الناصرة- “القدس العربي”: يقول مركز دراسات للشؤون الإسرائيلية إن حكومة نتنياهو تستغل الانتخابات ليس فقط لتحقيق غايات انتخابية فحسب إنما تعمل على التطبيع مع المواطنين العرب الفلسطينيين (18%) وعلى محاولة ترويضهم سياسيا.
ويوضح تقرير صادر عن المركز الفلسطيني للشؤون الإسرائيلية (مدار) أنه للوهلة الأولى، قد تبدو الحملة الانتخابية المركزة التي يوجهها بنيامين نتنياهو ومن بعده بقية أحزاب اليمين واليسار الإسرائيلية على حد سواء، للمجتمع العربي الفلسطيني في الداخل، ساذجة وعديمة الجدوى من حيث مردودها الانتخابي وحجم الأصوات الذي يمكن أن تعود به على هذه الأحزاب، إلا أنها في جوهرها، وإلى جانب المكاسب الانتخابية الحسابية والآنية، تعكس توجها مختلفا، ووعيا متزايدا بالدور والمنحى الآخذ في الاستقلال والندية الذي ينحو إليه المجتمع العربي، والبالغ ذروته في الحملة الانتخابية السابقة وقدرة القائمة المشتركة على “كنس” الأحزاب الصهيونية من جهة، ورفع نسبة التصويت لصالحها من جهة أخرى.
يستذكر التقرير امتلاك “المشتركة” قوة سياسية غير مسبوقة داخل الكنيست جعلتها القوة الثالثة من حيث الحجم، وهو ما جعلها تشكل حجر عثرة أساسيا
ويستذكر امتلاك “المشتركة” قوة سياسية غير مسبوقة داخل الكنيست جعلتها القوة الثالثة من حيث الحجم، وهو ما جعلها تشكل حجر عثرة أساسيا، ورقما صعبا، أمام مساعي نتنياهو للعودة إلى الحكم، وتشكيل حكومة تنقذ حكم اليمين وتبعد عنه شبح السجن. واليوم يبدو أن بمقدور الناخبين العرب تكرار التجربة وحرمان نتنياهو من تشكيل حكومة مستقرة من خلال مشاركتهم الواسعة في صناديق الاقتراع وزيادة تمثيلهم في البرلمان الإسرائيلي.
ويقول “مدار” إن “الاحتضان” اللافت للمجتمع العربي الفلسطيني في الداخل والسعي المحموم من قبل الأحزاب الصهيونية للتسابق على أصواته، لم يكن وليد اللحظة ولم ينشأ في الفراغ، بل تضافرت عوامل عدة داخلية وخارجية هيأت له وجعلته ممكنا، أو على الأقل مهمة جديرة بأن تنجز من قبل نتنياهو وأحزاب اليمين الإسرائيلية.
وتساءل نتنياهو بدهاء أثناء زيارته لمدينة أم الفحم قبل نحو شهرين والتي أشرف فيها على حملة التطعيم ضد كورونا للمواطن رقم مليون، والذي كان (بالصدفة البحتة) عربيا، وبالصدفة أيضا كان ذا ماض جنائي، وممن أمضوا فترة طويلة في السجن: “لماذا لا يحتضن العربي (الفلسطيني) في الداخل المواطن الإسرائيلي كما يفعل ذلك العربي في دبي؟ وبرأي “مدار” ينطوي تساؤل نتنياهو على الإجابة والمغزى في الوقت ذاته، حيث أن توقيع اتفاق التطبيع الذي قاده شخصيا مع الإمارات، وثلاث دول عربية أخرى، فتح شهيته على إعادة إحياء مفهوم “العربي الجيد” الذي يقبل بإسرائيل كما هي، بل وينبهر بها، ويتخلى عن تحفظاته تجاه سياساتها العنصرية وطبيعتها اليهودية واحتلالها للأراضي الفلسطينية وقوانينها التفضيلية لليهود، مقابل مكاسب ومنافع فردية.
