مسألة الأسماء مسألة

حجم الخط
0

صباح زوين، أقلّه بالنسبة إليّ، وخصوصاً من حيث جمالها أو قبحها أو رنّتها وتأثيرها علي الأذن. وعلي الرغم من ذلك، لم أفكّر كثيراً في حياتي في اسمي، بل اتخذته كأمر واقع، كجزء لا يتجزأ من كياني أو جسدي أو روحي، فلا فرق. كان إسمي دائماً ولا يزال رنّة تتكوّن من أربعة أحرف بالعربية، ومن خمسة أحرف بالأجنبية اللاتينية، كان ولا يزال ظلاًّ لوجودي أو نسخة له أو واحداً أحداً لا ينفصل عن جلدي.

إذن لم أفكّر يوماً إن كان اسمي جميلاً أم لا، إن كان يلائم ذوقي أم لا، خلافاً لِما يفعل البعض، علي قلّتهم، من تغييره، فيتبنّون اسماً مستعاراً او اسماً فنياً وصولاً الي استبداله رسمياً في دوائر الدولة الرسمية كما يحصل في بعض بلدان الغرب. عرفت في صغري فتاةً أرمنية لبنانية كان اسمها زاروهي أو زاروك فاقتبست كلود اسماً لها ولم يعد احد يعرفها او يناديها سوي بكلود، علماً بأن اسمها الأصلي يعني ظريفة، كذلك عرفتُ فتاة اخري من الارمن ايضاً اسمها كوهار (جوهرة) اتخذت لنفسها اسم جولييت.

أتوقف عند هذا فحسب اذ كان قصدي اعطاء مثالٍ وليس التبحّر في عدد الاسماء المستعارة واسباب اللجوء اليها، دون ان ننسي بالمناسبة بعضاً من العرب ممن غيّر اسمه والدوافع كثيرة، احياناً خاصة واحياناً اخري اجتماعية. وعودة الي اسمي حيث لي حرية انتقاده او تناوله كما اشاء، وهو اصلاً جوهر تساؤلي، عودة إليه اذن وعلي الرغم من اني، كما اسلفتُ، لم اشعر يوماً بحرجٍ بسببه، او لم اشعر بحاجة استبداله، فيأتي احياناً الي ذهني، اتذكّره، وافكّر انه خشن بالنسبة لفتاة، وانه قاس، وان هذه الصاد غير انثوية خصوصاً وانها مربوطة بتلك الحاء في نهاية الكلمة، والحاء جافة وقاحلة، وربما لهذا السبب كنت ولا ازال، وذلك منذ ان بدأت حياتي في المجال العام، في النشر وما شابه، اي منذ عقدين الي اليوم، استلم رسائل او كتباً مهداة الي الشاعر صباح زوين او الي الاستاذ صباح زوين، ممّن لا يعرفني سوي من خلال الإسم.

إذاً في هكذا احيان ولو قليلة، أتضايق من اسمي واتساءل لماذا ألصقوه بي! وآخذ أحلم وأتمنّي لو كان إسمي اسمهان! اولاً لأني احبّ كثيراً رنّة هذا الاسم ومزيج احرفه الرومنطيقي والموسيقي ولم استطع يوماً ان حب اسماً آخر لي، وثانياً لأني احبّ اسمهان الاطرش ليس فقط في صوتها انما ايضاً في مأسوية نظرتها وانا ميّالة الي المأسوية.

ثم أتت احداث 11 أيلول، وأخذت أندب حظّي بسبب إسمي واخذت ارسل ايمايلاتيemail الي شقيقتي واقول لها اني احسدها، وليتني احمل اسماً اجنبياً كإسمها، واني كيف سأزورها حيث هي مقيمة في الغرب وأراني أصل الي حــــدود ذلك البلا الأمــنية بهذا الإسم! وفي تلك الفتـرة ذاتهـا وكنا جميعنا ندور في حديثنا حول احداث 11 ايلول/سبتمبر، قال لي الروائي الصديق أنت ما همّك؟! فشكلك أجنبي.

