لندن – «القدس العربي»: أكد مسؤولون أمنيون أمريكيون أن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا وسع من قاعدة تأثيره إلى بلدان شمال أفريقيا وأفغانستان. مما يعني كما تقول صحيفة «نيويورك تايمز» حربا دولية جديدة ضد الإرهاب.
وتعبر تصريحات المسؤولين الأمريكيين عن ملامح استراتيجية الأمن القومي التي أعلن عنها الأسبوع الماضي وتحدثت عن حرب «مفتوحة» ضد الإرهاب وعلى جبهات عدة. وتنبع مخاوف المسؤولين الأمريكيين من واقع وصل فيه تأثير الدولة الإسلامية إلى مصر وليبيا والجزائر.
ويقدر المسؤولون الأمنيون عدد المقاتلين الأجانب في صفوف التنظيم بما بين 20.000 -31.500 مقاتل وقدمت «مئات من الجماعات المتطرفة بيعات غير رسمية» له في بلدان مثل الأردن ولبنان والسعودية وتونس واليمن، وذلك نقلا عن مسؤول أمريكي في مكافحة الإرهاب.
وكان الجنرال فينسينت أر ستيوارت مدير وكالة الإستخبارات العسكرية قد تحدث في تقييم هذا الشهر عن أن تنظيم الدولة الإسلامية «بدأ وبشكل متزايد يترك وراءه بصمات دولية».
وصادق نيكولاس راسموسن، مدير مركز مكافحة الإرهاب القومي على كلام الجنرال فينسنت في شهادة له الأسبوع الماضي أمام الكونغرس.
ولم يتم التعرف بعد على فاعلية هذه الجماعات وإن كانت تستفيد من ماركة تنظيم الدولة في إعادة خلق نفسها وتوسيع نفوذها.
ويخشى نقاد الحرب المفتوحة على الإرهاب أن يؤدي هذ التقييم إلى توريط الولايات المتحدة في حرب طويلة، ونزاع برؤوس عديدة مثل رؤوس أفعى الهيدرا في الوقت الذي يطالب فيه الرئيس باراك أوباما الكونغرس بتفويض لحربه ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا ومناطق أخرى.
ونقلت الصحيفة عن آدم شيف، النائب الديمقراطي عن ولاية أريزونا «أمقت فكرة كتابة صك مفتوح يبرر استخدام القوات الأمريكية في كل مكان».
وترى الصحيفة أن اتساع تأثير تنظيم الدولة الإسلامية تقف وراء الدفع الذي يقوم به البيت الأبيض لمنح باراك أوباما وخلفه السلطة لملاحقة تنظيم الدولة الإسلامية في كل مكان ينشط فيها عناصره، تماما كما فعل أوباما وسلفه جورج دبليو بوش لملاحقة القاعدة وفروعها خارج مناطق عملها المركزية في باكستان وأفغانستان ومنذ عام 2001.
وكان السكرتير الصحافي للبيت الأبيض جوش إرينست قد أخبر الصحافيين «لا نريد انطباعا لدى أحد في تنظيم الدولة الإسلامية أنهم عندما ينتقلون إلى بلد مجاور فسيكونون بمأمن من الولايات المتحدة وبعيدين عن قدراتها».
الدعوة إلى الخلافة
وكان تنظيم الدولة الإسلامية قد بدأ يجذب جماعات مقاتلة عندما أعلن أبو بكر البغدادي في حزيران/ يونيو 2014 عن «الخلافة».
ويقول خبراء مكافحة الإرهاب إن التنظيم يستخدم طريقة القاعدة وعلاقتها مع فروعها في الخارج، ولكن بدون اتباع أسلوب تنظيم القاعدة في التدقيق والتأكد من طبيعة الجماعات التي ستنضم إليها.
وسجل باحثون «هجرة» للجماعات التي كانت جزءا من القاعدة أو تعمل بالترادف معها إلى تنظيم الدولة الإسلامية الذي يعتبر اليوم أنجح والطرف المنتصر، حسب ستيفن ستالينسكي من معهد أبحاث إعلام الشرق الأوسط المعروف اختصارا «بميمري» وهو معهد يميني في واشنطن ويقوم برصد الإعلام العربي ومواقع الإنترنت.
وفي الغرب حظي التنظيم على ولاء من أمادوا كوليبالي الذي قاد هجوما الشهر الماضي على متجر يهودي في باريس، وفي الأسبوع الماضي قتلت طائرة أمريكية بدون طيار قياديا في حركة طالبان، وهو ملا عبد الرؤوف خادم الذي قدم البيعة للبغدادي.
وينظر المحللون إلى أن بيعة ملا عبد الرؤوف ليست تعبيرا عن توسع للتنظيم بقدر ما تشير إلى خلافات داخلية في داخل حركة طالبان.
وكان المتحدث باسم تنظيم الدولة الإسلامية قد أعلن ولاية خراسان في الباكستان وأفغانستان كجزء من التنظيم وأرسل مبعوثين إلى هناك. وتشير الصحيفة إلى أن منح الصلاحيات لأوباما قد تشمل ليبيا ومصر حيث أقسمت جماعات محلية الولاء للبغدادي.
ورغم كل رسائل الولاء إلا أنه لا تتوفر أدلة حول سيطرة التنظيم على مناطق خارج قاعدته الطبيعية في سوريا والعراق. لكن صور مصريين أسرى ظهرت في مجلة التنظيم الرئيسية تشير إلى نشاط فروع له في ليبيا.
أنصار بيت المقدس
وبحسب مسؤول غربي فقد أرسل تنظيم أنصار بيت المقدس في سيناء مبعوثين إلى سوريا العام الماضي يطلبون دعما ماليا وعسكريا وكذلك مساعدة في الدعاية والنصح.
وبدا تأثر أنصار بيت المقدس بتنظيم الدولة من خلال أشرطة الفيديو التي بثها بعد عمليات قام بها ضد قوات الأمن المصري.
ويتميز التنظيم المصري بأنه خلافا لتنظيم الدولة لا يستهدف إلا قوات الأمن والجيش المصري ولم يقم بعمليات ضد المدنيين أو الأجانب ولا المسيحيين.
ولم تمنع الإجراءات القمعية التي قامت بها الحكومة في منطقة سيناء من وقف العمليات، بل أصبح «أنصار بيت المقدس» أكثر جرأة، كما برز في هجوم 29 كانون الثاني/ يناير المنسق في العريش.
وفي ليبيا القريبة أعلنت ثلاث جماعات عن ولائها للتنظيم كل واحد في ولاية من الولايات الثلاث – برقة وفزان وطرابلس.
وتمثل هذه الجماعات تحديات لمحاولات تحقيق المصالحة الوطنية في ليبيا التي تقوم بها الأمم المتحدة. ويخشى مسؤولون أوروبيون من تحول المناطق الليبية إلى ساحة عبور نحو مصر ومناطق شمال أفريقيا.
ويشيرون إلى تحول شرق ليبيا لساحة تدريب الجهاديين وتأمين سفرهم إلى سوريا والعراق، فيما أصبح الشرق الليبي منطقة آمنة للتخطيط وشن هجمات ضد مصر.
وكانت السفيرة الأمريكية في ليبيا قد كتبت تغريدة على «تويتر»، «هل يمكن لليبيا المقسمة تحمل داعش».
ولوحظ أن الجماعة الطرابلسية هي الأنشط عندما قامت بهجوم على فندق كورنيثا وقتلت 8 أشخاص منهم المتعهد الأمني ديفيد بيري.
وبحسب فردريك ويهري من معهد كارنيجي الذي زار ليبيا في الآونة الأخيرة «إنه نزاع حقيقي» مشيرا إلى أن «رجال الدولة الإسلامية يحاولون السيطرة على أراض».
توسع في ليبيا
وحظي تمدد التنظيم إلى ليبيا باهتمام الباحثين ففي مقال نشره معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى وأعده اندرو إينجل عن الخطر الذي يمثله التنظيم على ليبيا وأشار إلى زيارة السفير الليبي السابق في الإمارات العربية المتحدة والمنسق الرئيسي السابق لـ «مجموعة الاستقرار الليبية»، عارف علي النايض لواشنطن في شهر شباط/ فبراير الحالي لمناقشة نشاط تنظيم الدولة الإسلامية في بلاده.
وحذر من مخاطر توسع التنظيم على أمن أوروبا. وتتناقض مخاوف النايض مع تقييمات الحكومة الأمريكية بشأن نشاط وحضور تنظيم الدولة في ليبيا إذ يعتقد بعض مسؤولي الاستخبارات الأمريكيين أن المسؤول الليبي قد يكون مبالغاً في تقديراته. لكن هذا لا يعني عدم وجود نشاط للتنظيم فقد كثف حضوره المادي والإعلامي بشكل ملحوظ في ليبيا، منذ أن أعلن «مجلس شورى شباب الإسلام» في مدينة درنة مبايعته للجماعة في شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وبعد ذلك اعترف زعيم تنظيم «الدولة الإسلامية» أبو بكر البغدادي بانضمام «أقاليم» برقة وطرابلس وفزان الليبية إلى «الخلافة» التي ينسبها إلى نفسه.
وفي الوقت نفسه قام داعمو التنظيم الناشطون على شبكة الإنترنت بالدعوة لتجنيد أعضاء جدد بصورة مكثفة وأخذوا يروجون له في ليبيا، وهو ما يؤشر لاستراتيجية جديدة في شمال أفريقيا.
ويقول إينجل إن النايض الذي ينتمي لحكومة طبرق المعادية للإسلاميين في طرابلس من مصلحته تضخيم الخطر الذين يشكلونه ـ كما فعلت «عملية الكرامة» بقيادة اللواء خليفة حفتر، وهي حملة تشن هجموما على المتطرفين والإسلاميين السياسيين وتضعهم في سلة واحدة.
وفي المقابل يقلل خصوم «مجلس النواب» في طرابلس – وهم «المؤتمر الوطني العام» الذي يقع تحت سيطرة الثوريين والميليشيا المعروفة بـ «عملية فجر ليبيا» من أهمية هذا الخطر.
ولهذا يرى الكاتب أن اقتناع الدول الغربية بخطر تنظيم الدولة في ليبيا سيدفعها للتدخل نيابة عن اللاعبين في المسرح الليبي اليوم.
نشاط
ومع ذلك فهناك إشارات عن حضوره في مدن بنغازي وسرت وطرابلس وأجزاء من جنوب ليبيا فيما تنشط مكاتب تنظيم الدولة الإعلامية في برقة وطرابلس حيث تغطي نشاطات مثل «الحسبة» و «الدعوة».
وفي برقة قدم التنظيم تقارير عن أنشطة «الحسبة» وحرق علب السجائر وكسر النراجيل وهدم التماثيل والأضرح والمقامات وإجبار أصحاب المصالح التجارية التوقف عن التجارة والصلاة.
وتخللت أنشطة «الدعوة» توزيع الإرشادات الطبية في برقة وتقديم المساعدة العامة للمحتاجين والحلوى والهدايا للأطفال في بنغازي. وفي برقة قام التنظيم بإعدام صحافيين تونسيين.
وركز أتباع تنظيم الدولة نشاطاتهم ضد ما يكن تسميتها بالصحوات الليبية، وهي قوات غير نظامية تحارب إلى جانب الجنرال حفتر.
وتشكلت «الصحوات الليبية» على الأرجح كقوة لمكافحة التمرد موازية لـ «عملية الكرامة» بعد أن أبعد «تنظيم أنصار الشريعة في ليبيا» وحلفاؤه اللواء حفتر من بنغازي في تموز/ يوليو 2014 وأصبحت «الصحوات» معروفة جيداً خلال الهجوم المضاد الذي وقع في تشرين الأول/أكتوبر 2014.
يصفها الكاتب الجهادي أبو معاذ البرقاوي بـ «صحوات الكفر». واستفاد التنظيم من الهدوء في العاصمة طرابلس وعزز من نشاطاته الدعوية ونظم لقاءات التعارف ووزع الأموال النقدية والألبسة.
ومع كل هذا فقد تبنى التنظيم سلسلة من الهجمات استهدفت رموزاً أجنبية، بما فيها مبنى أمني دبلوماسي والسفارة الجزائرية وفندق كورنثيا.
أنصار الشريعة
واللافت للنظر أن الدينامية التي حصلت في سوريا من انضمام أفراد من جبهة النصرة إلى تنظيم الدولة تحدث في ليبيا، فتنظيم انصار الشريعة المصنف على أنه جزء من القاعدة ينظر إليه كجزء من تنظيم الدولة على الأقل في النشرات الإعلامية والمقالات التي يكتبها جهاديون في التنظيم.
ويلعب النموذج السوري- العراقي دورا في النقاش حول وصول التنظيم إلى ليبيا حيث يرى منظر جهادي أن ليبيا هي «البوابة الاستراتيجية لـ «الدولة الإسلامية» «خاصة أنها تطل على البحر والصحراء والجبال، مصر والسودان وتشاد والنيجر والجزائر وتونس».
ويرى آخر أن توسع تنظيم الدولة في ليبيا سيخفف من الضغوط على التنظييم في العراق والشام، وستكون السيطرة على ليبيا تعويضا عن خسارة اليمن للحوثيين.
وفي إطار آخر قد يعمل التوسع على التعاون مع «ولاية» سيناء وتشكيل «جبهة غربية ستلتقي مع إخوانهم في أنصار بيت المقدس»، «وربما قدر الله لهم أن يكونوا بوابة تحرير فلسطين الغربية».
إذاعات في سرت
وفي هذا السياق كتب مارك ويليس من طرابلس تقريرا تحدث فيه عن سيطرة تنظيم الدولة على محطتين للإذاعة في مدينة سيرت مما يعبر عن قوة جديدة له في ليبيا.
وتحدث ويليس مراسل موقع «ميدل إيست آي» مع أحد سكان المدينة والذي قال «بعد صلاة الجمعة بدأوا بالوعظ عبر الراديو وقالوا إن المسلمين عليهم واجب الجهاد في الخارج»، كما تم بث بيانات من أبو بكر البغدادي عبر الإذاعة.
ويقول ويليس إن التنظيم يدير مزرعتين تعودان إلى وزير التعليم في عهد القذافي أحمد إبراهيم.
ونفت السلطات المحلية أن يكون للتنظيم حضور في المنطقة.
ويقول ويليس إن سيطرة المقاتلين على الإذاعة هو التحرك الثاني الكبير في سرت، فقبل أسابيع تحركت قواتهم واحتلت بلدة النوفلية الصغيرة التي تبعد 130 كيلو مترا عن سرت واعتبروها جزءا من الدولة الإسلامية.
وقال مواطن إن 50 عربة دخلت البلدة من الصحراء وعليها الراية السوداء «ويشعر الناس بالخوف وظلوا في منازلهم، وكل واحد خائف من داعش».
وقام أفراد «داعش» بتوزيع أوراق على عناصر الجيش والشرطة في البلدة وطلب منهم التبرؤ من الحكومة والاستقالة من مناصبهم، وأي شخص يمتنع عن التوقيع خلال 72 ساعة قد يواجه الموت، مما دعا بعدد من الضباط للهرب. وسيطر مقاتلو التنظيم على شوارع البلدة وبدأوا يطلبون من النساء إرتداء النقاب.
وقال مواطن أن عددا من المقاتلين جاءوا من اليمن وآخرون يتحدثون بعربية فقيرة، مما يؤكد أنهم جاءوا من الخارج. وسيطر المقاتلون على مجمعين كان يسكن فيهما فريق طبي من أوكرانيا والهند.
وليس لتنظيم أنصار الشريعة حضور قوي في النوفلية. وكان مسؤول التنظيم فيها قد عاد من سوريا قبل 10 أيام من سيطرة تنظيم الدولة عليها.
وقال رعاة ماشية وجمال أنهم شاهدوا تحركات للتنظيم في الصحراء قرب المنشآت النفطية، حيث يعتقد الكثير من السكان أن تنظيم الدولة يرغب في السيطرة عليها.
ومن خلال سيطرتهم على النوفلية وسرت سيتحكمون بالطريق السريع من غرب ليبيا إلى الموانئ النفطية الثلاث الكبرى.
ويقول مسؤول محلي «نعتقد أن داعش يريد استهداف النفط للحصول على المال حيث يقوم ببيعه في السوق السوداء ويشتري السلاح» وقد «جاءوا من الخلف، من الصحراء».
وكان تنظيم الدولة قد شن هجوما على حقل مبروك النفطي وقتل تسعة حراس واختطف ثلاثة عمال فلبينيين. وذكرت مجلة التنظيم الرسمية «دابق» في عددها الأخير عددا من عملياته في ليبيا.
qal
إبراهيم درويش