لندن ـ “القدس العربي” ـ إبراهيم درويش:
يناقش فيليب غوردون من مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي وأحد مسؤولي إدارة باراك أوباما سابقاً الحاجة للدبلوماسية في التعامل مع احتجاجات غزة والملف السوري والاتفاقية النووية مع إيران. وكتب غوردون انطباعاته عن زيارة لإسرائيل الأسبوع الماضي في مقال نشرته مجلة “فورين بوليسي” وجاء فيه: “على السطح تبدو إسرائيل وكأنها تتطلع لربيع رائع” فالمقاهي في تل أبيب عامرة والاقتصاد قوي والضفة الغربية هادئة ويشعر البلد بالأمن أكثر من العقود الماضية. الا أن “المظاهر خادعة” فعلى الأفق تلوح سلسلة من المخاطر التي لو يتم التعامل معها بحذر ستهز الهدوء في لحظات سريعة. ويرى مدير الاستخبارات العسكرية السابق عاموس يالدين في لقائه مع الكاتب أن شهر أيار (مايو) ربما كان أخطر الأشهر الذي تواجه إسرائيل منذ عقود. فعلى خلاف أيار (مايو) 1967 فلا تواجه إسرائيل منظور هجوم من جيرانها ولا تعاني مثل العقود الماضية من تهديد عسكري خارجي. كل هذا لا يعني عدم التعامل مع المخاطر التي قد تنفجر في الأسابيع المقبلة.
ويقول غوردون إن التهديد الأول الذي يلوح في الأفق هي مواجهة بين إسرائيل وإيران على الأرض السورية. ويشير هنا لتدعيم إيران وجودها في سوريا بعد أن ساعدت على حماية النظام في وجه الموقف الإسرائيلي الرافض للوجود الإيراني الدائم في سوريا. وهو ما قادها إلى سلسلة من الغارات على مواقع إيرانية وفي 10 شباط (فبراير) أسقط الطيران الإسرائيلي طائرة إيرانية بدون طيار خرقت الأجواء الإسرائيلية. ويتحدث الكاتب عن غارات إسرائيل ضد قاعدة “تيفور” الجوية ومقتل عدد من الإيرانيين من الحرس الثوري. وفي 9 نيسان (إبريل) قتلت غارات جوية إسرائيلية أربعة إيرانيين بالإضافة لغارة أخرى يوم الأحد في حمص وحلب خلفت عددا من القتلى. ويعلق غوردون أنه في حالة رد إيراني منسق على هذه الهجمات من خلال هجمات صاروخية على المدن الإيرانية فمخاطر التصعيد ستكون عالية. فشرارة حرب تموز عام 2006 بدأت بهجوم على الحدود نفذه مقاتلو حزب الله واستمرت 34 يوماً وقتل فيها أكثر من 1.000 لبناني و 150 إسرائيلياً. ومنذ تلك الحرب بنى حزب الله ترسانته العسكرية، ويعتقد ان لديه أكثر من 100 ألف صاروخ طويل ومتوسط وقصير المدى. وعليه فستكون الحرب المقبلة قاتلة وتفتح المجال أمام مواجهة مباشرة بين إسرائيل وإيران.
إلغاء المعاهدة
أما التهديد الثاني فيتعلق بقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الخروج من المعاهدة النووية التي وقعها سلفه أوباما عام 2015 مع إيران. وعلى ترامب أن يقرر بحلول 12 أيار (مايو) إن كان سيبقي على الاتفاق أم يعيد فرض العقوبات على إيران بشكل يعني خروج الولايات المتحدة رسمياً منها. ويطالب ترامب الدول الأوروبية بتعديل الاتفاقية التي ترى أنها ناجعة. ولا يستبعد الكاتب وجود تنسيق أمريكي- إسرائيلي بشأن الملفات التي كشف عنها نتنياهو خاصة أن خطوته جاءت بعد لقائه وزير الخارجية مايك بومبيو ويقترح أن هناك نية أمريكية للخروج. ولو خرجت الولايات المتحدة فلن تسارع إيران لتصنيع القنبلة النووية وربما قامت بطرد المفتشين الدوليين واستأنفت تخصيب اليورانيوم وبرامج التطوير التي جمدتها في عام 2013. وهدد القادة الإيرانيون بالخروج من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية حالة قتل ترامب الاتفاقية والعودة لمستوى تخصيب اليورانيوم إلى 20% وهي خطوة باتجاه انتاج الوقود الكافي لإنتاج القنبلة النووية. ولو حصل هذا أي قتل الاتفاقية واستئناف إيران نشاطاتها النووية فعندها ستواجه إسرائيل والولايات المتحدة بخيار ترك طهران بدون إشراف أو قيود، أو توجيه ضربة عسكرية لها بنتائج مميتة.
قنبلة على الحدود
التطور الثالث هو ما يجري في غزة، فقد سئم سكانه من سنوات الحصار والعزلة والحرمان الاقتصاد والحكم البائس وبدون أمل بحياة كريمة ولهذا قرر عشرات الألوف منهم القيام بمسيرات قرب الحدود. وأطلقوا على مسيراتهم اسم “العودة” للأراضي التي طرد منها آباؤهم وأجدادهم. وجاء الرد الإسرائيلي بيد حديدية حيث قتل 40 على الأقل وجرح المئات جراء إطلاق الرصاص الحي. وتتهم إسرائيل حماس بترتيب التظاهرات لكنها مستمرة. ولو صعدت الحرب أو وصلت صواريخ حماس إلى إسرائيل فمن الصعب تخيل تكرار للحروب الثلاث الأخرى التي شنتها إسرائيل على القطاع. واستمرت آخر حرب مدة شهر وقتل فيها ألفا فلسطيني و60 إسرائيلياً. ولو تم استنساخ التظاهرات في الضفة الغربية فستزيد المخاطر لإسرائيل خاصة بوجود عامل مسمم رابع وهو افتتاح السفارة الأمريكية في إسرائيل يوم 14 أيار (مايو). ومع أن إعلان نقل السفارة نهاية العام الماضي لم يؤد إلى تظاهرات واسعة في العالم العربي لكن في المناخ الحالي قد تسير الأمور بطريقة مختلفة. فالتوقيت المتزامن مع احتفالات إسرائيل بمرور 70 عاماً على إنشائها وحقيقة حضور عدد من المسؤولين الأمريكيين الكبار- ربما ترامب منهم- ونواب في الكونغرس للاحتفال في وقت يقتل فيه الفلسطينيون في غزة برصاص الجيش الإسرائيلي سيكون استفزازاً وربما أدى لاشتعال تظاهرات في الضفة الغربية. وسيكون من الصعب السيطرةعليه نظراً لسعة الاحتجاجات الجغرافية ووجود القوات الإسرائيلية والمستوطنين في الضفة الغربية.
ويقول غوردون إن هذه القنابل الموقوتة قد لا تنفجر في أيار (مايو) الحالي بل في أي وقت بعده. ومن المطلوب والحالة هذه ان تتصرف إسرائيل بالتعاون مع شركائها الأمريكيين بالحكمة والحذر.ففي سوريا، يقول غوردون إن أفعال إسرائيل مبررة من أجل أن تمنع إيران من نشر أسلحة متقدمة وقوات قريباً من حدودها وعلى الولايات المتحدة مواصلة دعم إسرائيل على هذه الجبهة. على إيران معرفة أن أية عملية عسكرية أو هجوم إرهابي ضد أهداف إسرائيلية ستدفع الثمن الباهظ. وفي الوقت نفسه يجب على كل من إسرائيل والولايات المتحدة البحث عن طرق لتجنب التصعيد. فليس كل تنظيم شيعي في سوريا يمثل تهديداً استراتيجياً على إسرائيل. والتخلص من كل ميليشيا مسلحة هناك هدف بعيد المنال ووصفة لنزاع لا ينتهي. ويجب أن تكون أمريكا وإسرائيل والحالة وضع مجموعة من الأهداف الاستراتيجية الواقعية والخطوط الحمر التي إن اجتازتها إيران فسيتم التحرك ضدها. وعلى ترامب ونتنياهو استخدام ما لديهما من نفوذ لدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، للحد من التأثير الإيراني في سوريا. فأهداف روسيا في هذا البلد هو منع تغيير النظام والحد من وصول المتطرفين إلى السلطة والحفاظ على دورها كلاعب في المنطقة.
الحد من نشاط الإيرانيين
وقد أنجزت روسيا أهدافها بشكل عام. ويمكن لروسيا الحد من نشاط الإيرانيين على الأرض إن اختارت فعل هذا. وعلى واشنطن اتخاذ خطوة ثانية يتم من خلالها وقف التصعيد، وهي إعلان ترامب نجاح مفاوضاته مع الأوروبيين لتعديل الاتفاقية النووية ومواصلة تطبيقها. ويعلق غوردون أن المحادثات مع الأوروبيين لم تكن لتغير من طبيعة الاتفاقية التي جرى التفاوض على بنودها لمدة عامين ووافقت عليها سبع دول بما فيها إيران وصادق عليها مجلس الأمن الدولي. وكما أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في 24 نيسان (إبريل) أثناء زيارته لواشنطن فإن الدول الأوروبية مستعدة لاتخاذ قرارات من طرف واحد وتشمل عقوبات على إيران لتجاربها في مجال الأسلحة الباليستية، والتأكد من فحص التزام إيران ببنود الاتفاقية والعمل على الحد من نشاطاتها بالمنطقة والتفكير في معاهدة إضافية تعالج البنود المتعلقة بانتهاء سريان الاتفاقية. وبالتالي سيكون لدى ترامب الفرصة للزعم بأنه نجح في تغيير طبيعة الاتفاقية بسبب مهاراته التفاوضية. وترتيبات كهذه ستعمل على الحد من نشاطات إيران حالة استأنفت البرنامج، بالإضافة للدعم الدولي والرقابة على التزامها ببنود الاتفاقية. وحالة قرر ترامب تمزيقها فستؤدي لعزلة الولايات المتحدة وإسرائيل دبلوماسياً وتزيد من فرص المواجهة العسكرية في وقت تزداد فيه المخاطر. أما الوضع في غزة فيحتاج لبراعة دبلوماسية لنزع فتيله وتجنب الانفجار على الأرض الذي قد يقود لنقد دولي لإسرائيل. وهو يرى ان بعض المتظاهرين ربما كانوا من المستفزين لكنهم يشملون مدنيين لديهم مظالم وهم مستعدون للتعبير عنها رغم المخاطر التي تحف بهم.
خروج عن السيطرة
ويقول غوردون إن إسرائيل لها الحق في الدفاع عن حدودها الا أنها باستخدام القوة المفرطة تخاطر بزيادة الأحتجاجات بطريقة تخرج فيها عن السيطرة. وعلى إسرائيل العمل مع مصر لتحسين حياة السكان في القطاع. وعليها أيضاً العمل مع القوات الأمنية الفلسطينية في الضفة الغربية لتجنب اندلاع انتفاضتين داخليتين. وسيناريو كهذا، أي انتفاضة ثالثة بين ملايين الفلسطينيين هو تهديد أكبر على إسرائيل من صواريخ حماس. وتحتاج إسرائيل وأمريكا لإدارة احتفالات السفارة بنوع من الحساسية والحذر. فالقدس، على ما يبدو تخدم كعاصمة لإسرائيل ووجود السفارة الأمريكية هناك فيه منطق. لكن ترامب لا يخدم احداً بمن فيهم الإسرائيليون عندما يؤكد أنه “نزع موضوع القدس عن الطاولة” ويفشل في التأكيد على أن مستقبل المدينة مصيره المفاوضات النهائية. ففي وقت يبدو فيه منظور تحسن العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل أفضل منه في أي وقت مضى فالسماح لإيران بالظهور بمظهر حامية القدس وحرمان الفلسطينيين من عاصمتهم هو خطأ استراتيجي يرتكبه ترامب. وفي هذا الوضع المتفجر فإن آخر شيء تحتاجه المنطقة هي مشاركة ترامب في 14 أيار (مايو) وافتتاح السفارة وإعلان النصر. وتبدو إسرائيل هادئة اليوم مقارنة مع جيرانها ولكنها ستكون متواطئة لو تعاملت مع الوضع وكأنه أمر واقع. فقرارات القادة الأسرائيليين وأصدقائهم في واشنطن خلال الأشهر المقبلة ستظهر إن استمرت حالة الهدوء هذه أم لا.