مركز الجزيرة للدراسات يصدر كتابا عن الحركة الاسلامية التركية واثرها على العالم العربي

حجم الخط
0

لندن ‘القدس العربي’ برزت تركيا خلال السنوات الأخيرة بشكل لافت، جعلها محط اهتمام دولي وإقليمي. وقد ساهمت التحولات السياسية في البلاد، إلى جانب الدبلوماسية التركية النشطة، أن تثير اهتمام المراقبين الدوليين مما جعلهم يتابعون عن كثب التحولات التي تعتمل ضمن هذا البلد الناهض.

فتركيا إلى جانب ثقل تاريخها، باعتبارها مثلت لقرون العاصمة التاريخية للخلافة العثمانية، وإحدى أهم الإمبراطوريات في العالم، يُنظر إليها اليوم كجمهورية علمانية، تضم 70 مليون نسمة، أكثر من 99 في المائة منهم مسلمون، تقع بين عالمين مفترقين حضاريا وصناعيا، العالم العربي شرقا وأوروبا غربا، وتمثل اليوم تجربة فريدة، تجربة تتحدى مسلّمة كثيرا ما راجت في الغرب وحتى خارجه، وهي الزعم بعدم إمكانية التحديث في العالم الإسلامي، بحجة أن قيم الحداثة والتحديث تتناقض مع تعاليم الإسلام. وفي هذا السياق صدر عن مركز الجزيرة للدراسات كتاب جديد تحت عنوان ‘الحركة الإسلامية التركية، معالم التجربة وحدود المنوال في العالم العربي’، للباحث التونسي جلال الورغي، وقد قدم له المفكر السوداني الدكتور عبد الوهاب الأفندي.

ويعرض المؤلف في كتابه حول التجربة التركية، منذ قيام الجمهورية الكمالية في العام 1923 إلى ثلاث قضايا رئيسية، وهي، أولا، محاولة إعادة قراءة التجربة الكمالية من منظور مختلف ووضعها في سياقها التاريخي. ثم يرصد المؤلف تجربة الحركة الإسلامية التركية وأطوارها المختلفة، وما عرفته من ديناميكية في التحول والتطور. أما القضية الثالثة التي عرض لها المؤلف فتتعلق بالبحث في حدود الاستفادة من المثال (النموذج) التركي في العالم العربي.

ويعتقد الكاتب أن التجربة التركية تبدو اليوم الأكثر قربا من العالم العربي، تاريخا وجغرافية، والأوفر حظا في أن تلهم العالم العربي معالم تجربة فريدة في النهوض والتنمية. وتستقطب هذه التجربة اليوم اهتمام النخب العربية، وتتراءى الأكثر واقعية، والأشد قربا من العالم العربي. وأوضح الورغي أنه ليس من المبالغة ‘إذا قلنا إن تجربة التنظيمات العثمانية، وما صحبها من إصلاحات في تركيا خلال القرن التاسع عشر مثلت تاريخيا التجربة الأكثر إلهاما للعرب، في قضايا الإصلاح والنهوض، وهي تتأهل اليوم باقتدار لتلعب من جديد دورا شبيها في عالم متغير، قد تكون فيه هذه التجربة التركية أكثر نضجا وأصلب عودا، بسبب تحول في موازين القوى واختلاف الأفق التاريخي بين تلك التجربة الماضية، وتجربة القرن الواحد والعشرين’. وقد حاول الكاتب التوقف ‘عند أبرز معالم التجربة التركية الحديثة والمعاصرة، مركزا على أهم مقوماتها، لا سيما في التطور والتحول المستمر في علاقة الدين بالدولة، ومن ثمة الديناميكية التي ميزت علاقة التيار العلماني بالتيار الإسلامي، وأبرز المحطات المفصلية التي طبعت هذه العلاقة’. ويضيف الكاتب أنه حرص على توضيح طبيعة العلاقة المعقدة والمركبة التي طبعت علاقة ‘الكمالية العلمانية’ بالتيار ‘الإسلامي’، والتي تبدو مختلفة عن الفهم التبسيطي الذي يصوّر مسار التدافع بين الطرفين، على أنه مواجهة واضحة بين ‘العلمانية’ و’الإسلام’، مؤكدا على أن ‘العلاقة تبدو أكثر تعقيدا من هذا التفسير الذي ينحو منحى أيديولوجيا ثقافيا ضيقا’، حسب تعبيره. ويرجع المؤلف تناوله لهذا الموضوع إلى اهتمام النخب العربية، بمختلف تياراتها وتنويهها المتزايد بالتجربة التركية، ما دفعه إلى محاولة إبراز أهم مفاصل التجربة التي يمكن للعرب أن يستلهموها، على طريق استخطاط رؤية نهضوية جديدة، تخرج بهم من حالة انكسار مستمرة ومستحكمة، وتشيع حالة من الأمل في العبور إلى المستقبل، يبدو أنه اليوم عزيز بسبب كثرة الإحباطات وشيوع حالة من الوهن، حسب تعبيره. بيد أن المؤلف ينبه إلى أن هذه التجربة لم تكتمل بعد، ولا تزال معرضة لهزات متوقعة وأخرى غير متوقعة، سواء في العلاقة بالصراع الاجتماعي والسياسي والثقافي الداخلي، الذي لا تزال بعض القوى مصرة على استدعائه، من أجل حماية مواقعها وحصونها التقليدية، أو في العلاقة بالسياسة الخارجية، وما يمكن أن تتعرض له من اهتزازات، لا سيما في ظل وجود تركيا في واحدة من أكثر المناطق الملغومة بالصراعات، واحتمالات انفجارها في أي لحظة. ويعتبر المؤلف أن تركيا تمثل اليوم نموذجا حيويا وفريدا في امتحان واختبار دور الإسلام في الحياة السياسية، وتأثيراته في رسم معالم السياسات الخارجية للدول الكبرى. فهذا ‘المنوال’ الفريد، حسب الكاتب يشق طريقه بثقة وثبات على طريق مسيرة ‘ديمقراطية’ مميزة. تجربة تطبعها إرادة القيادة التركية بالتحرك ليس فقط كإحدى القوى الغربية وكقوة أوروبية أيضا، بل أيضا بأريحية وسيادة كاملة في اجتراح سياسة خارجية، بعيدا عن الارتهان لأي إملاءات خارجية، محققة نتائج مهمة في قضية ملتهبة من أعقد القضايا في الشرق الأوسط بسبب أبعادها الدولية والإقليمية، ألا وهي القضية الكردية. كما تلتمع هذه التجربة بمقاربة فريدة ومميزة لقضية ينظر لها الكثير من الخبراء والمراقبين الدوليين على أنها واحدة من أعقد القضايا التي تلقي بظلالها على الوضع في الشرق الأوسط، توترا واستقرارا، وهي العلاقة الملتبسة والمثيرة للقلق بين الدين والدولة، وتحديدا بين الإسلام والسياسة. ويرى المؤلف أنه إذا كان التيار الإسلامي في تركيا ظل يمثل وإلى حد قريب مجرد عنصر في المعادلة السياسية التركية، إلا أنه وعقب النجاحات الانتخابية المتلاحقة التي حققها حزب العدالة والتنمية خلال انتخابات 2002 ثم 2007، تحول إلى قوة أساسية محددة في الحياة السياسة التركية.

ولا يميل الحزب على الرغم من خلفيه زعامته الإسلامية إلى تبني برنامج لـ’أسلمة’ المجتمع. فقد أعطى الحزب الأولوية في برامجه التمهيدية للحصول على عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، وإصلاح النظام القانوني، بما في ذلك إلغاء عقوبة الإعدام، وقضايا مثيرة للجدل على غرار قانون منع الحجاب في المؤسسات، والحرص على تحديد دور العسكر في النظام السياسي، وتحويل مجلس الأمن القومي إلى مؤسسة مدنية، لا يهيمن عليها العسكر، وتوسيع مجال حرية الإعلام لصالح الأقليات، لا سيما الأكراد، والمصادقة على كل مواثيق حقوق الإنسان الدولية. ويعتقد الكاتب أن حزب ‘العدالة والتنمية’ في تركيا نجح في التعاطي مع الدين في إطار يجعله حاضرا من حيث هو غائب في الشأن السياسي التركي. ولعل ذلك يعكس تميز التجربة التركية عن غيرها في التعامل مع الدين. وهو سلوك يرى فيه البعض آلية من آليات اشتغال ‘العلمانية التركية’، المستندة إلى اللائكية الفرنسية، ولكن في إطار علاقة خاصة بين الدين والدولة ضاربة بجذورها في الميراث والتقاليد العثمانية، التي ‘تخضع’ الدين أو ‘تضمنه’ ضمن سلطة الدولة.

ويشير الكاتب إلى أن موقع الدين في المشهد التركي الراهن على الصعيد العام والخاص، يعكس التطور الذي طرأ على الفكر العلماني، الذي وجد نفسه تحت ضغوطات الجدل والحوار الدائر بين نخبة من المثقفين الجدد. فقد بات التدين حالة عامة، لا يمكن تجاهلها أو الدخول في اشتباك معها. ومن هنا تمثل تجربة الحركات الإسلامية في العالم العربي، وما اعترضها من تحديات ومطبات، لا تزال تعاني منها إلى اليوم، ظاهرة مدعاة للتوقف عند ‘الأنموذج التركي’. وتجد الكثير من الحركات الإسلامية نفسها اليوم في وضع لا تحسد عليه، نتيجة ما تواجهه من إقصاء وتهميش من قبل الأنظمة في منطقة الشرق الأوسط. وتعاني الكثير من هذه الحركات من مأزق تاريخي، قد لا تكون مسؤولة عنه بمفردها، ولكن لا شك أن في مساراتها ونهجها بعض الخلل، الذي ساهم في هذه المآزق. ولعل أبرز هذه المآزق، العلاقة المتوترة مع الدولة، إذ تحمل بعض هذه الحركات إرثا صداميا ثقيلا، في الصراع المرير والمواجهات الدامية مع أنظمة بلدانها. إرث جعلها موضوعا للمطاردة الأمنية المستمرة، وشماعة في يد الأنظمة لتبرير تعطيل الإصلاح السياسي، وتسويغ إبقاء المجتمع بأسره في حالة من الاحتقان والأوضاع الاستثنائية.

وبقدر ما نجحت هذه الحركات وإلى حدود معتبرة في حماية وإعادة الاعتبار لهوية المجتمع، وبثت منظومة من القيم الأخلاقية النبيلة على نطاق واسع، مستلهمة التجربة النبوية الأولى، فإن هذه الحركات وبالقدر نفسه استدرجت في العلاقة بالدولة، وبسبب الآفاق الحديثة والمعاصرة المأزومة التي ارتبك العقل الإسلامي في استيعابها، إلى اللجوء إلى نهج تغييري قسري عنيف لا يأبه بالنتائج الكارثية المتولدة عنه.

أما التيارات العلمانية والليبرالية فهي عادة ما تتحفظ بشدة على حضور الإسلاميين في الشأن السياسي، بل ولا يتردد تيار كبير داخلهم في مفاضلة الدولة الحديثة المستبدة على الإسلاميين، إذا ما وجد نفسه مجبرا على الاختيار. فهذه التيارات كثيرا ما تبدي حساسية مفرطة من أحكام الشريعة الإسلامية، لا سيما فيما يتعلق منها بقضايا الأحوال الشخصية والحريات الفردية. أما على الصعيد الدولي وهو ما أشرنا إليه أعلاه بـ’الخارج’، فيظهر اليوم أكثر من أي وقت مضى أكثر البيئات نفورا وعداء لمبدأ قيام دول عربية أو إسلامية على أسس دينية، يمثل تطبيق الشريعة الإسلامية أحد مقوماتها الأساسية. وعليه فهذه التجربة تعزز مبدئيا دعوة هذه الحركات إلى مراجعة خياراتها، والكف عن الرهان عن الدولة وافتكاكها، صداما وتشابكا وانقلابا، كثيرا ما تدفع فيه أثمان باهظة، والأفدح منه أنه ينتهي بهذه الحركات غالبا إلى مآلات كارثية، على المستوى الجماعي والفردي. واعتبر الباحث والاكاديمي السوداني الدكتور عبد الوهاب الأفندي في مقدمته أن ‘الدراسة والخلاصات التي توصلت إليها، وما حاولت أن تبصر به من تعقيدات الحالة التركية، تصلح لتصحيح بعض الأفكار الشائعة عن تركيا وتاريخها وحاضرها، كما تحدد العبر التي يمكن أن تستقى من هذه التجربة. ولكن الدراسة من جهة أخرى تطرح أسئلة جديدة تحتاج بدورها إلى مزيد التعمق في استجلاء حقيقة هذه التجربة وعبرها’. كما أثار الكتاب تساؤلا بشأن حدود اعتبار الحالة التركية القائمة نتاجاً للتوجهات الديمقراطية للنخبة العلمانية في تركيا. ويعتبر الأفندي أن الدراسة توحي بأن التجربة التركية هي ثمرة نضج ديمقراطي ساهمت فيه النخبة العلمانية التي تدرجت بالبلاد نحو الديمقراطية، وأيضاً النخبة ‘الإسلامية’ التي ابتعدت عن العنف وتقيدت بقواعد اللعبة السياسية. ومما لا شك فيه أن النخبة العلمانية في تركيا قد أظهرت قدراً من ضبط النفس تجاه خصومها الإسلاميين لم نشهد مثله من النخب العربية.

ويعتبر الكاتب أنه في ظل ‘المأزق التاريخي’ الذي تواجهه الكثير من الحركات الإسلامية في العالم العربي، يتراءى ‘الأنموذج التركي’ اليوم كفرصة تاريخية يجب التوقف عندها، لإعادة رسم هذه العلاقة المتوترة بين أهم مكونات المجتمع في العالم العربي، وهي النخبة الحاكمة من جهة والنخبة العلمانية من جهة ثانية، والتيار الإسلامي من جهة ثالثة. وتوصلت الدراسة الى ان كل من يتوقف عند مسارات التجربة التركية وما هي بصدده، يدرك أن ما وصلت إليه هذه التجربة اليوم هو مسار تاريخي واجتماعي وسياسي وثقافي طويل، مرت به تركيا عبر عقود. كما واستفادت وحاولت تركيا الاندراج ‘الكامل’ في أفق التحديث على جميع المستويات، وذهبت في هذه العملية التحديثية أشواطا بعيدة، مدافعة عنها بكل قوة، وفي الوقت نفسه لم تكن لتقطع مع تراث البلاد الطويل والثري. واشارت الدراسة الى تميز التجربة التركية بتقديم رؤية مختلفة لعلاقة الدين بالدولة، على امتداد مسار التجربة وتحولاتها. وكشفت تجربة ‘الإسلام السياسي’ في تركيا أنه يمكن لأحزاب بخلفيات ‘إسلامية’ أن تكون أداة للتحول الديمقراطي، وليس إجهاضا له. وبينت التجربة التركية من ثمة قابلية واستعداد ‘الإسلاميين’ لأن يكونوا مساهمين في عملية التحول الديمقراطي، وترسيخ قيم التعددية والتسامح، إذا ما أتيحت لهم فرصة الاندراج والمشاركة في العملية السياسية بشكل حقيقي وجاد. وفي النهاية فان النظر إلى التجربة التركية، يجعلنا لا نستسلم لمقولة أن العالم العربي سيظل وسيبقى خارج إطار الحداثة والنهوض، وأن مجتمعاته ومنظوماته عصية على التحديث بزعم أنها مجتمعات يمثل فيها الدين (الإسلام) بعدا أساسيا في حياة الناس.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية