السرديات المضادة) النظير التوصيفي لـ(السرديات الصغرى) عند ليوتار، مجالا للتعبير عن تحولات مهمة استغرقت الجهاز النقدي، كفاعلية في رصد تاريخ ما كرسته سرديات الجماعة وأزاحتها عن الفعل الباعث على وهم خلودها في النصوص وفي لاوعي الناس.
الكتابة وسرديات التأليف
السرديات الكبرى هي سرديات أنوية لها علاقة بجماعات وأيديولوجيات مهيمنة، حيث النص والقوة والثروة، وحيث الوهم بفرضية تهميش الآخر، عبر قمع وجوده ورمزيته ونصوصه، وهو ما يجعل أرخنة الصراع أكثر تعالقا بما تثيره تلك السرديات (القاتلة والمقتولة) من أسئلة، ومن نظرة للصراع، وبمدى حيازتها على مهارة كتابة سردياتها الفائقة، تلك التي تتحول إلى السرديات/ الوثائق، والسرديات/ الفقهيات، والسرديات/ الحكايات، حيث تقوم على صياغة مسبوكة للأثر، وللبطولة، وللقوة التي تقف بالضد من مركزية تاريخ الحاكمية.
تاريخ الحاكمية ارتبط بشكلٍ أو بآخر بمزية قامعة للتاريخ، حيث فرضت نصوصها على مخيالنا الحكواتي والسلطوي، وعلى اصطناع أحكامٍ وآليات ترفض أيَّ متخيلٍ ضدي، ووضعه في سياق إكراهي أو تكفيري، وبالشكل الذي جعل من حرب النصوص أكثر علامات تاريخنا مفارقة، منذ أن بدأ الكلاميون لعبتهم الكبيرة في صياغة الأفكار حول العقائد، وتدوين وجهات نظرهم حولها، دفاعا أو دحضا للشبهات، وحول علاقة الفقه بالمُقدّس، وبالحجاج الذي أثاره علماء الكلام منذ المعتزلة الأوائل، وانتهاء عند محنة ابن حنبل، واطروحات الجويني وأبي الحسن الأشعري وابن تيمية وابن الجوزي وغيرهم. النظر إلى تاريخ كتابة تلك السرديات ليس بعيدا عن حرب النصوص، ولا عن مقاربة الصراعات التي حدثت هنا أو هناك، والذي تحوّل مصدرا لسردنة مفتوحة لامست الأفكار والأحداث، وأحسب أن سرديات السينما كانت من أكثر السرديات التأليفية المثيرة للجدل في توظيف ذلك، بدءا من فيلم «الشيماء» وفيلم «خالد بن الوليد» وفيلم «الناصر صلاح الدين» وفيلم «المصير»، وليس انتهاء بفيلم «الرسالة»، وصولا إلى ما قدمته لنا الدراما الإيرانية من مسلسلات دينية غير بعيدة عن المرجعيات الشعبوية الثقافية والسردية والطائفية.
كل هذه الأفلام والمسلسلات وغيرها، قدّمت لنا توظيفات سردية أكثر مما قدّمت مرجعيات حيادية في نظرتها ومعالجتها للأحداث التاريخية، إذ ظلت أكثر تماهيا مع الحساسيات الثقافية والسياسية والأيديولوجية، وحتى التجارية، رغم الإشارة في بعض تايتلات الأفلام والمسلسلات بأنها مجازة من قبل هذه المرجعية أو تلك. الإصرار على سردنة التاريخ، أو كتابته بطريقة مسردنة، تعني أساسا الشك بالتاريخ، والبحث عن خلودٍ ما لوجهة نظر معينة، أو لحدثٍ مكتوب من زاوية سياسية أو طائفية، تفترض –توهما – تكريسه كأثر أو كنص مكتوب، أو محاولة تعويمه وفرضه بوصفه النص الذي لا يطاله الحِجاج، وأنه الأكثر قربا إلى ضمير الأمة.
٭ كاتب عراقي