نص من أجل ضجرها:
فاروق يوسفتنسل الأشجار إلى غرفة نوم جارتي الحلوة بخفة. حين يراها المرء يشعر أنها خرجت لتوها من خزانة الملابس لتقفز الى السرير. كانت قبل لحظات نائمة وحين استيقظت اتجهت مباشرة الى الحقل لتلهو. أثر مرورها يتنفس. خطوة تليق بملك مجوسي تائه. أهكذا تؤسس الامبراطوريات؟ من النافذة، من خلال زجاجها تبدو الغابة هادئة. الحطابون يتبادلون الأحلام وأكياس الغذاء. فكرتهم عن مزاج جارتي تشعرهم بالخطر. هي ذي امرأة تميل إليها الغابة. ما معنى الفعل (تميل) هنا؟ تشتاق، تحنّ، تتعذب، تأرق، تأمل، تهوى، تقع في الحب. لها، لجارتي، ضحكة تخدع الايائل، تشق مياه الساقية مثل سمكة، ومثل سمكة تخترق المرآة وتقيم في نارها. ــ ‘تشوي الفراشات’باستثناء شجرة واحدة، الشجرة التي تلقت على جذعها قبلتها الأولى، هدية حطاب عابر، فان كل الأشجار تميل بأغصانها إليها حين تمر مسرعة. سلتها ملأى بفاكهة الله. الفتاة ــ السبب في كل هذا. لن تقرع جرسها. لم يحن بعد وقت قداسها. قداس الأموات جميعهم، القديسين النائمين في حوض البلدية، حيث يقف تمثال شعبي لباخوس. هناك حيث تجتمع كل صباح شلة من الفتية الهامشيين، أمطار المحطة الأخيرة من الرجم الخريفي. فتاة وحيدة تكفي لفضح كل ذلك اللؤم الذكوري. فشل بجناحين. ‘اركعي أيتها الحمامة’ فتركع. لا يسمي الملاك الأشياء بأسمائها. لا يعرف سوى اسم واحد. اسم واحد له دلالة، وهو الاسم الوحيد الذي يملأ صفحات القاموس. كان الفتية المشاغبون قد وجدوا في النظر إلى ملاك نائم على مصطبة خشبية مصدرا لتسليتهم. ‘يملأون ساعاتهم رملا أسود’ تقول موظفة المكتبة وهي في طريقها إلى المطعم الايطالي وسط البلدة. ــ ‘سيكون القديس اسكل شاهدا على فجوركم’. الوحوش السعيدة بطيشها، النابتة على متر من الاسمنت، يطن ذبابها المفزع. تصفق أجنحتها. لم يتأخر الوقت بعد. بلى، الصبر يكاد أن ينفد. يولد صبيان في المستشفى ليذهبوا مباشرة الى الاصطبل. هناك يتلقون الدروس الأولى التي تصنع منهم ملائكة ذهبية، تقوى ظهورها على حمل ملح التعاسة. أطنان قادمة من البحر تلهمهم الصبر. الذريعة جارتي تنظر إلى الحطابين بإشفاق. فؤادها هواء. خفيفة حتى على العاصفة. ريشة ليس إلا. مزاجها الأخضر يترفق بخطوتها. تنساب غيمتها على ثوبها المشجر. على السلم تحط من غير أن ترتقيه درجة درجة. تمسك غصنا بيدها وترفع قدمها عن غصن لتندفع بقوة إلى الأعلى. هل رأت الحطاب وهو يتبعها من الغابة إلى المكتبة؟ شعرت أنه هناك كما تشعر دائما. موجود من أجل أن تكون أنوثتها كاملة. فمها طري وثدياها يرفرفان. يخيل إليها أن دما يسيل من البيضة وتضحك. تتبع الخط الأحمر الذي ينبعث من نظرتها. دم الفلسطينيين واللبنانيين والعراقيين يقلق جارتي. ‘الدم في الشوارع’ تستعير من لوركا جملته. الخط الأحمر يذهب إلى الساقية. يجتاز سوقا للمغاربة وحديقة حجرية وبيتا قروسطيا هو جزء من أملاك الكنيسة. مزاجها الأخضر لا يكف عن الهذيان.’سترندبيرغ صنع خيال لغة لشعب صامت’. لم ترني وأنا أراقبها. جارتي الحلوة ضائعة في التاريخ. هناك في الجانب الآخر من النهر كنيسته القوطية. وصل القديس الانكليزي اسكل قبل الف سنة في قارب متهالك وقرر البقاء هنا. على هذه الأرض لم يكن هناك مسيحيون. كانوا يعبدون الطبيعة. ‘وهل هناك مسيحيون هنا الآن؟’ تضحك جارتي من غير أن تظهر أسفها. حتى اللغة ليست مسيحية. مات اسكل وطوب قديسا من قبل روما. وبنيت مدينة من أجله. كانت جارتي تحلم. ‘رأيته وقد نام على سرير من ذهب تحيط به الجماجم. هل لك معرفة بتفسير الأحلام؟’ القديس اسكل مقيم هو الآخر في المدينة التي كانت قبل مجيئه قريتين. مهاجر وهبته المسيحية حق الإقامة. تبدأ حياته من لحظة وصوله إلى الشاطئ السويدي ولكن ماذا عن حياته السابقة؟ يا حلو. لمَ تعذبني؟ حياتي السابقة تسقط في النهر. سمكة بجناحين. زهرة بأنف خنزير. صدقة لـ (الله). كنت أظن أن حياتي هناك هي المعنى كله، هي الطريق التي لا طريق سواها، حديقتي التي أنا رهين فتنتها. وإذا بأسكل يقلب الدرس. المسيحي وسط الوحوش غدا قديسا بعد مئة سنة من موته. أنفاسي تمر كل يوم بمزاجك الأخضر فتزداد نضارة. محظوظ إذ انتهي إليك. يحسدني راعي الابرشية. نعمة تنبعث من العشب الذي يغازل قدميك. أنا عطرك. أعرف أنك تناصرين المثليين ولا أعترض. انت تعرفين أنهم يثيرون غضبي. ولستُ محقاً. ‘إنهم بشر مثلنا. طبيعيون مثلنا’ تقولين لي. ‘هناك بشر طبيعيون مثلنا في العراق غير أنهم يتعرضون للقتل والمهانة’ أقول لك. تهزين رأسك. لا تناقض. أنا وأنت ندافع عن حق الحياة. سأبكي. سيبكي البراق معي. يجلس الرب على المياه. من تحته ماء ومن فوقه ماء. كنت أظن أن العراق هو الولد البكر للرب قبل المسيح؟ تضحك جارتي وتقول لي: ‘لستُ فطومة’. نوحي إذاً يا روحي نوحي. الراهبات يخرجن من المكتبة مثل طيور الدراج. ناعمات، هادئات، وديعات. ما هذا؟ أراك صامتة تتأملين المشهد المسرحي المرائي. لا أمل ولا نور. للكذب أقدام كثيرة. لا يفارق القضيب خيالهن. أسكل كان ضحية خيالهن الصامت. رجل بثياب فارس قروسطي. الرجل سبق عصره. البحار ترك سفينته على الشاطئ وفضل أن يكون منسيا. تذكرته الكنيسة بعد مئة سنة وطوبته قديسا. مات قضيبا وعاش قديسا. سأقول شيئا من أجله ومن أجلي. هناك خيال عدو. خيال لا يفرق بين الذاهب والقادم، بين السؤال والجواب، بين الصخرة والنبع. هناك جرح. الخط الأحمر الذي يسبقك، يسيل من بين قدميك ليذهب إلى الساقية. عبر النهر هناك على الضفة الأخرى كنيسته القوطية الحمراء. هناك قبره. قبر كل القديسين الموتى. رماد من عظام وابخرة من أفكار ناعمة. تلمسين حجرا تذكاريا باردا فيبكي قلبي. أغمض عيني على آجرة بابلية، جرة خزفية من سامراء، دمية سومرية وتمطر وسادتي.
تقف جارتي الحلوة هناك. على بعد مترين من الرصيف الآخر. تتكئ على سياج أحمر غامق وتنظر بخشوع إلى كنيسة سانت أكسل. بيننا النهر. بيننا الف سنة من الفراق والندم. بيننا السنونوات الأخيرة. آخر البياض الملهم بالذهاب إلى الشعر، بعده يأتي بياض النثر، حيث الثلج يمحو ما سنكتب. يمحو الغابة والحطابين وصياح الديك وسطور اول رسالة غرام وآثار أقدام القديسين الموتى وجوقة الفتية الهامشيين وموظفة المكتبة التي تمشي في اتجاه المطعم الايطالي في الثانية عشرة وخمس دقائق من ظهر كل يوم. سيكون الأحد طويلا. أحد أبيض بذراعين ضجرتين.
شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد