مساءلة ثقافة التنوير في مصرغياب الدور المدني للدولة وصعود الاصولية الدينية في ظل حالة من الفساد العام أحكام الطوارئ ما زالت سارية المفعول والديمقراطية المطروحة ليست سوي قناع زائف للدولة الامنية

حجم الخط
0

مساءلة ثقافة التنوير في مصرغياب الدور المدني للدولة وصعود الاصولية الدينية في ظل حالة من الفساد العام أحكام الطوارئ ما زالت سارية المفعول والديمقراطية المطروحة ليست سوي قناع زائف للدولة الامنية

محمود قرنيمساءلة ثقافة التنوير في مصرغياب الدور المدني للدولة وصعود الاصولية الدينية في ظل حالة من الفساد العام أحكام الطوارئ ما زالت سارية المفعول والديمقراطية المطروحة ليست سوي قناع زائف للدولة الامنيةالقاهرة ـ القدس العربي السؤال الذي يطرح نفسه الان في مصر، بعد نجاح كاسح لحركة الاخوان المسلمين في انتخابات البرلمان الأخيرة، اين ذهب قرنان من التنوير؟ وهل كان التراث العميق الذي نسجته مصر منذ ثورتها التحديثية الأولي مع بزوغ الدولة العلوية، كان مجرد ضوء شحيح تواري في النفق المظلم الطويل.أين ذهبت البعثات الواسعة الي أوروبا، ثورة العلوم، الجامعات والاكاديميات، اقسام الفلسفة، والترجمة التي تتأسس علي نطاق واسع، تحديث الأزهر، الجيش، المؤسسات المدنية، المدارس، المفكرون، وزارات الثقافة والاعلام، ثورة يوليو، وحرب اكتوبر؟ أين ذهب كل ذلك التراث المنحدر من احتلالات وفتوحات ومعارف وابتكارات وآثار وروايات واشعار؟والسؤال في جوهره ليس استنكارا علي أي نحو لحق جماعة الاخوان المسلمين في التمثيل والوجود السياسي الفاعل، ولكنه سؤال عن واقع ما زال في طور النضج، تتلاطمه الأمواج جيئة وذهابا، سؤال تفجره وتطرحه وضعية مجتمعية مؤسفة انهارت فيها الحياة السياسية انهيارا كاملا، وتوارت عن أفقها أية بارقة أمل في الاصلاح، وديكتاتورية غاشمة لنظام لم يفقد عقله فحسب، بل فقد ورقة التوت التي كانت تداري سوأته بالاضافة الي الازمة الاقتصادية الطاحنة التي بيعت فيها مصر بأبخس الأثمان، ونهبها سراق المال العام جهارا نهارا، وانهارت البني المجتمعية الاساسية وكافة خدماتها من تعليم وصحة واسكان، وشهد المجتمع المصري اعلي نسبة بطالة في تاريخه.كل ذلك جدير بأن يعيد طرح السؤال، أين ذهب قرنان من التنوير والطليعية.لقد وجهنا السؤال لعدد من المفكرين والمثقفين والمبدعين، ومنهم من أجاب مباشرة عن المأزق الراهن الذي تخلقت في رحمه حركات اصولية علي رأسها الاخوان المسلمون ومنهم من عاد بالسؤال الي أضابير التاريخ ليرصد تطور الداء تاريخيا، ولم يخل كلام أي من الفريقين من طرح الحلول..وهنا الحلقة الأولي من الاستطلاع.علي النظامأن يدرك مأزقهد. عبدالمعطي شعراويأستاذ بجامعة القاهرة منذ عهد الفراعنة استقبل الشعب المصري الهكسوس، احتمل ظلمهم وجورهم، لكنه سرعان ما ثار ثورة رجل واحد عندما استقبل الحاكم الفارسي ثم البطلمي ثم الروماني لكنه طردهم واحدا بعد الآخر ثم استقبل الحاكم المملوكي، والفرنسي والانكليزي لكنه تخلص منهم ايضا، وهكذا يتخلص الشعب المصري من حكامه الظالمين اما عن طريق الكفاح المسلح أو عن طريق المقاومة الشعبية أو عن طريقة الاغتيالات السياسية. وفي اعتقادي أن الكفاح المسلح ضد الحاكم الظالم والمقاومة الشعبية والاغتيالات السياسية ليست الا أنواعا مختلفة من العنف، ولعلنا لم ننسَ ما قام به شباب مصر من اعمال عنف ضد المستعمر البريطاني اثناء النصف الأول من القرن الحالي والاغتيالات السياسية التي قام بها افراد جماعات منها علي سبيل المثال حادث مقتل اللورد موين. وقبيل ثورة يوليو هبت علي مصرموجة عاتية من الاغتيالات السياسية راحت ضحيتها مجموعة كبيرة من الشخصيات السياسية المصرية مثل اغتيال احمد ماهر والنقراشي وحسن البنا، وعندما رحب الشعب المصري بثورة يوليو كان متأكدا من انها بمثابة العودة الي السلام الاجتماعي والمساواة والرخاء الاقتصادي، ووجد فيها حاكما خرج من بين صفوفه يحارب من اجله ويحمل الراية نيابة عنه، يعيد اليه حقوقه المسلوبة ويريحه الراية نيابة عنه، يعيد اليه حقوقه المسلوبة ويريحه من عذاب الكفاح المسلح، لكن سرعان ما خاب أمله واستأثر الثوار بالحكم والسلطة والنفوذ، ازداد عدد السجون والمعتقلات ثم جاءت محاولات تلفيق الديمقراطية لكن الشعب سرعان ما اكتشف أنها مجرد ديمقراطية زائفة، فطالب بالمساواة الاجتماعية لكنه قوبل بمساواة شكلية ظاهرها عدل وباطنها قلة تعيش في بذخ وكثرة لا تجد الخبز، قلة تسكن الأبراج الشاهقة والقصور وكثرة لا تجد غرفة واحدة مأوي لها. ورغم ذلك فأنا متفائل، لأن ما يحدث في مصر نتيجة مباشرة للظلم الاجتماعي بشيء من صوره وعلي نظام الحكم أن يدرك مأزقه والا ستكون النتيجة تعيسة، وما موجات العنف التي حلت بالشعب المصري الا نتاجا لهذا الظلم. ان قرنا ونصف من التنوير ذهبت أدراج الرياح لهذه الأسباب، والغباء بعينه ان يعتقد الحاكم انه يتعامل مع طرف غبي هو الشعب.سوق الأفكارد. حسن وجيهكلية اللغات والترجمة ـ جامعة الأزهراذا كان ملف الحوار الاجتماعي والسياسي بحاجة الي ان نفتحه من وقت لآخر لنتأمل ونتدارس ما يستجد من احداث في اطاره، فاننا لا يمكننا ان نتجاهل الخصوصية الثقافية المتمثلة في هيمنة خطاب الاستبداد والتسلط والتعليم التلقيني وفقدان التآلف من هنا. ومن منطلق معالجة وجهي المشكلة أطالب بشيء محدد للغاية وهو أن يتم تدريس مادة تسمي لغة التخاطب علي كافة المستويات التعليمية اذا كنا بصدد عرض أحد الحلول العلمية والعملية علي المدي الطويل. كذلك اقترح أن يواكب هذا اعداد برامج اعلامية ناجحة وذكية تتعامل مع نقل رسالة هذه المادة الي الجماهير في وسائل الاعلام لتساهم في حل علي المدي القصير لهذه المشكلة المستعصية، التي تتسبب وسوف تتسبب في كوارث كثيرة اذا لم نتحرك فورا، فمثل هذه البرامج التعليمية والاعلامية من شأنها أن تساهم في صياغة جديدة للغة الحوار في عمليات التفاوض الاجتماعي والسياسي ويكون من شأنها زرع ما يسميه علماء اللغويات الاجتماعية بالشك الصحي أي ذلك الشك الذي تزعمه عن الآخر في محاولة جادة للوصول الي الحقيقة.. أي ذلك الشك الذي يجعلنا نسلك كل الطرق الممكنة قبل أن نتهم الاخر أو نكرهه علي نحو يتسم بالاطلاقية والتصنيف المتعسف والمتسرع.وما نراه في مصر من سوق للأفكار من خلال وسائل الاعلام والصحف المختلفة يمثل سوقا للأفكار المتعددة التي لم تشهد منطقتنا مثيلا لها علي مدي السنين الماضية ولا بد لأي منصف أن يشيد بما يحدث لأن هذه السوق قد خلقت هامشا ديمقراطيا لا بأس به علي الاطلاق ينبغي حمايته والعمل علي تعميقه والوقوف في وجه أي ممارسات يكون من شأنها تحجيم هذا الهامش.وهذه الاتهامات المتبادلة والصراعات غير المحتملة بين كل الأطراف توضح لنا الحاجة الي التأكيد علي النداء الذي تطرحه وهو أن تقوم لجنة من خبراء التعليم المتخصصين ومن الاعلاميين بادخال مادة التخاطب في العملية التعليمية، والا سيكون الاستمرار علي هذا النحو تسليما بضياع تراثنا الطليعي الذي تحدثت عنه.المجتمع المدني في مصر ـ شحذ الذاكرةيونان لبيب رزق عملية طمس ذاكرة الأمة التي تعرضت لها مصر خلال السنوات الاخيرة تشكل جانبا، ربما كان أساسيا ومأساويا من خلال جوانب الأزمة الراهنة التي يعاني منها المصريون خاصة الجيل الذي يفترض انه سوف يمسك أمور هذه الأمة مع مطلع القرن القادم.ويبدو من حجم الأزمة ثم حجم المسؤولية التي تقع علي كاهل الجيل القائم الآن علي هذه الأمور أننا نترك لمصر في القرن الواحد والعشرين، جيلا يتعامل بأدوات وأفكار قرون العصور الوسطي بينما تركنا جيل الاجداد العظام (حسن العطار، رفاعة الطهطاوي، علي مبارك، محمد عبده وغيرهم) وجيل الآباء المتنورين (لطفي السيد، حسين هيكل، طه حسين، عباس العقاد، سلامة موسي..الخ)، وتحسن تملك الحد الادني من أدوات وأفكار تعاملنا من خلالها مع النصف الثاني من القرن العشرين.وفي تقديرنا أن ثمنا باهظا يتعين علي أبناء هذا الجيل دفعه وربما الاجيال التالية، اذا ما استمر تقاعسنا عن تبصيره جنبا أو مداهنة.وينصرف هذا التبصير الي جانبين: اولهما محاولة تصحيح المغالطات التي تفشت عن عمد خلال ما يزيد علي العقد والنصف الماضي، والتي مع عملية ترويجها وصلت الي درجة المسلمات او البديهيات بالنسبة لهذا الجيل.الجانب الثاني: متصل بالتبصير بالتاريخ المصري فما حدث خلال فترة بدأت منذ النصف الثاني من السبعينيات قد استهدف مع مرحلة تاريخية كاملة من العقل المصري، هي مرحلة التاريخ الحديث التي بدأت منذ مطلع القرن التاسع عشر. ويثير الدهشة أن عملية الطمس هذه قد بدأت في أعقاب حرب عام 1973، فبدلا من أن يكون النجاح المصري الدائم احرازه في هذه الحرب، وهو أول نجاح عسكري عربي في تاريخ الصراع مع اسرائيل.. بدلا من أن يكون بداية لنهضة شاملة وفرصة للبعث القومي حدث العكس، ما حدث نتيجة للصراعات الداخلية بين الرئيس الراحل أنور السادات وبين خصومه السياسيين.فمن ناحية بذل هؤلاء الخصوم ما وسعهم الجهد للتقليل من قيمة العائد الناتج عن حرب أكتوبر، وبالمقابل فقد حرص الرجل أو الناطقون باسمه علي الطعن بكل الوسائل في عهد سلفه باعتبار أن هؤلاء الخصوم قد انتموا اساسا للمرحلة الناصرية التي تم تشويهها بكل الوسائل وتم بذلك حذف مرحلة من تاريخ مصر.من ناحية اخري، ونتيجة لهذا الصراع جاءت استعانة الرئيس السادات بأبناء التيار الديني والذي كان محدودا وقتذاك والذين كانوا لا يعادون فحسب الحقبة الناصرية، بل كانوا يعادون ايضا العهد الليبرالي الذي سبقها، اكثر من ذلك كانوا يعادون الدولة المدنية التي كانت قد بدأت في مصر قبل ذلك بما يزيد علي قرن ونصف.من ناحية ثالثة كانت عودة الوفد الي الحياة السياسية بعد حكم قضائي مشهور عام 1978، بدلا من أن تكون مناسبة لاحياء حقبة مجيدة في التاريخ المصري، هي حقبة الحركة الوطنية اذ الذي يحدث العكس وعلي خط مستقيم فقد تباري الجميع في تحطيم كل رموز هذا التاريخ.فبينما انهمك الوفد من جانب في تشويه الحقبة الناصرية بكل ما امتلك من وسائل فقد انهمكت اجهزة السلطة في تشويه عصر ما قبل عام 1952 عصر الباشوات والبكوات بكل ما امتلكت من وسائل ايضا فضلا عن الاستمرار في نقد العهد الناصري، حتي اصبحت هناك فئة من رجال الاعلام متخصصة في هذا النوع من الكتابات التي تنقد هذا العصر.باختصار استمر التاريخ المصري الحديث الذي يقدمه سائر الفرقاء، يتلقي اللكمات من الجميع، الأمر الذي لم يتوقف بعد اغتيال الرئيس السادات وهي لكمات ادت الي تشوهات ظاهرة لهذا التاريخ أفقدت المصريين أو علي الأقل الجيل الجديد منهم، الذي استقي اغلب معارضه التاريخية من هؤلاء الفرقاء ايمانهم بما عرفوه عن تاريخ الوطن المصري خلال الحقبة السابقة، وكان هناك المتربصون بهذا التاريخ والساعون الي حذف القرنين الاخيرين من ذاكرة المصريين مما احدث عملية الطمس الواسعة التي نوهنا عنها في مستهل هذا الحديث.استحقاق تاريخيد. محمد حبيبنائب المرشد العام للاخوان المسلمينأولا:لا شك ان حرية الفكر والابداع مرتبطة بالحريات العامة والمناخ الديمقراطي الذي يهيمن علي الحياة السياسية للمجتمع والعكس بالنسبة لمناخ الديكتاتورية والقمع والاستبداد حيث يؤدي الاخير الي الابتذال والعبس وتصليح الافكار فضلا عن الاستخفاف بالعقول.ثانيا:لكل مجتمع مقاوماته العامة وخصوصياته الثقافية وأعرافه وتقاليده. ثالثا: مهمة المثقف ان ينهض بالدور الفكري والابداعي لدي المجتمع بما لا يتعارض مع خصوصياته الثقافية وهويته وتقاليده وأعرافه ولا بأس من أن نقتبس من غيرنا فكرا أو ابداعا شريطة ألا يقضي ذلك علي هويتنا او يفقدنا خصوصيتنا الثقافية او يطمس معالم تراثنا الحضاري.رابعا: نحن نريد فنا وأدبا وثقافة جادة ترقي بالوجدان وتوقظ الشعور وتوقد شعلة الوطنية في ظل المقومات الاساسية للمجتمع والآداب العامة.خامسا: لسنا مع من يريد أن يحول المجتمع المصري الي جزء من الغرب وثقافة الغرب التي لا تتفق مع قيمنا ومبادئنا.وهذا الصعود له مرتبط بخصوصية الشعب وفطرته ويصدرعن القيم والمبادئ الحضارية للاسلام. والدور الذي لعبه الاخوان المسلمون في حياة الشعب المصري عبراكثر من خمسة وسبعين عاما جهادا علي أرض فلسطين وعلي ضفاف القناة وتصديا للمد الشيوعي واستعادة للمفاهيم الصحيحة، وقد دفع الاخوان نظرا لذلك تكاليف عالية من الشهداء ومن عشرات الألوف الذين زج بهم في السجون والمعتقلات. هذا اضافة لدورالاخوان المعاصر في النقابات المهنية وكذلك الجمعيات التربوية والدعوية والطبية.سادسا: الحراك السياسي والمجتمعي الذي حدث ابان العام الفائت صب كله في حس ووعي المواطن المصري من حيث دوره وحقوقه في حياة حرة كريمة وأنه صاحب الحق في اختيار حكامه وممثليه ونوابه والمنهاج الذي يعبر عن طموحاته وأشواقه.الديمقراطيةمجرد قناع زائفد. شريف حتاتةكاتب وروائيدعنا نبدأ الحديث منذ ان اعلن السادات عن سياسة الانفتاح حيث كان احد الشروط التي اصر عليها البنك الدولي لتقديم المساعدات و(تحرير الاقتصاد) الغاء نظام الحزب الواحد وتطبيق الديمقراطية وتعدد الاحزاب. كان هدف البنك توفير قدر اكبر من حرية الحركة لرؤوس الاموال الاجنبية والمحلية وأن يتم الفصل بين الديمقراطية السياسية، والديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية التي تهدف الي توفير حق العمل والضمانات الاجتماعية في التعليم والصحة والسكن وتحقيق مستوي معيشة لائق للمواطنين والمواطنات، فاتجهت البلاد الي نظام يحقق مصالح الفئات الرأسمالية المضاربة المتعاونة مع الرأسمال الامريكي والأوروبي ويسبب البطالة والفقر المتزايد لأغلبية الشعب نتيجة توقف التنمية الصناعية والزراعية واقامة سوق حرة للاستثمار والسلع الاجنبية، وخصخصة المصانع، والتجارة والمنشآت المالية وتوزيع الثروة لصالح الاغنياء.ساد هذا التطور الاقتصادي والسياسي منذ ثمانينيات القرن الماضي وترتب عليه اقامة نظام سياسي يطلق عليه وصف (الديمقراطي) لصالح من يملكون رأس المال والمنشآت الاقتصادية والأطيان نظام يغيرون فيه القوانين لصالحهم، ويتحكمون فيه علي الصحف والمجلات والراديو والتليفزيون والأحزاب والنقابات المهنية والعمالية والجمعيات الأهلية أو عرقلة جهود الشعب الساعية الي تكوين، وتدعيم التنظيمات السياسية والاجتماعية التي تدافع عن مصالحه. تعاونت معهم في ذلك الدولة عن طريق قوانين وسياسات القمع البوليسي والاجتماعي. كما ساهمت احزاب المعارضة في ذلك بسبب ضعفها وقياداتها التي لم تبذل جهدا حقيقيا للمساهمة في توعية وتنظيم الجماهير متحججة في ذلك بأساليب القمع التي تمارسها الدولة وكأنها تنتظر من الحكام ان يفتحوا أبواب الحرية متناسين ان نيل الحقوق يحتاج الي صراع مستمر، واستعداد للتضحية بالتنازل عن التمتع بالسكينة، او المناصب، أو المكاسب، أو بسبب الضحالة السياسية والفكرية التي يعانون منها، فقد ظلوا افرازا أو ربما ضحايا للأوضاع العالمية والمحلية السائدة وفشلوا في الافلات منها.اما الاخوان المسلمون فشكلوا المعارضة الوحيدة القوية التي زحفت بخطة محكمة علي قطاعات مختلفة من المجتمع في سعيها الي السلطة دون ان تشغلها أبدا مصالح وحقوق الجماهير الشعبية الا في نطاق تنفيذ اعمال خيرية لا تصل الي اغلبية الشعب.هكذا أصبحت الديمقراطية هي ديمقراطية من يملكون المال الوفير ضد الذين لا يملكون شيئا وهذا الوضع يفسر ما حدث في الانتخابات الأخيرة، يفسر صرف الأموال الطائلة وشراء الأصوات والبلطجة والسيوف والجنازير والتزوير والتدليس باسم الله، أو باسم التغيير ويفسر غياب البرامج التي يمكن تنفيذها لصالح الناس وغياب الجماهير الواعية.فالقضية ليست موضوع الاشراف القضائي أو الصناديق الزجاجية او الحبر الفوسفوري أو حياد قوة الامن حتي وان كانت الضوابط مطلوبة. المسألة أعمق من ذلك بكثير وهي وجود نظام يقال عنه انه ديمقراطي بينما هو لا يمت الي الديمقراطية بصلة.ان الميزة الاساسية للانتخابات الأخيرة انها كشفت هذه الحقيقة، ان عددا متزايدا من الرجال والنساء في بلادنا سيدركون ان الديمقراطية التي يتحدث عنها حكامنا وحواريوهم من الساسة والمحللين لن تتحقق مصالح الشعب. وأن المطلوب هو بلورة وتدعيم ديمقراطية من نوع آخر تسمح للمواطنين والمواطنات بان يحققوا لأنفسهم مزيدا من العدالة والحرية والطمأنينة والسلام، كما انها كشفت فساد او ضعف من يتصدون للعمل الحزبي والسياسي في بلادنا. لكن هذا الوعي لن يتأكد من تلقاء نفسه، انه يحتاج الي انبثاق قيادات فكرية وتنظيمية تعمل علي توحيد جهودها وبلورة اهدافها والسعي للعمل وسط الشعب بمختلف فئاته وطبقاته كجزء من وليس كنخبة تهبط اليه من أعلي وتتحدث عن (النزول الي الجماهير). انه تحد صعب، لكنه هدف يمكن تحقيقه بالمثابرة والاصرار والتمسك بالأمل والجرأة الفكرية.ان هناك ميزة اخري فيما حدث فقد دفعت انتخابات مجلس الشعب (بالاخوان المسلمين) الي موقع في صدارة المسرح السياسي، وداخل اجهزة الحكم. لقد اصبح الاخوان المسلمون قادرين علي التمتع بالحق الديمقراطي الذي طالبوا به منذ سنين وهو حقهم في أن يكون لهم حزب سياسي، انه حق لا يمكن ان يعارضه الا من يكيل بمكيالين في تطبيق مبادئ الديمقراطية، هذا بشرط واحد ألا يلجأوا الي العنف وانما الي الصراع الديمقراطي السلمي وحده حفاظا علي مستقبل البلاد ومستقبل الشعب المصري في هذه المرحلة الحرجة من التاريخ.راهن مصرفي عيون المثقفيند. سمير نعيم أحمدهناك إجماع رسمي وشعبي علي أن مصر عانت وما زالت من أزمة اقتصادية، وتؤكد الأدلة التاريخية والمعاصرة أن ما وصلنا إليه في مصر له علاقة بهذه الأزمة.ففي تاريخ مصر الحديث، أي منذ عهد محمد علي في أوائل القرن التاسع عشر وحتي يومنا هذا شهدت مصر أزمتين اقتصاديتين حادتين بفعل عوامل عالمية ومحلية. الاولي خلال الكساد العالمي والحرب العالمية الثانية من الثلاثينيات حتي أواخر الاربعينيات من القرن العشرين والثانية منذ السبعينيات وحتي الآن، ويسجل التاريخ ظهور وتنامي الفكر الديني المتطرف بجماعات عنفه في الفترتين وكذلك انحسار الاجتهاد والابداع وانتشار آفات اجتماعية متنوعة كالجريمة وادمان المخدرات والفساد.يضاف الي ذلك تدني مستوي المشاركة السياسية وخاصة بالنسبة للشباب ومن مختلف الطبقات ولا نعني بالمشاركة السياسية مجرد الادلاء بالأصوات في الانتخابات أو الترشيح أو حتي الانضمام الي عضوية الاحزاب السياسية، وهي عضوية ما زالت محدودة جدا وغير فعالة، ولكن نعني بها المشاركة في اتخاذ كل أنواع القرارات التي تمس حياة المواطن بما في ذلك الحياة اليومية، سواء داخل الأسرة أو المدرسة أو الحي السكني أو العمل عن طريق العضوية الفعالة والنشيطة في التنظيمات الشعبية والرسمية. والملاحظ أنه ليس هناك حزب واحد في مصر حتي الآن استطاع ان يحشد الشباب وراء هدف قومي أو عام أو من أجل بناء مستقبل واعد، كما ان كافة التنظيمات الشعبية تحولت الي تنظيمات رسمية أو شبه رسمية كالاتحادات والنقابات وانعدمت تقريبا. الفرصة الحقيقية للممارسة السياسية بمعناها الواسع التي تنمي لديه القدرة علي ابداء الرأي والحوار حول مسائل عامة أو جماعية وتعوده علي تقبل الرأي الآخر بعد تحليله ونقده. فالإعلام الرسمي ذو اتجاه واحد وما عداه موصوم بالمعارضة، ويظل دور المواصلة محصورا في كونه متفرجا، يضاف الي ذلك أزمة النظام التعليمي المتحصلة في نقطتين ترتبطان بتهيئة المناخ لهذا التردي الأولي منهما عجزه عن محو أمية ما يزيد علي نصف السكان من جهة والثانية أنه بدلا من تزويده لسوق العمالة بالتخصصات اللازمة يزود البطالة بأعداد متزايدة نظرا لضعف الارتباطات بينه وبين احتياجات المجتمع، كذلك لا يمكننا اغفال تقصير المؤسسات الثقافية التي باتت تكرس الجمود العقلي والتسلطية وإبطال عمل العقل الناقد، فهي تعرض في الغالب الرأي الواحد حتي لو اشترك في عرضه ومناقشته عشرات الأفراد دون أن تتيح فرصا للرأي وللحوار والنقاش، الأمر الذي يكرس أيضا القابلية للايحاء والتلقين وهي الخاصية العقلية التي تعتمد عليها الجماعات المتطرفة لاجتذاب أعضائها. وما دمنا قد فتشنا عن جذور ما حدث لدينا لا بد ان نقر بحاجتنا الي المواجهة الشاملة التي تقتضي وضع مشروع متكامل للاصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي فيما يمكن ان يسمي بالمشروع القومي التنموي أو النهضوي وأن يكون الهدف العام اصلاح كل هذا الذي وصل الي حالة متردية.محنة التنويرد. جابر عصفوركان نموذج رجل الدين الذي سعي زمن التنوير الي تأكيده بمختلف تجلياته هو نموذج (المتكلم) العقلاني الذي يتقن من علوم الدين قدر ما يتقن من علوم الفلسفة، كما قال الجاحظ قديما، أو النموذج الذي يتقن من علوم الدين ما يتقن من علوم العصر الحديث ومعارفه، والذي يتعدي (علوم العرب) الي (علوم العجم) الجدد أو معارف (الآخر) الذي لا بد من الافادة بمنجزاته لتحقيق حلم النهضة، أي نموذج رفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبدالرحمن الكواكبي ومحمد فريد وجدي وغيرهم، ممن كان فكرهم الديني يتأسس علي مبادئ عقلانية، تقبل الحوار مع كل معارف العصر الواعدة وعلومه المتطورة فتؤكد هذه المبادئ حرية الاجتهاد الذي يعمل بدوره، علي توسيع آفاق التقدم بدل الحجر عليه وعرقلة مساره. وكما كان التنويريون ينظرون الي أنفسهم بوصفهم طليعة مجتمع ناهض يتحرك الي الامام ويسعي الي تحقيق التقدم الذي لا يفارق احلام الحرية والعدل، كانوا يطلبون من رجل الدين ان يكون عونا علي تحقيق هذا التقدم بما لديه من معارف تأويلية، وما له من تأثير في النفوس. وذلك بإعمال مبدأ الاجتهاد وفتح أبوابه وتأكيد أهمية العقل واطلاق سراحه، ليمارس العقل حريته في التأمل والتفكير والاستنباط والاستدلال. لكننا من ناحية اخري لا يمكننا ان نتجاهل ما فعلته المؤسسة المتسلطة بهذا النموذج المتقدم والطليعي من حيث رد قمع المؤسسة الدينية علي قمع المؤسسة المدنية في علاقة من علاقات المجاورة التي يسقط فيها كل طرف دلالته علي ما يجاوره، وذلك في فعل من أفعال الاحتجاج علي القمع الذي اصبح لازمة من لوازم الدولة التسلطية.وما أقصد اليه بالدولة التسلطية لا يختلف عما قصد إليها خلدون النقيب في كتابه المتميز (المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية) ودراسته التأسسية عن (الأصول الاجتماعية للدولة التسلطية في المشرق العربي) فالدولة التسلطية بالشكل الحديث والمعاصر من الدولة المستبدة، فهي الدولة التي تسعي الي تحقيق الاحتكار الفعال لمصادرة القوة والسلطة في المجتمع لصالح الطبقة أو النخبة الحاكمة. ولكن تتميز عن مثيلتها القديمة بثلاث خصائص جديدة أولاها انها تحقق احتكار السلطة عن طريق اختراق المجتمع المدني وتحويل مؤسساته الي تنظيمات تضامنية تعمل بوصفها امتدادا لاجهزة الدولة، وثانيها ان هذه الدولة تخترق النظام الاقتصادي وتلحقه بها، سواء عن طريق التأميم او توسيع القطاع العام والهيمنة البيروقراطية علي الحياة الاقتصادية. وثالث هذه الخصائص ان شرعية نظام الحكم في الدولة التسلطية يقوم علي استعمال العنف والارهاب اكثر من الاعتماد علي الشرعية التقليدية ولذلك يقترن النظام السياسي للدولة التسلطية بعدم وجود انتخابات لها معني، أو عدم وجود تنظيمات مستقلة عن الدولة، وعدم وجود دساتير فاعلة أو إلغاء الدساتير او تعليقها أو تأجيل العمل بها، وتجميد الحقوق المدنية او تعليقها، وتحويل نسبة عالية من الدخل القومي الي الانفاق علي الاجهزة القمعية لهذه الدولة. وقد بدأت محنة التنوير ودخوله الي زمن الانحسار وبدا كما لو كان يتخذ مسارا هابطا استجابة الي ما وقع في محيطه الخارجي، حين استبدل الصوت الواحد بالأصوات المتعددة، ولغة الاتهام بلغة الحوار، وأهل الثقة بأهل الخبرة والضابط بالعالم، والزعيم الأوحد بالمفكرين، والمهيب الركن بالمنظرين، والفرد بمجموع الأمة والحزب الواحد بالأحزاب المتعددة، والأحكام العرفية بالأحكام الدستورية، والقاضي العسكري بالقاضي الطبيعي، والوشاية السرية بالاختلاف المعلن. وتزايدت محنة التنوير بما انطوي عليه المشروع القومي من وعي متوجس للأنا في علاقتها بالآخر الاجنبي وهو وعي توتر ما بين نقيض البحث عن خصوصية في جانب والانغلاق علي نزعة عرفية في جانب آخر وبدل المضي في البراح الانساني الذي يقضي اليه التنوير بالضرورة او الانتماء الي الوحدة العقلية للجنس البشري التي اكدها جيل طه حسين وأساتذته وتلامذته علي السواء، كان الإلحاح علي ما يؤكد الهوية القومية أو وحدة الثقافات القومية بحثا عن وحدة أحادية البعد (مونولوجية) لا تعرف الحوار او التنوع او التباين أو التكافؤ بين الأطراف، بل كل مجالات الخطاب ومستوياته، في العاصمة الواحدة أو المركز الذي لا بد أن تدور في فلكه كل الأطراف ويتحرك فيه الخطاب حركة أحادية الاتجاه: أفقيا من الواحد الي المجموع، ورأسيا من الأعلي الي الأدني.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية