لندن ـ «القدس العربي»: قال مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية مسؤول عن ملف جرائم الحرب إن عشرات الألاف من الصور التي تظهر أساليب الحكومة السورية المنظمة في التعامل مع التعذيب والقتل الجماعي صادمة ولم تر منذ الهولوكوست أثناء الحرب العالمية الثانية.
ونقل عن ستيفن راب، السفير المتجول والمسؤول عن التحقيق في جرائم الحرب ومدير قسم العدل الجنائي الدولي أنه اطلع على كمية كبيرة من الصور التي هربها منشق عسكري من داخل سوريا ويعرف باسم «قيصر» وتحدث راب عن الأدلة في المجلس الأطلنطي بواشنطن في 3 تموز/ يوليو).
وقال «هذه أدلة قوية تظهر آلة من الوحشية والموت التي لم نشهدها بصراحة منذ النازيين»، وأضاف «إذا كانت صحيحة كما يبدو فإننا نتحدث عن 10.000 شخص قتلوا وهم في السجن في الفترة ما بين 2011- 2013.وغالبية الضحايا هم من الرجال لكن هناك نسبة كبيرة من الصبيان والأطفال والنساء، وهذا صادم لي كمحقق، وقد تعودت على رؤية أدلة غير قوية».
مسؤولية روسيا
ونقل موقع «دايلي بيست» عن محقق سابق في جرائم الحرب شاهد بعض هذه الصور قوله إنها تؤشر لمسؤولية «غير مباشرة» للروس عن الجريمة. ويشير المحقق الأمريكي إلى الصور التي ظهر بعضها في كانون الثاني/ يناير حيث قام فريق من المحققين في جرائم الحرب الدولية بنشر تقرير عن «الثورة» من الصور التي حملها «قيصر» معه لخارج سوريا.
وتوصل التقرير إلى نتيجة مفادها أنها «أدلة واضحة، يمكن أن تقبل في محكمة القانون، عن تعذيب وقتل منظم لأشخاص معتقلين ارتكبتها أجهزة تابعة للحكومة السورية»، وهو ما يصل لحد جريمة حرب وجرائم ضد الإنسانية. وأعد التقرير محققون معروفون في جرائم الحرب ديفيد كرين، ديزموند دي سيلفا وجيفري نايس ودعمت المشروع بشكل جزئي حكومة قطر.
وعندما صدر التقرير انتقده وزير الخارجية سيرغي لافروف علانية وطالب بجهة مستقلة كي تقوم بالتأكد من صحة مواده.
وقال راب إن الحكومة الأمريكية انتهت من تحليلها لـ 28.000 ولا يظهر أن الصور أصلية فقط بل وتقدم صورة عن المذابح المنظمة تدين المسؤولين السوريين بمن فيهم بشار الأسد بارتكاب جرائم ضد الإنسانية حسب راب الذي واصل «حتى الآن، تدل الإشارات على أنه من المستحيل تزوير هذا النوع من المواد، وأنا شخصيا رأيت عشرات من هذه الصور للأجساد الملوية، بجراح حقيقية ولبشر حقيقيين من حجم وشكل، فهذه ليست أدلة كاذبة». وأضاف أن هذه الجثث نقلت من 24 مركز اعتقال لمركز واحد بعد تعذيب أصحابها حتى الموت وباستخدام أساليب عدة مثل الخنق والحرق، الضرب والتجويع.
هل هي إبادة؟
ويقول جوش روغين كاتب المقال إن جرائم الأسد لا تعتبر بالمعنى القانوني جريمة «إبادة» لأنها لا تستهدف محو جماعة معينة من الوجود.
ولا يعتبر الأسد أسوأ قاتل منذ النازية، فجماعة الخمير الحمر قامت بذبح الألوف أثناء حكمها في كامبوديا، ولكن أفعال الأسد تعتبر جرائم ضد الإنسانية وهي خطيرة ومروعة مثل وضع في الماضي يتطابق مع تعريف مفهوم الإبادة حسب راب.
ولكن الأسد متهم بارتكاب جرائم حرب، وباعتباره رئيس الحكومة وقائدا للجيش فهو مسؤول والحالة هذه عما ظهر في الصور التي تظهر من سياسة تعذيب وقتل المدنيين.
وكشف راب أن جزءا من أرشيف «قيصر» اطلع عليه باولو سيرجيو بنهيرو، مسؤول المفوضية الدولية المستقلة للتحقيق في سوريا في الأمم المتحدة. وكان بعض الصور التي هربها قيصر من سوريا قد عرضت على أعضاء مجلس الأمن الدولي في نيسان/ أبريل.
وعلقت سامنثا باور، سفيرة واشنطن في الأمم المتحدة «تشير هذه الصور الفظيعة التي تحمل آثار التجويع، الخنق والضرب والعرض القصير أن نظام الأسد قام بعمل منظم وواسع وكبير»، ولكن محاولات مجلس الأمن إحالة نظام الأسد لمحكمة جرائم الحرب الدولية فشلت بسبب الفيتو الروسي والصيني.
ويقول بنهيرو «من ارتكب هذه الجرائم لم يشعروا بالخوف ولم يفكروا بالنتائج، فقد وجدت الحصانة من العقاب بيتا لها في داخل الجيش العربي السوري».
روسيا تقدم العون
وشاهد شريف بسيوني الذي قاد تحقيقات الأمم المتحدة في جرائم ارتكبت في يوغسلافيا السابقة والبحرين وليبيا وأسهم في إنشاء محكمة جرائم الحرب، عددا من الصورالتي أخرجها قيصر.
وتحدث للموقع قائلا إن مسؤولي الدول الذين يقدمون العون مباشرة للجيش السوري قد يتم توجيه اتهامات لهم لأنهم اسهموا في إطالة عمر النظام. وتحديدا فقد تم ارتكاب التعذيب والقتل بشكل منظم وهو ما اكتشفه أثناء دراسته في الإتحاد السوفييتي السابق، مشيرا إلى أن هذه الصور لا تتناسب مع ثقافة الجيش السوري وأساليب التعذيب فالطريقة التي تم فيها التقاط الصور تظهر عملية منظمة، وتعبر عن ثقافة منظمة، «وهي تعكس حسب رأيي الثقافة المنتشرة في روسيا».
ويضيف أن شيئا لم يتغير على هذه الثقافة منذ انهيار الإتحاد السوفييتي، خاصة في الأجهزة التي حلت مع كي جي بي والجيش «لم يتغير الأشخاص ولا أساليبهم تغيرت».
وطبقت الأساليب السوفييتية في دول أوروبا الشرقية التي كانت جزءا من المنظومة الشيوعية ويقول بسيوني إن هذه الأساليب لا تزال حاضرة في سوريا. مشيرا للتنظيم وطريقة التقاط الصور وترقيمها وما إلى ذلك «وهو أمر لم يحدث في تاريخ سوريا ولكنه حدث في روسيا».
ويرى بسيوني أن ممارسات الجيش السوري كانت تعتمد على التعذيب، القتل والتخلص من الجثث والأدلة، مقارنة مع الأساليب السوفييتية ودول أوروبا الشرقية حيث كان كل شيء «موثقا».
وحتى لو لم يكن المستشارون الروس متورطون مباشرة في مساعدة الجيش السوري في تعذيب المعتقلين فإنه يمكن توجيه اتهامات لهم بطرق أخرى، مثل المساعدة في صيانة الطائرات، وإسقاط البراميل المتفجرة على المدنيين والتي تعتبر جريمة حرب كما يقول بسيوني، ويضم ايضا للمتهمين أعضاء في القيادة الروسية ممن كانوا يعرفون عن الجرائم.
كيف نستخدم الأدلة؟
وهناك ثلاثة طرق يمكن من خلالها استخدام الأدلة التي حملها معه «قيصر» لتوجيه اتهامات في المستقبل للأسد ومن حوله، الأولى محاولة تحويل الأسد لمحكمة جرائم الحرب الدولية، أو تشكيل محكمة خاصة للتحقيق في مذابح سوريا، أما الثالثة فستكون عبر إنشاء محكمة جرائم سورية تأخذ الأدلة وتقدم المجرمين للعدالة بعد نهاية الحرب.
ويقول بسيوني إن الأسد بصفته قائدا عاما للجيش فيمكن محاكمته بناء على القوانين التي تنظم عمل وممارسات الجيش. ويرى بسيوني أن إدارة الرئيس باراك أوباما كانت بطيئة في جمع وتوثيق والإعلان عن نتائج تحقيقها في مجموعة صور «قيصر» لأن الولايات المتحدة لا تريد مواجهة الأسد بالأدلة خشية أن يؤثر على محاولاتها التفاوض مع الأسد لوقف الحرب الأهلية.
ويرى ضرورة قيام الولايات المتحدة بالتحرك حالة وجدت أن الأدلة حقيقية وتم التحقق منها، خاصة أن هذا يضع أعباء أخلاقية وقانونية على الولايات المتحدة، فالعبء الأخلاقي فواضح، أما القانوني فمشتق من كون التعذيب هو انتهاك لميثاق منع التعذيب والذي صادقت عليه الولايات المتحدة».
والمستشفيات أيضا
ولا تقتصر جرائم النظام السوري على تعذيب السجناء بل واستهداف القطاع الصحي والمستشفيات. فقد دمر معظم النظام الصحي واستهدف العيادات الصحية، وسيارات الإسعاف، والأطباء.
ولم يبق في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة سوى عدد قليل من المؤسسات الصحية العاملة فيما اضطر الممرضون والأطباء للهرب من البلاد.
وإزاء هذا الوضع بدأت الفرق الطبية العاملة في الميدان بالإعتماد بتقنية «العلاج عن بعد» حيث يتم تصوير المريض وإرسال الصور للولايات المتحدة ودول اوروبية أخرى ويتم تشخيص المرض وتحديد أسلوب العلاج ومن ثم ترسل للأطباء الذين يقومون بعلاج وإنقاذ حياة المرضى.
فمن خلال الكاميرات «ويب» يتم التحكم بها عن بعد حيث تسمح للأطباء الذين يعيشون في الخارج المساعدة في تحديد الطريقة المناسبة لعلاج المرضى ممن هم في حالة خطيرة.
ونقلت صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» عن عبد العزيز عادل مسؤول الصحة في مناطق حلب الواقعة تحت سيطرة المعارضة «قبل عصر العلاج عن بعد مات الكثيرون بسبب القصور في العلاج وقلة الخبرة». وبدأت فكرة العلاج عن بعد العام الماضي كمبادرة من الجمعية الطبية السورية– الأمريكية. وكانت كرد مباشر من الأطباء السوريين في أمريكا على نقص الأطباء في داخل سوريا، حيث أدى غيابهم لتعامل الممرضين والفنيين مع حالات معقدة. ويقوم فرع الجمعية السورية في غازي عينتاب، جنوب تركيا التي تعتبر مركز عمليات الإغاثة ويعيش فيها لاجئون سوريون بإدارة دورات للعاملين في المجال الطبي السوري لسد الثغرة في نقص الأطباء.
ويقول تامر حسن، مدير الفرع «نعاني من نقص حقيقي في كل التخصصات، وبالطبع لا يوجد لدينا أطباء متخصصون في غرف العناية المركزة»، و»لدينا فنيون وممرضون لغرف العناية المركزة، وهؤلاء ليسوا أخصائيين خاصة عندما يتعلق الأمر بالحالات الصعبة».
ويقول الدكتور عادل إن مبادرة العلاج عن بعد قد أدت لتحسن طرق العلاج في غرف العناية المركزة» لكن الوضع في المستشفيات الميدانية في مناطق حلب وإدلب حيث لا يزال النظام يستهدف المدنيين، ليس جيدا.
ومعظم المرضى الذين يعالجهم عادل وفريقه هم ضحايا القصف المدفعي والبراميل المتفجرة التي ترميها المروحيات. وتعتمد المبادرة على أطباء موزعين في كندا والولايات المتحدة والسعودية حيث يقوم هؤلاء بمراقبة المرضى عبر ثلاث كاميرات مركبة في غرفة العناية المركزة، ويحرك الموظفون الكاميرات كي يستطيع الأطباء مراقبة أجهزة التنفس والمريض نفسه. وبناء على المعلومات التي يجمعها الطبيب يقوم بتوصيف العلاج ويراقب عملية تقديمه وأحيانا يتم الإعتماد على «سكايب».
ويقول عادل إن «موظفي العناية المركزة لديهم اتصال على مدار الساعة مع أطباء مداومين» حسب عادل، وهو جراح عام قام بإجراء 12 عملية قلب نصفها ناجح بسبب نقص المتخصصين.
ويشير التقرير إلى أن المستشفيات والعمال الصحيين كانوا عرضة لضربات النظام. ومنذ بداية الإنتفاضة كان الأطباء هدفا للسجن والتعذيب بسبب علاجهم جرحى الإحتجاجات أو من انشقوا عن الجيش. وهو ما اضطر العاملين في القطاع الصحي العمل تحت الأرض.
ويتحدث عادل عن أكثر من هجوم على المستشفيات وكان آخرها في 7 حزيران/ يونيو عندما سقط صاروخان إلى جانب مستشفى معبر باب الهوى القريب من الحدود التركية. ويقدم هذا المستشفى العلاج لما معدله ألفي مريض في الشهر. وفي إيلول/ سبتمبر دمر صاروخ مستشفى ميدانيا في الباب، وأدى لمقتل 11 شخصا بمن فيهم طبيبان واربعة ممرضين. وتقول الجمعية الطبية السورية – الأمريكية أنه المستشفى الثالث الذي يتم تدميره في الباب خلال العامين الماضيين. ويضيف أن مئات العاملين الصحيين فقدوا حياتهم وهم يؤدون الواجب، ومات الكثيرون عندما قام النظام بقصف العيادات الصحية أو بيوتهم، مع ان المعارضة متهمة بقصف المستشفيات التي يستخدم بعضها كقواعد للجيش.
وتقول منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان، في نيويورك أن 90٪ من الهجمات على القطاع الصحي من 156 هجوما نفذت منذ آذار/ مارس 2011. وقالت المنظمة في بيان لها «خلال السنوات الثلاث الماضية استهدفت القوات السورية وبشكل منظم النظام الصحي في مناطق المعارضة مما أدى لمقتل 460 من العاملين الصحيين ودمار واسع للمستشفيات والعيادات».
ووصفت مديرة المنظمة دونا ماكي سوريا بأنها «واحدة من اسوأ الأمثلة على استهداف القطاع الصحي كوسيلة من وسائل». وأدى هذا الوضع لهجرة كبيرة للممرضين والمدنيين، فيما اختار بعض الأطباء مثل عادل تقسيم وقتهم بين تركيا وسوريا، ويقول عادل «نحن متعبون، فالمسألة ليست فقط عملية جراحية ولكن متابعة لها». وهناك 3 مستشفيات في حلب المقسمة بين المعارضة والنظام تستخدم العلاج عن بعد، وهناك مستشفيان اثنان يعتمدان على هذا الإسلوب في إدلب، وخطط لإنشاء مستشفى سري في وسط سوريا.
ويواجه هذا الإسلوب من العلاج معوقات من أهمها الحصول على تغطية انترنت وأشخاص لديهم القدرة على ادارتها.
إبراهيم درويش