إذا ما فهمنا، ضمن طروحات ما بعد الحداثة، بأن الرواية هي مدونة سردية لوقائع أو أحداث ماضوية وبأن التاريخ هو الآخر مدونات سردية، كلاهما يخضعان لحبكة ما، وأن السرد في نسخته الأخيرة نشاط تخييلي يجعل من كل ما هو مدون شيئا نسبيا، وبعيدا كل البعد عن الحقيقة المطلقة ولا يمتلك الحصانة ضد التأويل والمساءلة، فإن ذلك يعني أن المساءلة والمحاورة بين وقائع النص الروائي ووقائع النص التاريخي عملية ممكنة، بل ضرورية ولازمة، خاصة في ما ينتج عنها من تداعيات.
زيف التاريخ الرسمي
في روايته «الملك في بجامته» يطرح العراقي خضير فليح الزيدي وثائقه المزدحمة بالأحداث التاريخية، التي تخص مجزرة قصر الرحاب التي راح ضحيتها الملك فيصل الثاني وخاله الأمير عبد الإله ورئيس حكومته نوري السعيد ومعظم افراد العائلة المالكة، ويفتح (محضرا) سرديا لمساءلة وقائع المجزرة للوقوف على حقيقتها وتتبع تداعياتها، في تشكيل صورة البلاد ومصير الشعب العراقي، من خلال حركة السرد غير المقيدة بنسق زمني محدد بقدر ما هو نسق زمني حر/متداخل. فإعادة قراءة الحدث التاريخي وفق المنظور السردي (الروائي) هو فعل تقص ٍ وكشفٍ عن المسكوت عنه للحدث التاريخي الذي تحاول الوثيقة الرسمية التي تقف وراءها السلطة وماكينتها الإعلامية، التعتيم عليها، أو تزييفها، أو تجميلها وفق حبكات تراها من طرفها مسوغة ومشروعة، وهنا يأتي دور الروائي في قراءة الحدث التاريخي قراءة استقصائية، ضمن إطار جمالي محدد بشروط السرد الحكائي من شخصيات متخيلة وأمكنة وأزمنة وأحداث، وصيغة فنية، أو حبكة تمثل وجهة نظره وموقفه الشخصي.
اعتمد الزيدي على تقنية (المخطوطة) حيث يُكلف إحدى شخصيات الرواية بإكمال رواية ناقصة تعود إلى (كاتب مغمور متوفٍ) لتحويلها إلى مسرحية تصور واقعة مجزرة قصر الرحاب.
وباء بغداد الأسود
قبل أن يعلن الزيدي عن نتيجة تحرياته وتحليلاته لحقيقة ما حدث صبيحة الرابع عشر من يوليو/تموز عام 1958، حيث انتهاء العهد الملكي الذي رمز له بـ(السدارة السوداء) وقيام العهد الجمهوري الذي رمز له بـ(البيرية)، يقوم بتأثيث فضائه الروائي بكل تفاصيل الحياة في العهد الملكي ووقائعها اليومية، وهي حياة كما جرى تصويرها، ذات طابع مدني، وادعة، بسيطة، آمنة، غنية بأجوائها ومعالمها الفنية، حيث المسارح ودور السينما والمراقص ومقاهي الغناء، والانفتاح على الخارج ثقافيا واقتصاديا، على الرغم من مظاهر عدم الاستقرار السياسي ورزوح شرائح كبيرة من الشعب العراقي تحت خط الفقر والأمية والافتقار إلى الكثير من شروط الحياة. أمام تلك الخلفية التي تمثل الحاضنة المادية والمعنوية لأفكار الرواية، وعطفا على ما ورد فيها من تلميحات وكشوفات ومعطيات، نستنتج أن يوم مجزرة قصر الرحاب سيصبح يوما فاصلا في حياة الشعب العراقي سياسيا واجتماعيا، إذ جرى توديع الحياة المدنية الوادعة، واستقبال حياة حافلة بالانقلابات العسكرية الدموية حيث شيوع ثقافة العنف والعنف المضاد، ممثلة بالتصفيات الجسدية، ونبش القبور، والسحل في الشوارع، وإثارة النزعات العصبية القومية والطائفية والعرقية والإثنية، والتورط في نزاعات داخلية وخارجية، وخوض حروب مأساوية وإقامة أنظمة حكم ديكتاتورية قتلت كل ما يمت بصلة للحياة المدنية الديمقراطية وأدخلت البلد في نفق مظلم من الضياع والويلات، التي مازال الشعب العراقي يئن تحت وطأتها حتى هذه الساعة، حيث لم تنفع الشعارات الثورية المتغنية بالروح الوطنية ولا وعودها الزائفة بإقامة حياة حرة كريمة في تجميل وجه الثوارت الدموية القبيح. وقد وفق الزيدي حينما لجأ إلى التمثيل الرمزي لما وصل إليه الحال من خراب، وعلى كافة المستويات بعد سقوط (السدارة السوداء) واعتلاء (البيرية) رأس الحياة العراقية، ممثلا بتحقق نبوءة (الاأندي جميل قره تبي) وهو أحد شخصيات الرواية المحورية، بوقوع (وباء بغداد الأسود) وهو يواجه حكما بالإعدام شنقا بتهمة الخيانة العظمى، حيث تنبأ بالوباء الذي سيجيء على شكل أعداد لا تحصى من الجرذان البشعة المخيفة التي ستخرج من جحورها وتحتل شوارع وبيوت بغداد، ويذهب ضحيتها الكثير من الفقراء، بعد نصف قرن على نبوءة ملك الليالي البغدادية الحمراء في العهد الملكي (جميل أفندي القره تبي)، وهي نظرة استشرافية لما سيؤول إليه الحال بعد هروب (فواخت) القصر الملكي الحزينة حال سماعها لعلعة الرصاص الذي انطلق من رشاش (العباسي) النقيب المتهم بتصفية الملك وعائلته بدون أوامر من قادة الانقلاب، وإنما الحماسة وحدها من جعله يرتكب هذه الجريمة المروعة، كما أُشيع ورُوج إلى ذلك من قبل الانقلابيين، وهي رواية مضحكة أطلقها قادة الانقلاب لتبرئة الذمة، إذ أن تصفية العائلة المالكة كان أمرا محسوما خشية عودتها للحكم ثانية مثلما جرى عام 1941 أثر فشل ثورة رشيد عالي الكيلاني، كما جاء على لسان أحد قادة الانقلاب الذي ورد اسمه في نص الرواية.
البناء الروائي
شكليا، اعتمد الزيدي على تقنية (المخطوطة) حيث يُكلف إحدى شخصيات الرواية بإكمال رواية ناقصة تعود إلى (كاتب مغمور متوفٍ) لتحويلها إلى مسرحية تصور واقعة مجزرة قصر الرحاب وإعدام (القره تبي) بعد الإضافة والتعديل، بينما يتوزع الروي بين رواةٍ مشاركين وراو خارجي يأخذ على عاتقه تأثيث فضاء الرواية، بمجريات يوميات الحياة البغدادية وتدبيج إرساليات الرواية بأسماء الشوارع والمناطق والساحات والمغنين والراقصات والملاهي والمقاهي البغدادية وأسماء الشخصيات السياسية، وملء الفجوات وربط الأحداث المتباعدة زمنيا ضمن توليفة زمنية تعتمد التقديم والإرجاء والمداورة.
٭ كاتب من العراق