لفهم الفن العربي تبقى دائما العودة إلى أصوله في حد ذاتها طلبا ملحا، للإلمام بأسس متغيراته وتحولاته الفنية المختلفة، خاصة أن الجانب المفهومي مثل نسيجا من تطلعات الفنان الثقافية والتشكيلية على حد سواء.
بناء على ذلك يرنو اغلب الفنانين العرب إلى الدخول في العالمية والتدرج في ماهية البحث والتواصل من اجل إثبات الذات وما الذي تقوم عليه من تغيرات على مستوى الإنتاج الفني المرتبط بمبادئ الفن المعاصر الذي اختلفت التعبيرات والمفاهيم من حوله. وواضح منذ البداية بأن القيم الفنية والأبعاد المختلفة للأثر الفني من شأنها أن تغير في التحولات الاستطيقية المعاصرة.
حيث أصبح يتجلى من خلال العديد من الأساليب مثل ظهور فن التنصيبة Installation وكذلك فنون الأداء Performance وفن التجهيز وغيرها من الأساليب التي أصبحت تترجم أفكار الإنسان المعاصر الذي أصبح يدرك العديد من الجوانب المهمة حول الممارسة الفنية مثل تطورات الفن التشكيلي، حيث تكونت لديه مجموعة من التراكمات الثقافية وغيرها من مفاهيم العولمة والتطور التكنولوجي أصبح من خلالها يدرك مميزات كل ممارسة، وفي ذات الوقت ملمّا بالعديد من الجوانب التي تمنح الأثر الفني قيما جمالية وأخرى مفهومية تؤكد حضور الذات المبدعة في نطاق ما يسمى بالكونية.
ومع ذلك فإن العديد من المفاهيم التي تكونت وتشكلت في نطاق منظومة فلسفية ينطق بها الفنان في إنشائية الأثر الفني كالمعاصرة واللغة البصرية والمفهومين الروحاني والصوفي التي جعلت من منظومة الحرف تتجلى في رؤى مختلفة تبشر لنا بلغة اليومي وما فيه من اختلافات ومقاربات تتجمع لترسم سجالا فكريا حضاريا عالميا.
فبتعدد الفنانين واختلافاتهم في تجسيد روح الحرف وتوظيفه ضمن عمل تشكيلي حامل لأبعاد استطيقية وأبعاد مفهومية في كيفية تجسيدها سواء في جمالية المادة المستعملة أو على مستوى رؤى الفنان الكونية. هنا يمكن لنا البحث في تجربة الفنان ‘خالد الرز أرام’ في كيفية معاشرته لجمال الحرف الذي يتجلى في العديد من أعماله الفنية المعاصرة. إن الإشكال يتمحور حول مدى ارتباط الممارسة التشكيلية بالأبعاد الروحانية والصوفية في توظيف الحرف ضمن الفن المعاصر؟
إذن، وتبعا لهذه التجربة يقف الفنان ‘خالد الرز’ أمام جمال الحرف متضرعا له وبه، ليبدع منه نشيدا بصريا قائم الذات، لتنتشي روحه بميلاد روحانية الأثر الفني الذي ينبثق من بواطنه في نطاق أنغام حرفية ينسج عبرها لغة تشكيلية معاصرة لا تجد حدودا على نوعية الفضاء.
فهو ينحت الحرف في اللون ليكتشف ما مدى طوعية المادة وجماليتها، حيث يتجاوز مناهج الفنانين العرب في توظيف الإرث الحضاري ‘الحرف’ وذلك بدخوله في نطاق فلسفة ذاتية تنفتح على الثقافة الكونية وتنزوي في نطاق العالمية لكي يتحول الحرف لغة استطيقية متجاوزا معنى توظيف التراث بمعناه القومي، فنستند في هذا الموقف على نظرية هانز غادامر ‘إن العمل الفني ليس مجرد اثر من الأثريات التراثية vestiges التي تعيننا على فهم أو إعادة تأسيس العالم العقلاني الذي ينتمي إليه باعتبارها بقايا الماضي.’
من هنا يمكننا أن نحكم بان ما يمكن أن نسميه لغة بصرية هو موطن باطني قبل أن يتحول إلى لغة بصرية تشكيلية، انها أناشيد باطنية طاهرة تسحر الملء الأعلى، فالحرف هو ترنيمة الحب والعشق لدى الفنان ‘خالد الرز’ يرفعه إلى حقيقته السامية ويعيده إلى منبره الأصيل في نطاق سجال ثنائي بين روح الفنان والقيم الجمالية للحرف.
فهو يتخذ نسقا فنيا يرنو به إلى إدراك الموجود للوصول إلى المنشود وفي هذا السياق تظهر فلسفة ابن عربي الموغلة في التصوف حول ماهية المطلق والخلق ‘ وفي نصوص ابن عربي توجد مستويات متنوعة من الخلق تستند إلى سلم معقد من التراتبات والتصنيفات الأفلاطونية يعد فيها نفس الرحمة أي نبض الخلق نفحة مستمرة، إعدام الخلق وتجديد خلق في كل لحظة’ بحيث يتحول الإبداع الفني إلى خلق نسق أو مراحل تؤشر بتجلي الحرف في إطار فلسفة باطنية يدرك الفنان هواجسه محاولة منه لإبرازها ضمن خصوصية الحرف الذي يحمل حركية تراوح بين ثنائيتي الاختلاف والتكرار لتبوح لنا بسحر الأثر الفني.
فالفنان يسعى إلى تأسيس لغة التواصل والتلاقح بين الثقافات دون الانحياز إلى ثقافة معينة، فهو يبدع من اجل الإبداع وفي نفس الوقت قد انصهر في الثقافة الصوفية الروحانية التي مكنته من الإبداع التشكيلي المجرد المنبثق من الأعماق الذاتية من اجل إنتاج سجال تشكيلي لروح الحرف وكيفية توظيفه بصيغ صوفية روحانية، وهنا يمكن لنا الاستناد إلى مقولته حول مفهومه الروحاني ‘ الفلسفة البصرية الصوفية التي تبني بداخلي نصا موسيقيا يعتمد التكرار الطربي وأحاول بناء علاقة ما بين اختلاجات بصرية مع هذه الموسيقى كي أصل إلى إنتاج نصي البصري الذي أريد’.
يستعمل الفنان تفكيره الفلسفي في خلق العمل الفني من خلال ثقافة العين وما يمكن أن تحمله من تأملات مختلفة تتجلى في التجربة الفنية ليرنو عبر هذه الخصوصية إلى مفهوم اللعب بالألوان والأشكال والحروف، فهو يوزع احساسه على كامل الأثر الفني ليدرك حقيقة وجوده ضمن خصوصيته الذاتية. فهو يحيط النظر في سميائية العمل الإبداعي وكيفية الإحساس بحقيقة وجوده ‘ فالفن هو دوما أعجوبة، بمعنى انه في الفن، وبفضل الآليات الدلالية والنفسية ، تنشأ حقيقة، رغم عدم وجودها في الحياة العادية’
أما فيما يخص، مدى ارتباط هذه التجربة بالأبعاد الروحانية والصوفية في توظيف الحرف فذلك يرجع إلى توظيف ‘خالد الرز’ لتقنيات وأساليب معاصرة مكنته من تكوين مخاض تشكيلي يتدفق من بواطن الأثر الفني ليبين ذلك الجمال المثالي الذي يتجلى في عمق الحرف لما يحمله من بعد بصري وحركية تجذب المتلقي إلى حيرة مطولة في التفكير. حيث تتضمن الأعمال الأخيرة مفاهيم التوليفة البصرية التي تتشكل من عمق العمل التشكيلي، هي بمثابة مزيج من الذات المبدعة مع روح الحرف الذي تشكل في فضاء معاصر بل انه احتواء لكل صفات الروحاني والصوفي والمجرد، في هذا النطاق يذهب الفنان إلى خلق لغة بصرية إنسانية تتجه في نسق يرسمه الفنان في تخمره الروحي لماهية الجمال والتجربة التي يعاشرها في إنشائية الأثر الفني حيث يقول’ أنا لا اعمل على الخط العربي ولا اهتم به لأنه لا يعنيني كخط وكدلالة لغوية. وإنما أتعامل مع الحرف لان الحرف في نظري له أبعاد غير ذلك البعد المقروء له كجزء من كلمة . بعده البصري الموسيقى الذي يهمني.
حركة ثناياه التي تصعد وتنزل وتذهب في كل الاتجاهات لتشكل نصا بصريا هو شكل الحرف. وأتناوله بعيدا عن القومية بمعنى لا يهمني هذا الحرف إن كان عربيا أم غير عربي، فأنا لا أنتج فنا قوميا أو اثنيا وإنما أنتج فنا إنسانيا ولهذا عملي قادر على التواصل مع العين أيا كانت مرجعية هذه العين الثقافية ومن هنا استطيع الذهاب في صوفيا وروحانيا في توظيف الحرف تشكيليا ‘. حيث أصبح يدرك خصوصية الحرف ومرونته يشكل التركيبة على اختلاف محاملها واختلاف تقنياتها.
تأسيسا على ما سبق يمكن لنا الإقرار أن الفنان التشكيلي ‘خالد الرز’ قد امتلك تلك النزعة الروحانية في الإبداع الفني، ليخلق جمالا خالدا معبودا يحس به في ثنايا الوجود يقدس اللون ويجعل من حركة الفرشاة تناجي اللوحة في كل ما تحتويه من عناصر تشكيلية، ليدخل في سكون مع الأبعاد الإنشائية لصيرورة العمل. يصغي إلى وحي الأفكار لينتج عملا فنيا يحمل هوية الذات المبدعة ‘ارام’ على حد عبارته.
بناء على ذلك يطوع الفنان ذلك التمازج الشكلي في خصوصية الحرف ليدرك المساحة بلون الحرف، فيخلق هندسة سحرية فلسفية، فهو يبدع تجاذبا بصريا يفوق الموجود ليدخل في سياسة المنشود والتدرج في لغة موسيقية عبر ميزة اللون الذي تحول إلى روح تحيا على سطح العمل التشكيلي لتنذر بمولد جديد.
باحث في الفنون التشكيلية تونس