مسؤوليات الأزمة الفلسطينية
د. بشير موسي نافع مسؤوليات الأزمة الفلسطينية ثمة حزن متزايد في المنطقة العربية والإسلامية تجاه ما تشهده الساحة الفلسطينية، حزن تستشعره في نشرات الأنباء، في افتتاحيات الصحف، وفي تعليقات قادة الرأي العام. ولا تخفي، في المقابل، سخرية المعسكر الإسرائيلي وحلفائه. والسبب في الحالتين واضح وبسيط. فلعدة أيام خلال الإسبوع الماضي، بدا وكأن التأزم الفلسطيني السياسي ينحدر نحو الحرب الأهلية، بعد ان أصبح هذا المصطلح ثقيل الوطأة شائعاً في المجال العربي. لأيام، تناسي الفلسطينيون حرمة الدم الفلسطيني، وانطلقوا في فوضي من إطلاق النار والخطف المتبادل، الذي أسقط عشرات من الضحايا بين قتلي وجرحي. بالرغم من كل ما يقال عن بدائية العرب ووحشيتهم، من ادعاءات الأنثروبولوجيا الإمبريالية حول تقاليد سفك الدماء الشائعة في هذه المنطقة من العالم، ومن تصريحات حفنة من العرب الجدد حول عادات الرقص العربية علي الجثث، يثير هذا الموت العبثي غضب العرب وحزنهم ويؤرق ضميرهم الجمعي. كل هذا الموت اليومي في العراق ما جعل العرب يعتادون مشهد الموت؛ وليس هناك شك في ان الرأي العام العربي لن يقبل استمرار الكارثة التي تشهدها الساحة الفلسطينية. السؤال الذي يدور في المجال العربي ـ الإسلامي كله هو من المسؤول، من المسؤول عن انفجار هذا العنف وعن الدفع بالفلسطينيين إلي حافة الهاوية هذه، هل هي حماس أو فتح، هل هي التدخلات الأجنبية والإقليمية أو الدولة العبرية.كما كل الاحداث الكبري ليست هناك إجابة سهلة وبسيطة عن هذا السؤال. هناك أكثر من جهة وهناك سياق أيضاً. الجهة الأولي هي بلاشك الاحتلال، والاحتلال ليس بالمعني الآني بل الاحتلال كتاريخ ومؤسسة وسياسات. لم يشهد تاريخ الإمبرياليات احتلالاً أجنبياً بهذه البشاعة والأثر المدمر. فمنذ صيف العام السابع والستين، وعلي مر الأعوام الأربعين الماضية والفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة يرضخون تحت هيمنة عسكرية أجنبية، ليس هيمنة جيش غريب يستهدف باحتلاله تحقيق غايات استراتيجية واقتصادية وحسب، بل واقتلاع الشعب تحت الاحتلال، تدمير هويته ووجوده، ودفعه إلي الانتحار. هدد الاحتلال ويهدد حياة الفلسطينيين، معاشهم، زراعتهم وبيوتهم، صحتهم البدنية والنفسية، والفضاء الذي يتنفسون منه هواءهم. وقد حصر أهالي الضفة والقطاع في سجنين كبيرين، بحيث لا يستطيع الفلسطيني من أبناء الضفة ان يري بقية أهله من أبناء القطاع، بل لا يستطيع النفاذ من معبر السجن الوحيد إلي الجوار العربي إلا بقرار إسرائيلي، لا يعرف أحد علي وجه اليقين عند صدور القرار أو امتناعه علي أي منطق يستند. في مثل هذه الظروف، لا تستند أفعال القوي السياسية إلي السياسة بمعناها الشائع وحسب، بل وإلي ضغط حياتي ونفسي متراكم من لحظة الولادة.في الأحوال العادية، يتوازن المجتمع الفلسطيني بقوي تقليدية بالغة التأثير والقوة، من العائلة الممتدة والعشيرة، من وجهاء وأهل رأي وعلماء، ومن مفاهيم عميقة للحرمات والجوار ومسؤولية الجماعة والمجتمع عن تصرفات أفراده. في الاحوال العادية، ما ان يحدث إشكال عرضي وصغير بين صبيين في قرية أو حي ما، حتي تنهض فعاليات القرية أو الحي كلها لمحاصرة الإشكال وإيجاد حل له وتحديد حقوق أطرافه. ولكن الاحتلال قطع ويقطع أوصال المجتمع الفلسطيني، حول ويحول الجماعات الفلسطينية التقليدية إلي شظايا، وأصاب ويصيب الديناميات التاريخية للمجتمع في الصميم. ليس ذلك وحسب، بل ان الاحتلال أعطي لنفسه الحق في إقرار مشروعية من يختاره الفلسطينيون لقيادتهم وتسيير شؤونهم. وخلف نظام الاحتلال، تحركت الدولة العبرية بكل نفوذها العالمي لتفرض علي الفلسطينيين حصاراً دولياً وتجويعاً طوال العام الماضي. لا يظهر الإسرائيليون في صور جلسات الحوار الفلسطيني الداخلي، لا يجلسون علي طاولة المفاوضات المتقطعة بين فتح وحماس حول أوضاع سلطة الحكم الذاتي وتشكيل حكومة وحدة وطنية؛ ولكنهم في الحقيقة طرف رئيس في كل ما يجري علي الصعيد الفلسطيني الداخلي. الاحتلال، باختصار، هو المسؤول الأول عن الأزمة الفلسطينية وعن تفاقم الأزمة إلي مستوي الاقتتال الداخلي. وسيكون من الخطأ الفادح، عربياً وعالمياً، تجاهل المسؤولية الأكبر التي يتحملها الاحتلال.المسؤول الثاني هو القوي الغربية وسياساتها، لاسيما السياسة الامريكية. فبالنظر إلي حجم الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة للدولة العبرية، وحجم التأثير الذي تمارسه عليها؛ بالنظر إلي الموقع الذي أعطته الولايات المتحدة لنفسها والذي تحتله بالفعل في مجمل ما يعرف بالمسألة الفلسطينية وعملية السلام في الشرق الأوسط، لابد من تحميل السياسة الامريكية تجاه الفلسطينيين قسطاً كبيراً من المسؤولية تجاه تأزم الوضع الفلسطيني وتدهوره. ألم تكن الإدارة الامريكية من شجع علي عقد الانتخابات التشريعية الفلسطينية وقدمت هذه الانتخابات باعتبارها نصراً جديداً لسياسة الدمقرطة الامريكية في المنطقة؟ ولكن ما ان ظهرت نتائج الانتخابات معلنة انتصار حماس في الانتخابات، وما ان شكلت حماس الحكومة الفلسطينية، حتي فرض حصار أورو ـ أمريكي علي الفلسطينيين، حكومة وشعباً، وبدأت التحركات من كل اتجاه لإسقاط الحكومة المنتخبة وعزل القوة السياسية صاحبة الأكثرية البرلمانية عن الحكم.ولا تقل مسؤولية الدول العربية عن مسؤولية الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي. الوعود العربية بمساعدة الفلسطينيين ودعم صمودهم تبخرت، وفيما عدا قلة من العواصم العربية لم يعد مسؤولو الحكومة الفلسطينية مرحباً بهم، وسرعان ما التزم أغلب المؤسسات المالية العربية، الرسمية والخاصة، بسياسة مقاطعة الحكومة والشعب الفلسطينيين. ليس ذلك وحسب، بل ان دولاً عربية تورطت بالفعل في تأجيج حالة التدافع بين التنظيمات الفلسطينية، أو علي الأحري بين طبقة الحكم التي ولدتها اتفاقيات ومؤسسات أوسلو وبين حماس وحكومتها. ثمة عدد من الدول والمسؤولين العرب المنخرطين كلياً في محاولة إطاحة حكومة حماس وإبعاد حماس نهائياً عن الحكم، بدلاً من العمل علي توفير الأجواء الضرورية للتفاهم بين كافة الأطراف الفلسطينية وكسر الحصار الأورو ـ أمريكي.والفلسطينيون مسؤولون أيضاً. الرئيس الفلسطيني محمود عباس والمجموعة الملتفة حوله يحملون القسط الأكبر من المسؤولية. فكما اعتاد الفلسطينيون علي تجاهل رئيسهم للاعتداءات الإسرائيلية علي شعبه، والاستهتار بعذابات الشعب، نظر الرئيس إلي الحصار علي الحكومة والشعب باعتباره حصاراً علي حكم وشعب غريبين. وربما كان الأمر حتي أسوأ من ذلك؛ فهناك من الشواهد ما يشير إلي ان معسكر الرئيس رأي في الحصار فرصة للتخلص من حكومة لم تقبل قبولاً حقيقياً ومخلصاً من الرئيس والملتفين حوله. في عدد من دوائر السلطة، لم يستطع الوزراء ممارسة صلاحياتهم، وفيما يتعلق بالشأن الفلسطيني الأساسي، أي ملف القضية الوطنية، استبعدت الحكومة نهائياً عن تحركات الرئيس واتصالاته. بل منذ تسلمت حماس مقاليد الحكم قبل أقل من عام بقليل، قضي الرئيس من الوقت خارج الضفة والقطاع أكثر مما قضي وسط شعبه وجوار حكومته. ثمة دلائل لا تخفي علي ان الرئيس ومعسكره لم يقبلا قط بفوز حماس الانتخابي، وأنهم نظروا إلي هذا الفوز باعتباره حدثاً عابراً. ثمة دلائل علي ان هؤلاء ما زالوا ينظرون إلي القضية الوطنية والسلطة باعتبارهما حكراً وميراثاً خالصاً، لا باعتبارهما تكليفاً.وما ان أرسلت واشنطن بعض الإشارات الغامضة علي نيتها تشجيع عملية السلام، وبدأ الحث الإقليمي والدولي علي إطاحة الحكومة، حتي انخرط مسؤولون فلسطينيون قريبون من الرئيس ودوائر أمنية تقع تحت سلطة الرئيس المباشرة في تحضيرات خطرة لإطاحة الحكومة. السلاح الذي وفرته الولايات المتحدة وأدخل إلي الضفة والقطاع، سراً وعلناً، تسلمته قوي أمنية فلسطينية رسمية، ووزع الكثير منه علي مراكز وبيوت ومخابئ وسط الأحياء الفلسطينية. ولم يخف أحد نواياه بما يكفي لخداع الرأي العام الفلسطيني؛ فقد اتفق الجميع علي ان الهدف هو تقوية القوي المؤيدة للرئيس وجعلها في مستوي قادر علي التصدي لحماس. وسمع الفلسطينيون للمرة الاولي منذ قيام سلطة الحكم الذاتي شخصيات مؤيدة للرئيس تعد حماس بالويل والثبور وهي التي لم ترفع الصوت مرة في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية.كل محاولة لتشكيل حكومة وحدة وطنية أفشلت، أو تم التعامل معها باعتبارها تمضية للوقت. وفي ظل أجواء تصعيد واضحة طلع الرئيس الفلسطيني علي شعبه بفكرة إجراء انتخابات جديدة للمجلس التشريعي، قبل وقت طويل من انتهاء ولاية المجلس. الهدف بالطبع هو إيقاع خسارة انتخابية بحماس، وإبعادها بالتالي عن الحكم. ولكن مثل هذا السيناريو لا يمكن له ان يتحقق بدون تقويض شعبية حماس، وجعلها أضعف من القدرة علي معارضة عقد الانتخابات، وأقرب إلي الهزيمة منها إلي الفوز عند عقد الانتخابات فعلياً. التفجير المأساوي في الساحة الفلسطينية هو تفجير سياسي يخدم أهداف ومصالح جهة معينة، هي بالتأكيد معسكر الرئيس والملتفين حوله. ومسؤولية هؤلاء عن الكارثة المحدقة بالوضع الفلسطيني لا تقل عن مسؤولية الاحتلال وحلفائه.وحماس مسؤولة أيضاً؛ وهي مسؤولة بالمعني الأخلاقي، كما هي مسؤولة بالمعني السياسي. فالذي يضع نفسه في موقع الحارس للقضية الوطنية ومصالح الشعب، الذي يسعي إلي تقديم نموذج حكم ويحتل الموقع الأخلاقي الأعلي، ليس له أن يجر إلي معركة داخلية لا طائل خلفها، معركة تمزق وحدة الشعب وتحرف بوصلة الحركة الوطنية عن اتجاهها الصحيح. فتح، أبو مازن، طبقة السلطة والحكم الفلسطينية، ليست الخاسر الوحيد في هذه المواجهة، إن استمرت بوتيرتها المأساوية. حماس ستخسر هي الأخري، كما سيخسر الفلسطينيون جميعاً. وللخروج من هذه الهوة، علي حماس ان لا ترد علي استفزازات الطرف الآخر، عليها ان تظهر أمام الشعب أنها الطرف المعتدي عليه، ان تعود لالتزامها التقليدي بحرمة الدم الفلسطيني. عندما يشتبك الأهل، فإن الموقع الأصح هو موقع المظلوم لا الظالم. كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث9