مسألةٌ لم يُلتَفت إليها كثيراً في الكتابات العربية: التماهي في القصيدة

عبدالواحد لؤلؤة
حجم الخط
3

أحسبُ أن صورة التماهي في القصيدة مسألةٌ لم يُلتَفت إليها كثيراً في الكتابات العربية. فلدينا في تراثنا الشعري الكثير من الأمثلة التي يتماهى فيها الشاعر مع فكرة أو مع شخص آخر هو المحبوب في الغالب، أو حتى مع كيان غير عاقل، كالدار مثلا أو مضارب الحيّ. فهذا قيس بن المُلوَّح يقول:

أمُرُّ على الديار ديار ليلى / أقَبِّل ذا الجدارَ وذا الجدارا
وما حُبُّ الديار شغَفنَ قلبي / ولكن حبّ من سَكن الديارا

فالشاعر هنا «يتماهى» مع الديار أي يتواصل معها كأنه يتواصل مع «من سكن الديارا».
وفي شعرنا الحديث لا أجد الكثير من الأمثلة التي يتماهى فيها الشاعر إلاّ مع المحبوب وذلك إيماءً ومن وراء حجاب، خِشيةَ أن «يُفتضَح» اسم المحبوبة في مجتمع ذكوري مُغرِق في النفاق، لذلك كانت الإشارة إلى المحبوب بصيغة المُذكَّر، وكأن الناس قد نسيت كلام الشيخ محي الدين ابن العربي الذي كان يتساءل مستنكراً:

متى جاء تحريمُ الهوى عن مُحمّدٍ / وهل مَنعُهُ في مُحكَمِ الذِّكرِ واردُ؟

ولا يوجد في شعرنا الحديث الكثير ممن لديه الشجاعة والصراحة ما لدى الكبير نزار قباني ليقول:

يُشاع في قريتنا / أنتِ التي أرجِّحُ
إشاعةٌ أنا لها / مُروِّجٌ مُسَبِّحُ
وأدّعيها بفمٍ / يملأه ُالتبجُّحُ

الشاعر هنا «يتماهى» مع المحبوبة ويُظهِرُها للعيان من دون تبذّل أو مرذول الكلام.
وإذا كان التماهي في الشعر غالبا ًمع المحبوب، ذكراً كان أو أنثى، فأنا لا أجد في الشعر الحديث كثيراً من أمثلة التماهي مع الأفكار أو القيَم العليا أو الكيانات غير العاقلة، مثل الديار، بل أجد مثالاً نادراً من تماهي الشاعر العاشق مع الوطن، بحيث يبدو للوهلة الأولى أن القصيدة تخاطب المحبوب الإنسان الحي، ولكن سرعان ما نرى أن المخاطَب هو الوطن، وأن الشاعر/ الشاعرة إنما تتماهى مع الوطن- الحبيب .
أجد ذلك في قصيدة بعنوان «أُقَبِّلُ كفّ العراق» للشاعرة العراقية المعاصرة دكتورة بشرى البستاني، الأستاذة بجامعة الموصل بالعراق. والقصيدة ليست طويلة، لذلك لا يمكن الاقتطاف منها لكي تعبِّر بالشكل المطلوب عن صورة التماهي بين المتكلم والمخاطَب، أي بين الشاعرة والوطن- العراق.

لأنّ هَواكَ يمدّ بِساطَ نعيمٍ بروحي،/ ويُجلِسُ كلَّ صِغار مَحلَّتنا،/ ويَحضِنُ كلَّ المُجازينَ من جَبَهات القتالْ…/ مَدَدتُ لكفِّك كَفّي،/ فأشرقَ غُصنُ المَحالْ .

بداية القصيدة بهذا الشكل لا تترك مجالاً للشك بأنها قصيدة حُب. ونتساءل: هل المخاطَب هو أحَد «المُجازينَ من جبهات القتال»؟ أي هل هو الحبيب الذي كان غائباً في جبهات القتال وعاد في إجازةٍ قصيرة ليعاود الرجوع إلى جبهات القتال؟ هنا إيحاء بجوٍّ حزين هو جوّ الحرب العراقية-الإيرانية، وعندما تمدّ العاشقة كفّها لكفّ الحبيب العائد يُشرق غصنُ المحال، أي يلتمع الأمل بعودة الحبيب سالماً كما تورق الغصون بعد غياب الزهر. وهذه ذروة التماهي بين الشاعرة- العاشقة والمحبوب. ويتضح سبب الإيحاء بالجو الحزين من المقطع اللاحق:
لأن الذين احتوى قلبُهم باسقاتِ العراق/ فرَوَّوا صداه دمأً،/ ثم غابوا…/ يجيئون كل مساءٍ لسَرحةِ قلبي/ يُدثِّرهم دفءُ حُبي…/ وعَبر بساتينِ روحي يفوحون عِطرا…/ وعَبر هواك يَهلّون فخرا…/ وفي ظل عينيك نشكو لواعج هذا الوثاق…/ ونقبل وجد الفراق.