قلتُ له وماذا أفعل بإسمي؟! . ثم في الأسبوع ذاته ويا لها من صدفة، قال لي المحلل السياسي الزميل أنت نيّالك، شو عبالك، شكلك مثل الأجانب، وهو أيضاً جاوبتُه وماذا أفعل بإسمي؟! . وكم من لغط اثار اسمي هذا، واذكر كيف اثار تعجّب احد شرطيي الامن العام في مطار اوروبي! فنظر الي اسمي ونظر الي وجهي، واهلكته الدهشة، ولم يفهم كيف الربط بين اسمي وشكلي.

لكني لم ألبث أن عدتُ الي صوابي والي هدوئي، وفي إيمــايل آخر الي شقيــقتي، قلت: في اي حال، اقــول لك اني افضّل الف مرّة اسم صـــــباح علي الاسمــــــاء البلـــيدة، واشكر ربّي انـي لستُ لا ماري ـ روز ولا ميمو الأمّورة، ولا حنّونة، ولا عواطف ولا مارغوريت ألخ! فبين صباح وماري ـ روز، اختار طبعاً صباح، لكن بين صباح واسمهان، اختار الثاني. لكن في النهاية اعتقد انه كان عليّ ان اكون صباح فحســـــب، وللإسم صـــــلة عميقة بما ينتجه صاحبه، ولا بدّ إذاً ان يكون اسمــــي صباح، فهو اســــم غير مائع وغير باهت. إنه اسم صلد وصلب كأحرفه، ومضيء ومضاء وواضح كالشمــــس، وغبِش كالفجر، ونديّ وطـــــريّ كالنــدي الصباحي، انه العتــــبة، انه البداية والنهــــــاية، انــه صلة الوصل بين العتمــة والنور، انه اختمار الساعات كلها، انه الجلاء والغموض معاً. قال لي مرّة شاعر لبناني كبير، كبير شعراً وتجربةً وسناً، وهو يضحك وقد أعجبتني فكرته: تصوّري لو كان اسمي زوزو بو زرزور!! هذا مستحيل! لَما كنت كتبت كل هذا الشعر. لذا كان علي اسمي ان يكون الإسم الذي أحمله فحسب! . عندما علمتُ بعرض فيلم SABAH في صالات السينما اللبنانية أسرعتُ الي مشاهدته بسبب الإسم الذي يحمله فقط. تأثّرتُ كثيراً عندما رأيتُ هذه الأحرف اللاتينية الخمسة، لأني هكذا أكتب إسمي في اللغات الاجنبية (وبالمناسبة، علي الرغم من بساطته تصويراً وتمثيلاً، فهو فيلم جيّد، معقول جداً، وأهم ما فيه، أنه عالج قصة الحب بخفّة كبيرة، وموضوع المهاجرين العرب بذكاء وفرادة، اي انه تناول هذه المسألة بعيداً عن الكليشيهات الرائجة والمقيتة)، اذن تأثّرتُ لأني هكذا أكتب إسمي بالأجنبية، لكن وبشكلٍ خاص، لأن إسمي عنوان فيلم أجنبي، ولأن البطلة اسمها SABAH في فيلم أجنبي، وأهمّ من كل شيء، لأنه إسم نادر جداً. أوَلَــــــم أحــــــبّ أيضاً بطـــــلة أحد أفلام كوستوريكا إذ كــان اسمها صباحا SABAH ؟!

قد نقول الكثـير في الأسماء، لكن ما يبقي يقيناً بعد تجاذب الأفكار هو أن إسمنا، ودون أن نـــــعلم، يكون مرآتنا وظلّنا وأنانـا المضاعفة أو الخفيّة، أنانا الحقيقية. لذا لا يمكن أن يكون إسمنا سوي ما هو عليه، ولو إني أؤمن كذلك بالأستثناءات.

شاعرة من لبنان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية