مزيد من الموت: جائزة أوباما للعرب!

حجم الخط
15

قدّم مسؤولو الإدارة الأمريكية في الأسبوعين الأخيرين مجموعة من التصريحات المتناقضة المتعلقة بالسياسة الخارجية لواشنطن في سوريا، على ضوء قرار ما يسمى بـ «التحالف الدولي» استهداف تنظيم «الدولة الإسلامية» في سوريا إضافة الى العراق، فبعد احتجاجات عربية وإقليمية حول أن استهداف «الدولة الإسلامية» وحدها سيفيد النظام السوري جاء تصريح لافت للرئيس الأمريكي باراك أوباما يقول إن «تنحية» بشار الأسد «تساعد في هزيمة داعش»، وهو ما جعل المحللين يعتبرون أن أوباما في طريقه الى تغيير استراتيجيته السورية التي كانت، وما تزال، محط انتقادات كبيرة من أغلب من عملوا على الملف.
غير أن الإدارة الأمريكية سارعت بعد ذلك للقول إنها لم تغيّر استراتيجيتها حول سوريا، وتبع ذلك قبل يومين تصريح لوزير الخارجية الأمريكي جون كيري يلتفّ بلاغياً حول الواقع الذي يجري على الأرض بقوله ان الضربات الجوية ضد «داعش» لن «تساعد الدكتاتور الجاثم على صدر البلاد بشار الأسد»، وفي الوقت نفسه يعيد كيري التأكيد على واقع «افتراضي» تقوم أمريكا على بيعه للعالم وللعرب يقول بوجود «خيار جديد للمعتدلين يستبعد الإرهابيين والأسد».
جاء الرد على كيري من زميله وزير الدفاع الأمريكي تشاك هيغل الذي قال في برنامج على قناة تلفزيونية أمريكية إن نظام الأسد استفاد بشكل غير مباشر من التحالف الدولي الذي شكل لمحاربة «داعش»، مؤكداً على أن «مسألة الكيفية التي سيترك الأسد من خلالها السلطة تحمل أهمية بالغة».
وأعاد روبرت فورد، الخبير الأمريكي في الشؤون السورية وسفير واشنطن السابق في دمشق نقده لسياسة أوباما السورية خلال كلمة ألقاها أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب الأمريكي مؤخرا قائلا إن «الضربات الجوية في سوريا أضرت بالمعارضة المعتدلة وقللت من مصداقيتها وأضعفت «جبهة النصرة» التي تحارب نظام الأسد»، وأشار فورد الى أن الضربات الجوية للتحالف على منطقة كانت المعارضة تحاصر قوات الأسد فيها تسببت في تمكن قوات الأسد من فك الحصار قائلا: «لقد بتنا نقوم بدور القوات الجوية للأسد».
ساهمت سياسة أوباما منذ بدء الأزمة السورية باستمرار نظام بشار الأسد، من خلال العمل على الإستنزاف والتجويع المالي والسياسي والعسكري الذي تعرّضت له المعارضة السورية الممثلة في تشكيلات الجيش السوري الحرّ، وهو ما أدى عملياً إلى تعاظم شأن تنظيمات مثل «جبهة النصرة» و»داعش»، كما أنه قدم للنظام السوري إمكانيات الإفلات من العقاب، من خلال وضع سقف استخدام السلاح الكيماوي، ثم سحب العقوبة من التداول.
وحين أصبح خطر «الدولة الإسلامية» أكبر من أن يتم تجاهله (كما تم تجاهل دماء مئات آلاف السوريين والعراقيين) وصار أمراً يمكن أن يزعج طمأنينة وأمن وسياحة الغرب، قدّم أوباما خدمته الأكبر لبشار الأسد متمثلة في قبول خطاب النظام السوري السياسي حول «الحرب على الإرهاب»، مقدّما بذلك شرعيّة مضمرة لنظام هجّر تسعة ملايين من مواطنيه، وقتل ما يتجاوز المئتي ألف منهم، وما زال يقوم بحرب إرهابية وإجرامية ضد شعبه وسكان بلاده.
وحسب اندرو تايلر، خبير الشؤون السورية في معهد بحوث الشرق الأدنى بواشنطن فإن «لا أحد يعتقد أن الرئيس أوباما يريد فعل شيء حقاً في الموضوع السوري»، أما الحديث المستمر عن «فقدان الأسد لشرعيته» وعن وجوب «تنحّيه» فهي، كما أدرك السوريون منذ سنوات، فلم يعد يشبه إلا طنينا مزعجاً لا يمكن أن يعيد طفل واحد ممن يموتون كل يوم إلى الحياة.
ما استطاعت سياسة باراك أوباما حقاً فعله هو توجيه دفّة الشرق الأوسط باتجاه عقد اتفاق نووي مع إيران (سواء نجح في ذلك أم لم ينجح)، ليؤمّن للرئيس الأمريكي مكاناً في التاريخ باعتباره الشخص الذي طبّع العلاقات مع خصم كبير للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، وطمأن إسرائيل أن لا أحد في المنطقة يمتلك صواريخ نووية غيرها، وبأوراق الاتفاق هذا مع إيران سيمسح أوباما دماء العرب التي ما تزال تسفح في كل مكان.
يبدو أن الجائزة الوحيدة التي يحتفظ بها الرئيس الأمريكي – الحائز على جائزة نوبل للسلام – للعرب هي المزيد من الحروب والخراب والموت.

رأي القدس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية