مسؤولية الأمن الفلسطيني
د.إبراهيم أبراشمسؤولية الأمن الفلسطينيلا شك بأن ما يجري في قطاع غزة يشعر كل فلسطيني بالخجل بعد أن كان القطاع فخر الفلسطينيين طوال عقود من النضال والمواجهة الساخنة مع الاحتلال، هذا التوصيف السلبي لا يعود فقط لحالة الفقر والبطالة وانهيار القيم المجتمعية ولا بسبب انهيار أو شلل مؤسسات السلطة، ولا بسبب غياب القانون والنظام، ولا بسبب العسكرة العبثية للمجتمع ولا بسبب فساد النخبة ونهج الارتزاق الثوري والجهادي الذي استمرأته جماعات مسلحة طوال السنوات الماضية وخصوصا سنوات الانتفاضة ولا بسبب خطف الصحافيين الأجانب ولا بسبب الاقتتال الدامي الذي عايشته حواري وشوارع غزة قبل لقاء مكة…بل لان كل هذه الأمور تحدث في قطاع غزة المنطقة الوحيدة التي يحكمها الفلسطينيون نسبيا ما آل إليه الوضع في غزة دفع العالم إلي التشكيك بقدرة الفلسطينيين علي حكم غزة أو حتي توفير الحد الأدني من الحياة الكريمة لساكنيها وبالتالي التشكيك بأهليتهم لحكم دولة ذات سيادة في الضفة وغزة بل حتي عقلانية مطالبتهم بذلك. إن خطورة الأوضاع في مناطق السلطة وخصوصا في القطاع تكمن أيضا فيما لا تجرؤ القيادات السياسية علي البوح به وهي انهيار مؤسسة السلطة الوطنية التي راهنا عليها لتكون سلطة مؤسِسة لدولتنا العتيدة، ليحل محلها سلطات العائلات والمليشيات والتنظيمات وتجار السلاح والمخدرات، دون إنكار الجهود التي بذلها المخلصون في مراكز القرار لإصلاح حال البلد إلا أن الواقع يقول بأن الأمور ازدادت سوءا وتعقدا، فكأنه لا يكفي المواطن والوطن ما يعانيه من فقر وانفلات سياسي وانغلاق أفق المستقبل، فجاء الانفلات المُعمم ليكسر ما تبقي من قوة في ظهر المواطن وليطرح تساؤلات كبيرة وعميقة: فهل ما يسمي بالانفلات الأمني هو انفلات أفراد عاديين؟ أم هناك علاقة ما بين الانفلات الأمني والانفلات والفساد السياسي؟ هل يمكن الفصل بين حدوث الانفلات وبين محاولات فرض وصاية علي الشعب الفلسطيني تحت ذريعة عجز السلطة عن الحفاظ علي الأمن؟ هل المسؤولية تقع علي المواطن المنفلت أم علي القوي السياسية التي أوجدت خلافاتها التربة الخصبة لتَفلًَت المواطن من كل مرجعية وطنية؟ وبالتالي فهل أن ما يجري هو مجرد انفلات امني يمكن أن يُحل في ثلاثة أشهر من خلال خطة أمنية لوزارة الداخلية؟ أم أن الأمر يتعلق بتهديد للأمن القومي بأبعاده السياسية والاجتماعية والاقتصادية قبل الأمنية؟ ما يجري يؤكد بأن الانفلات موجه ومخطط له بطريقة مباشر أو غير مباشر من جهات خارجية وعلي رأسها إسرائيل لتحقيق أهداف سياسية إستراتيجية وعلي رأسها ضرب وإفشال المشروع الوطني، وإن كان البعض يعتبر قولنا هذا نوعا من هيمنة فكر المؤامرة علي نظرتنا للأمور، فنقول بان لا سياسة تخلو من تآمر وإسرائيل ليست من الغباء لتتركنا مطلقي الحرية في التصرف بما بيدنا من ارض وستكون غبية أكثر إن لم تحاول زرع وطننا بالعملاء ودعم كل عناصر الفساد والرذيلة، وما يساعدها علي ذلك هو التداخل بيننا وبين إسرائيل المفروض بالجغرافيا والسياسة والاقتصاد وبالاتفاقات الموقعة.ما يسمي بالانفلات الأمني سابق في وجوده علي تشكيل حكومة الوحدة الوطنية وحتي سابق للانتخابات التشريعية في كانون الثاني (يناير) 2006، كان عجز الحكومات المتعاقبة علي وضع حد للانفلات الأمني مفهوما بالرغم من كونها توفرت علي ما يزيد عن سبعين ألف من أفراد الأجهزة الأمنية، لان الأمر لم يكن مجرد انفلات امني داخلي بل اختراق امني بمفهوم الأمن القومي وانفلات سياسي ناتج عن وجود حركة حماس وقوي أخري خارج المؤسسات الرسمية للسلطة وهذه القوي لم تكن معنية بوجود سلطة وطنية قوية، فسياساتها قصيرة النظر أحدثت حالة تقاطع مع السياسة الإسرائيلية التي تسعي لنفس الهدف وسياسة ممارسي الانفلات. إلا إنه يفترض تغير الأمور مع وجود حكومة الوحــــدة الوطنية، وخصوصا أن هذه الحكومة بنيت علـي أساس وثيقة الوفاق الوطني. ولكن النجاح مشــــروط بتعامل الحكومة مع الموضوع في سياقه الحقيقي، أي انـه انفــــلات امني وسياسي يهدد الأمن القومي والمشروع الوطني وبالتالي فمعالجته ليست من اختصاص وزارة الداخلية فقط بل أيضـا مجلس الأمــــن القومي وكل الوزارات وعلي قاعدة الشراكة السياسية وتفاهمات وثيقة الــوفاق الوطني. عندما نقول بان الأمر يخص الأمن القومي فذلك لان هناك تداخلا ما بين سلاح المقاومة الحقيقية وسلاح الأجهزة الأمنية الملتزمة باتفاقات أوسلو وسلاح الخطف وسلاح العائلات، كما لا يمكن أن نفصل بين الانفلات بأدوات داخلية والانفلات بأدوات خارجية أو داخلية تتلقي الأوامر من الخارج (إسرائيل وغيرها)، وما يسمي بالانفلات الأمني غير منفصل عن تداعيات الاحتلال والحصار وهو أيضا غير منفصل عن الصراعات الحزبية وحتي داخل الحزب أو الفصيل الواحد، أيضا كيف يمكن التعامل مع الموضوع بوسائل أمنية بمعزل عن تفعيل دور القانون و الجهاز القضائي؟ في ظل هذه التداخلات فوزارة الداخلية وخطتها الأمنية يفترض أن تكون أداة لإستراتيجية قومية للأمن القومي،إستراتيجية لا ترتبط بأشخاص الحكومة أو عمرها، وهذا ليس نزعا للصلاحيات من يد الحكومة أو وزارة الداخلية ولكن إدراكا منا لعمق المشكلة وتعقدها.لكل ذلك يمكن القول بأن القدرة علي المعالجة الصحيحة لما يسمي بالانفلات الأمني هو اكبر من قدرة وزارة الداخلية لـــوحدها أو الحكومة لوحدها، ولن يكون للخطة كبير حظ بالنجاح إن كانت بأدوات أمنية فقط، نجاح الخطة مرهون بوجود إرادة وطنية وتكاثف كل الجهود وبمداخل سياسية وقانونية تمهد للمعالجات الأمنية العسكرية، وفي هذا السياق تأتي أهمية تضافر جهود مجلس الأمن القومي مع جهود وزارة الداخلية وكل القوي السياسية التي تملك ميليشيات مسلحة.9