ويتابع “لا يستوعب عقل نتنياهو اللاهث خلف السلطة، والمشبع بالنظرة الاستعلائية للعربي، أن العرب يمكن أن يستمروا في شق طريق مستقل وندّي أمام الإغراءات التي يقدمها لهم وتقدمها لهم دولته، وأنه يمكنه من خلال دعاية انتخابية مركزة ومكثفة، ووعود مكررة لا ينوي للحظة تنفيذها، أو من خلال بث صوره الكاريكاتورية وهو يشرب القهوة في بيت شعر بدوي قرب مدينة رهط، وأخذ بعض صور (السلفي) مع المواطنات والمواطنين العرب، أو عبر اجتماعات (زووم) مع رؤساء سلطات محلية عرب ممن يحسبون أنفسهم على الليكود، أن يخرج من تحت كم قميصه السحري، العربي “الجيد” الذي يبحث عن المتعة، وأقصى طموح لديه أن يستثمر، أو أن يسافر للسياحة في البلدان العربية التي “فتحها” نتنياهو أمامه، عربي يقبل بالمرتبة الثانية أو الثالثة في دولة اليهود صاحبة قانون القومية، ولا يجد أي رابط يربطه بما يحدث مع أشقائه خلف الخط الأخضر”.
عندما وصف نتنياهو العرب بأنهم “يهرعون” إلى صناديق الاقتراع في انتخابات 2015 كمحاولة لتهويش اليهود على العرب وحاول نزع الشرعية عن صوتهم الانتخابي، اكتشف أن تكتيكه قاد إلى نتائج عكسية وأن دعوته تلك وحالة العداء والتشكيك بشرعيتهم أدت إلى مضاعفة قوتهم وتوحيدهم، وشكلت مادة جيدة لدى قادة الجمهور العربي من أجل تحشيد الناخبين وجذبهم إلى التصويت لهم بكثافة، واستثارة مشاعرهم نحو الوحدة وتحدي محاولات تهميشهم وإلقاء أصواتهم في سلة المهملات.
مشاعر “الحب” التي يتظاهر بها نتنياهو تجاه العرب وصفتها صحيفة “معاريف“ بأنها السبب وراء إطلاق الليكود “لأكبر حملة غزل في المجتمع العربي”
وينبه “مدار” أن مشاعر “الحب” التي يتظاهر بها نتنياهو تجاه العرب وصفتها صحيفة “معاريف“ بأنها السبب وراء إطلاق الليكود “لأكبر حملة غزل في المجتمع العربي” والرامية إلى حصد مقعدين على الأقل على حساب أحزاب اليسار “التي تتقن الشعارات” لصالح نتنياهو الذي “يأتي وبيده حقائق مثبته في اللقاحات واتفاقيات السلام وخطط مواجهة الجريمة المنظمة وهو بذلك يسعى لاختراق حالة التعادل بين معسكره وبين معسكر مناهضيه”.
ويضيف “مدار“: “لا يريد نتنياهو أن يشكل حكومة تستند إلى الصوت العربي، بل الوصول إلى القوة الكامنة لدى الناخب العربي، والذي يشير الاستطلاع الذي نشرته القناة 13 العبرية إلى أن هناك ما بين 1.6 إلى 2.1 % من الجمهور العربي يمكن أن يصوت لليكود. وقالت القناة إن النائب منصور عباس رئيس القائمة العربية الموحدة فتح الباب أمام الليكود ونتنياهو في الشارع العربي، سواء في خطابه الذي يتناغم مع طرح الأحزاب الصهيونية في كون الصوت العربي لا يساوي أي وزن سياسي من موقع المعارضة والمتفرج لعدم انخراطه في اللعبة السياسية، أو بشقه للقائمة المشتركة ودخوله للانتخابات في قائمة مستقلة.
لكن مراقبين آخرين يرون بتحميل عباس فقط وزر محاولات غزو وتسلل الأحزاب الصهيونية للشارع العربي أنها تنطوي على تسطيح للواقع السياسي منوهين لوجود عوامل عميقة منها ما يرتبط بتراجع قوة ونشاط الأحزاب العربية ووضع بيضاتها في سلة البرلمان بالأساس على حساب الميدان والعمل الجماهيري والتعبئة والتثقيف.
ويرى “مدار” أن هذه القوة الانتخابية الكامنة في المجتمع العربي، والتي استطاع نتنياهو بغريزته السياسية تمييزها، وخلق الأرضية الصالحة لاستثمارها والانقضاض عليها، أعطت ما يشبه الضوء الأخضر لبقية الأحزاب الصهيونية لتجريب حظها وأخذ فرصتها، فبعد نتنياهو جاء جدعون ساعر، منافسه من اليمين والمنشق عن حزبه، الذي وضع نصب عينيه التكفل بمهمة إسقاطه، وأجرى جولة في المجتمع العربي واجتمع برؤساء سلطات محلية، ليتبعه حزب “يمينا” الذي يرأسه نفتالي بينيت والذي ذهب أبعد من ذلك، وأقام مركزا انتخابيا خاصا به في البلدات العربية، وبذلك التم شمل الأحزاب الصهيونية كافة في المجتمع العربي الذي يعاد اكتشافه من جديد.
ويقول إنه بغض النظر عن حجم الأصوات التي سيجنيها نتنياهو وبقية الأحزاب الصهيونية من المجتمع العربي، وإن كان سيستطيع تحقيق الهدف الذي حدده بالحصول على مقعدين لليكود يضمنان له الحكم من أصوات العرب، فإن ما حدث حتى الآن هو إضعاف القائمة المشتركة من خلال شقها، ما سينعكس حتما على نسبة التصويت والإقبال على صناديق الاقتراع. في المقابل هناك من يتحفظ من رؤية “مدار” هذه ويرجح ارتفاع نسبة التصويت في الشارع العربي نتيجة المنافسة الشديدة بين المشتركة والموحدة.
القوة الانتخابية الكامنة في المجتمع العربي، والتي استطاع نتنياهو بغريزته السياسية تمييزها، أعطت ما يشبه الضوء الأخضر لبقية الأحزاب الصهيونية لتجريب حظها وأخذ فرصتها
وبرأي “مدار” فإن “المشتركة” التي فشلت في الحفاظ على قوتها وتماسكها، وصون القيمة الأساسية التي جعلت الجمهور العربي يصوت لها، ستضطر إلى استنزاف جهدها ودعايتها من أجل رفع نسبة التصويت، وأن يكون هذا التصويت لها هي وليس للأحزاب الصهيونية، وهذه قفزة كبيرة إلى الخلف مقارنة بالجولة السابقة من الانتخابات، وبمثابة نجاح أولي لنتنياهو.
كما يرى أن نجاح المشتركة في المهمة الأولى برفع نسبة التصويت لن يضمن لها أن تعود إلى قوتها السابقة، وفي حال فوز القائمتين (في أحسن الأحوال) لن يعطيها ذات القوة في التأثير على تشكيلة الحكومة، أو أن تكون قوة ثالثة مانعة على ضوء خطاب منصور عباس وتوجهاته، وحالة الغزل بينه وبين نتنياهو، وهو أمر تروج له أحزاب اليمين، وتترجمه على شكل خطاب يبث شعور اللا جدوى من التصويت لقائمة (تجلس على مقعد الاحتياط) وضرورة الاستثمار انتخابيا في أحزاب منخرطة في اللعبة وقادرة على تقديم “إنجازات” أكبر على المستوى الحياتي.
ويتابع “مدار”: “لا أحد يضمن أن لا يكون لهذه الأجواء والاحتضان تأثير على مزاج الناخب العربي، والحافز لديه للتصويت لقائمة عربية فقط، أو أن يخرج إلى التصويت، أو أن لا يصوت لأحزاب صهيونية، وهذا هو جوهر ما أراده نتنياهو من خلال حملته المتواصلة والتي ستتكثف حتى يوم الانتخابات، خاصة وأن السباق على الأصوات في الوسط اليهودي شبه محسوم، ولا يشكل حلا لمعضلة حالة التساوي بين المعسكرين.
ويرى أيضا أن النجاح أعلاه قد يترجم انتخابيا بفوز نتنياهو، أو قدرة معسكر “لا نتنياهو” على تشكيل حكومة، إلا أنه لا يضمن إعادة خلق عربي “جيد” مع أنه أحدث تصدعا في قوة ووحدة خطاب الحقوق الجماعية غير المشروطة وحالة الندية، التي تتنامى في المجتمع العربي لدى الأقلية الأصلية من الفلسطينيين، سواء من يشاركون أو لا يشاركون في الانتخابات للكنيست.
كما أنه حرف النقاش من كونه موجها تجاه جهة معادية واحدة هي المؤسسة الحاكمة بكافة تلاوينها، إلى كونه جدلا داخليا منقسما على ذاته بين نهجين وتيارين، وهو ما جرى التعبير عنه مثلا على خلفية زيارة نتنياهو لتجمع بدوي في النقب والتقاط صور له وهو يحتسي فناجين قهوة الهيف والضيف والكيف العربية ويصبها لمضيفيه، والتي اعتبرها أنصار تيار القائمة العربية الموحدة إنجازا صافيا لهذا النهج تحقق خلال سبعين يوما بـ”إجبار نتنياهو على صب القهوة للعرب، بينما طرح الغير أجبر العرب على صب القهوة لنتنياهو”.
متابعة الحملات الانتخابية للأحزاب الصهيونية وتسابقها على الصوت العربي، وإن كانت تظهر على أنها تسابق انتخابي، إلا أنها في جوهرها عبارة عن محاولة لإعادة ترويض الفلسطيني العربي، ولجم حالة الندية التي يبديها والقوة السياسية التي يراكمها
وتحول هذه الصفحة إلى واحدة من حلبات السجال بين التيارين وانتقال هذا الجدل إلى الشارع وقيام البعض بطرد النائب عباس من مظاهرة أم الفحم، وهذه المظاهرة وما تبعها من مظاهرات أخرى يمكن اعتبارها واحدة من مؤشرات الوعي العميق والفطري بخطورة التوجه اليميني وعدم المراهنة على الوعود الانتخابية وإحدى علامات فشل نتنياهو.
ورغم كل ذلك شككت صحيفة “هآرتس” مبكرا في قدرة نتنياهو على كسب الصوت العربي، أو أن ينجح في إزالة الشكوك العميقة تجاهه وتجاه المؤسسة حتى في ظل الحالة الداخلية التي تعيشها والتطبيع مع دول عربية. وخلاصة القول بالنسبة لـ”مدار” فإن متابعة الحملات الانتخابية للأحزاب الصهيونية وتسابقها على الصوت العربي، وإن كانت تظهر على أنها تسابق انتخابي، إلا أنها في جوهرها عبارة عن محاولة لإعادة ترويض الفلسطيني العربي، ولجم حالة الندية التي يبديها والقوة السياسية التي يراكمها والشعارات الوطنية ومركبات الهوية التي يعبر عنها، من خلال إضعاف القائمة المشتركة، واختراق صندوق الانتخاب العربي ودعم خطاب مطلبي قادر على تحقيق مكسب آني انتخابي.
ويضيف “هو ما يعني أن هذه المعركة الانتخابية يوم الثلاثاء القريب قد تكون واحدة من علامات الطريق والمؤشرات على شكل وطبيعة العلاقة المستقبلية بين فلسطينيي الداخل، والمؤسسة الحاكمة المتجهة أكثر وأكثر نحو اليمين ونحو حصر وجودهم وحقوقهم وسقف خطابهم في الشأن اليومي والمعيشي الفردي”.
ويرجح مراقبون أن الخيارين الأكثر واقعية هذه المرة هما تشكيل نتنياهو حكومة يمينية أو الذهاب لانتخابات خامسة نتيجة تكرار حالة التعادل أما خصومه فتبدو مهمتهم في استبداله غير كبيرة بسبب خلافاتهم وطغيان صراع الأنا ورفض بعضهم أي تعاون مع النواب العرب. وهناك من لا يستبعد أن يكون مصير نتنياهو بيد النائب منصور عباس الذي تتوقع الاستطلاعات أربعة مقاعد لقائمته خاصة إذا بلغ معسكر نتنياهو حاجز الستين مقعدا فقط أو دونه، دون أغلبية الـ61 مقعدا المطلوبة لتشكيل حكومة ضيقة.