يعد مركز أم المؤمنين خديجة الإسلامي الذي يقع في منطقة شيستا بالعاصمة السويدية ستوكهولم، ملتقى يجمع أطياف الجاليات المسلمة التي تعيش في العاصمة، خاصة في شهر رمضان المبارك، حيث تنظم خلال أيامه ولياليه العديد من الفعاليات بدءا من إقامة الصلوات الخمس تضاف إليها صلاة التراويح وتنظيم حلقات الدروس الدينية اليومية بعد صلاة العصر وقراءة وتعليم القرآن الكريم، وعند المغرب تفرش سفرات الإفطار الجماعي ليجتمع عليها العشرات بل المئات من الصائمين من مختلف القوميات والجنسيات. غير ان المركز لا يقتصر في خدماته على المسجد ونشاطاته وحسب وإنما يعد مؤسسة تربوية متكاملة، نتعرف عليها خلال هذا التقرير.
أكبر المراكز الإسلامية في العاصمة
يقول موسى الرفاعي الفلسطيني الأصل ويعمل رئيسا لمجلس إدارة المركز، ان مركز خديجة افتتح قبل عقد من الزمن وبدأ صغيرا إلى أن أصبح من أكبر المراكز الإسلامية في العاصمة ستوكهولم، ويمتاز باستقطابه مختلف الجاليات الإسلامية ليس فقط كزائرين ومستفيدين من خدماته وإنما كفاعلين في إدارة المركز التي تضم 11 منتسبا من جنسيات مختلفة.
وما يميز هذا المركز عن غيره يقول الرفاعي، هو الانفتاح على الجميع، والعمل بمبدأ أخذ الرأي والشورى، وكان هناك تركيز منذ البداية على دور كبير للمرأة المسلمة في المركز بل وإدارته أيضا، حيث شغلت إحدى الأخوات إدارة المركز في فترة من الفترات وكانت تجربة رائدة وناجحة لم تحدث في مراكز إسلامية أخرى.
ومن الجوانب المهمة الأخرى التي ركز عليها المركز كما يشير الرفاعي هم الأبناء، حيث ومن هذا المنطلق جاءت فكرة إقامة مدرسة نهاية الأسبوع لتعليم اللغة العربية والقرآن الكريم وفي هذه المدرسة اليوم ستة فصول دراسية يشرف عليها أساتذة متطوعون.
كما ينظم المركز رحلات صيفية للشباب والشابات إلى خارج السويد في دورات وورش لتعليم اللغة العربية ودورات قيادية واجتماعية مختلفة.
الانفتاح على المجتمع السويدي
يتميز المركز بانفتاحه على المجتمع السويدي والتواصل مع مؤسسات المجتمع المدني وإقامة نشاطات مثل التعامل مع جيران المركز، حيث «أقمنا نشاطا باسم الجيرة الحسنة للتعامل مع الجيران غير المسلمين بحيث يكون لهم نشاط مع المركز فيأتون ويتناقشون حول قضايا تهم المسلمين وتهم البلد».
يقول الخطيب مصطفى الذي يعمل على إدارة المسجد داخل مركز خديجة، ولكون المركز يقع في موقع تجاري عالمي في العاصمة إضافة إلى السكان القاطنين فيه وجلهم من الجاليات المتنوعة، أعطى ذلك زخما عالميا لرواد المركز الذي تقصده أكثر من أربعين جنسية، يجتمعون خلال الشعائر الدينية اليومية والرمضانية تحديدا، وصار ملتقى للعائلات المسلمة أيضا، فإضافة إلى العبادات التي تمارسها هذه العائلات من إقامة الصلوات، فإن المركز يقوم على تنظيم دورات لتعليم وحفظ القرآن الكريم واللغة العربية لأبناء الجاليات وان هناك ما يقارب من 450 طالبا وطالبة ضمن هذه الدورات.
ويضيف انه، وخلال شهر رمضان المبارك تنشط الفعاليات أكثر من خلال تكثيف الدورات وتنظم مآدب إفطار جماعي للصائمين تشارك فيها العائلات على اختلاف أعراقها ويعمل عليها متطوعون شباب، كما يقوم المركز بدعوة السفارات والكنائس للمشاركة في هذه المأدبة من أجل توطيد العلاقات ودعم عملية الاندماج داخل المجتمع السويدي.
ويقول مصطفى إن المركز يقوم بدعوة علماء ومشايخ من الدول العربية والإسلامية لإلقاء الدروس والمحاضرات وتعليم القرآن الكريم واللغة العربية لأبناء الجاليات.
المهندس سلمان الباكستاني الأصل، يواظب على إمامة صلاة العشاء والتراويح في مركز خديجة كونه من حفظة القرآن الكريم رغم انه لا يتقن اللغة العربية، ويقول سلمان إن المركز يجمع جنسيات إسلامية مختلفة وثقافات متنوعة من شتى بقاع العالم، وإنه ملتقى العائلات المسلمة وهذا أمر في غاية الأهمية بالنسبة لنا ولعوائلنا وأطفالنا، حيث تقام فعاليات متنوعة للأطفال والعوائل من شأنها الحفاظ على الهوية الإسلامية للجميع، وهناك جالية إسلامية آسيوية كبيرة في السويد من دول باكستان وأفغانستان وإيران وبنغلاديش والهند والاويغور وغيرها إضافة إلى مسلمي الدول الأخرى.
من دمشق إلى ستوكهولم
رحلة مؤذن
ابو خالد الحافظ قارئ ومؤذن في مركز خديجة، كان يشغل المهنة نفسها في جامع زملكا الكبير بريف دمشق قبل هجرته إلى السويد منذ سبعة أعوام ونصف. يقول ابو خالد إنه يجد في مركز خديجة ملاذه الضائع بعد ان ترك بلاده وأهله ومعارفه، وان ألفة مسلمين من شتى دول العالم يجتمعون في المركز تخفف عنه غربته، وانه نقل العادات الرمضانية الدمشقية إلى السويد ويرى في ذلك امتزاجا اجتماعيا جميلا مع العادات والتقاليد الرمضانية لمسلمين من بلدان أخرى، ويغني ذلك الموروث الثقافي والإسلامي للمسلمين في السويد، ويعتقد ان هذا سيخدم الأجيال الصاعدة من أبناء الجاليات المسلمة في البلد في معرفة أفضل بالثقافة لمختلف البلدان الإسلامية.
وعن عمله في المركز يقول الحافظ انه يعمل كمؤذن للصلاة وتلاوة القرآن الكريم كونه حافظا له، ويؤم الصلاة في حالات غياب الإمام.
بديل يخفف عناء الغربة
في رمضان
هكذا وصف حسني خالد الكردي هذا المركز الذي هو من رواده، حيث يرى في نشاطاته خاصة في شهر رمضان تعويضا له عن المشاعر الرمضانية التي كان يألفها في بلده الأم كردستان العراق قبل ان يهاجر إلى السويد، فيواظب على حضور صلاة التراويح لانه يأنس تلاوة الإمام الذي يقرأ كل ليلة جزءا من القرآن الكريم، ويرى في هذا التجمع المتنوع للجاليات المسلمة فضاء لتوسعة العلاقات الاجتماعية وتبادل الثقافات وحتى تعلم لغات جديدة من بعضهم البعض، ويصف الجلوس على سفرة الإفطار الجماعي بالحالة الروحانية والأخوة بين الجميع.
ويقول إن وجود هذا المركز ضروري جدا بالنسبة لأمثاله ممن يعيشون حالة الاغتراب والبعد عن الأهل والأصدقاء، حيث يجدون فيه تعويضا عن ذلك.
بلاد تلاقح الحضارات
يقول الشيخ الدكتور ادريس العيشي الذي وفد من مدينة مكناس المغربية إلى مركز خديجة ضمن برنامج ابتعاث العلماء والمشايخ للخارج خلال شهر رمضان المبارك، إنه منبهر من إقبال أبناء الجاليات المسلمة على تعلم القرآن الكريم واللغة العربية خلال الدروس التي يلقيها في المركز، إضافة إلى خطب الجمعة والدروس الإصلاحية والأسرية والميدانية التي تتعلق بما يصلح التصرف والتنوع.
وينظر الشيخ العيشي إلى هذا التنوع العرقي بانه يغني الحالة الثقافية للبلد وان السويد اليوم تعد بلادا للتنوع الثقافي وتلاقح الحضارات، وان ذلك يدفع بالداعية والمبلغ إلى اختيار مواضيع دروسه بدقة لكي تناسب هذا التنوع.
لذا يقول إنه «من الضروري ان نركز خلال الدروس والمحاضرات التي نلقيها خلال وجودنا في المركز على إعطاء الصورة والمفهوم الصحيح للإسلام المعتدل بسلوكه القويم وممارسته الصحيحة، بل وتفسير المواضيع الدينية والفقهية وتبسيطها ثم طرحها بالشكل الذي يكون مقبولا عند المتلقي، وهذا المتلقي كما أشرنا متنوع اللغة والثقافة والمفاهيم، هم الجاليات التي تستمع إلينا في هذا المكان، لذا نقوم على طرح مفاهيم الإسلام في التسامح والتعايش والرحمة في التعامل مع الآخرين لكوننا جميعا تحت مسمى الإنسان، وان على المتواجدين على هذه الأرض التخندق في بوتقة الإنسانية والتسامح لبناء مجتمع سلمي قائم على الحوار بعيدا عن العنف والمشاكسة، ولا مجال إطلاقا للتصادم الحضاري».