الآن ازداد وضوح التماهي بين الشاعرة-العاشقة وبين المحبوب- الوطن. وضمير المخاطَب المذكَّر المُفرد يكثِّف التداخل بين الحبيب والوطن.

لأن هواك يُجرِّح روحي/ ويجعلُ كلّ البلاد بلادي/ وكلّ السماء مِظلّةَ حُبّي/ وكلّ اللواعج زادي./ لأن هواكَ يقرِّبني من ذُرى المجد،/ من ألَقِ الوجدِ/ ألقيتُ أسلحتي،/ واستُبيحَتْ جُروحي.

هنا إيحاء خفيف بالدفاع عن تهمة محتملة بأن الشاعرة العاشقة يقتصر حبُّها على وطنها وحدَه. لكنها تسارع إلى القول للحبيب-الوطن إن «كلّ البلاد بلادي» لا أريد لها أن تُقاسي من ويلات الحروب، ولا أريد لعشّاقها أن يقبلوا «وَجدَ الفراق» لأن هواكَ «يقرِّبني من ذرى المجد» ومن ألَقِ الوجد، وفضّلتُ الحُب على الحرب، و«القيتُ أسلحتي، فطمع فيّ الطامعون واستُبيحت جروحي». هذا ليس خوفا من الحرب بل تفضيلاً للحب الذي يُقرِّب من ذُرى المجد.

لأن هَواكَ يجيء بُعَيدَ الغياب/ صَبِيّاً/ يُخبِّىءُ نعناع (سرسنك) في جانِحيه،/ فيُشعِل لَيلي،/ ويصرعُ كلَّ عصافير بيتي/ ويوقظُ وَردي/ أجيئُك كلَّ صباحٍ،/ وكلَّ مساء/ أُقَبِّل كفّ العراق…/ أُسَرِّح شَعرَ العراق…/ أضُمُّ هواه بقلبي، وأُشعِلُ ناري/ وأنتظر الجولة التالية.

ما يزال الخطابُ موجَّهاً من الشاعرة-العاشقة إلى المحبوب، لكي لا ننسى أن هذه قصيدة حُب، موجّهةً إلى عائد من الجبهة في إجازةٍ قصيرة، فيبقى الكلام في حدود المألوف العادي، لا في «مبالغات» الشعراء العشّاق، فيغدو كلاماً مقبولاً. ولكنه لا يُخفي طويلاً ما وراءه من أن الحبيب المقصود هو العراق. ويسارع المقطع الأخير من القصيدة في إثبات هذا القول:

لأنّك أنتَ العراق…/ لأن البساتين َ-آمنةً – بين كفّيك/ تغفو./ لأنّكً تَفتحُ لي شُرُفاتِ الجِنان…/ توسّدتُ في الفجر زَندَكَ/ واشتعلَ الأرجوان.

هكذا تتوسّد العاشقة ذراع المحبوب لتنعم بنوم المحبّين- حب الوطن.
أرجو أنني استطعتُ أن أُبيِّن في هذا التحليل لقصيدة «أُقَبِّلُ كفَّ العراق» أن شعر الحب يمكن أن يتماهى مع المحبوب الإنسان الذي هو في الوقت نفسه محبوب سواه مثل الوطن في هذه القصيدة، وقد يكون شيئاً آخر مثل المال أو المعرفة أو غير ذلك. ولكن قصائد الحب التي تسمو عن المشاعر الشخصية وترتفع إلى آفاق أعلى هي التي تشكِّل النقيض من قصائد الحب التي تدور حول الذات، أو التي تتعلق بشخصية فانية، امرأةً كانت أو رجلا، ومن هذا الشعر الكثير الدارج وأغلبه ينحدر إلى السوقي والمبتذل.
وكلمة الحب وصفاته في تراث الشعر العربي لا مثيل لها في الآداب الأوروبية التي تستعمل كلمة الحب في صيغتها الفعلية بشكل غير محدّد المعالم. فهي تستعمل في وصف شعور الأب نحو أبنائه كما تستعمل في وصف شعور المرء نحو نوع من الطعام أو الشوكولاته أو المثلجات.
ولا أحسب أن مفهوم الحب واضحاً للقارئ الأوروبي عموماً، في شعر المتنبي مثلا، في وصف شعوره تجاه سيف الدولة:

«مالي أُكتِّم حُبّاً قد برى جسدي/ وتدّعي حُبَّ سيف الدولةِ الأُمَمُ».
كما أحسب أنه من شبه المستحيل على العقل الأوروبي والغربي عموما إدراك معنى الحب في شعر رابعة العدوية:

أحِبُّك حُبَّين: حُبَّ الهوى / وحُبّاً لأنكَ أهلٌ لذاكا
فأما الذي هو حُب الهوى / فشغلٌ بذكرك عمن سواكا
وأما الذي أنت أهلٌ له / فكشفُكَ للسرِّ حتى أراكا

وبين هذا المستوى من الحب وبين حب الوطن نقرأ من قصائد بشرى البستاني الكثير مما يتماهى فيه المُحب مع المحبوب-الوطن.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية