الدوحة ـ»القدس العربي»: الإعلام في خدمة قضايا الإنسان، والمجتمع، العنوان الأبرز الذي تنطلق منه «قصص ملهمة» وهي أحدث مبادرة أطلقتها شبكة «الجزيرة الإعلامية» ستعرض أسبوعياً على القنوات العربية ومنصاتها الرقمية، تعزز من تواجد المحطة التي تبث من العاصمة القطرية الدوحة، انطلاقاً من شعارها الرئيسي الانحياز للإنسان.
وتابعت «القدس العربي» المشروع الإنساني الذي يقدم إعلامياً على شاشة قناة «الرأي والرأي الآخر» ومنصاتها، وكشفت خلفيات الفكرة الرائدة في المنطقة العربية.
وقابلت سامي الحاج مدير مركز «الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان» وتابعت على المباشر سير العمل وتنفيذه، وكان لها حديث خاص مع المسؤول المدافع عن حقوق الإنسان، كاشفاً أن المركز دأب سنوياً على تنفيذ مبادرة جديدة، تساهم في تحقيق أهدافه المسطرة.
واستطرد أنه تم استلهام الفكرة من تجارب سابقة، نفذت في عدد من المناطق، على غرار العمل الذي قامت به عدد من مذيعات «الجزيرة» مثل خديجة بن قنة، بنقل تفاصيل حياة وواقع عيش اللاجئين السوريين في الأردن بالتنسيق مع مفوضية اللاجئين. واعتبر أن تلك التجربة ألهمت المركز للمضي في ابتكار مبادرات جديدة، حيث أن تلك الجولة التي تم تنظيمها قبل سنوات خلت حققت نتائج لافتة، وانهالت التبرعات بشكل غير متوقع على المفوضية السامية للاجئين، التي استقبلت نسباً معتبرة من زكاة الأفراد.
وحول «قصص ملهمة» كشف سامي الحاج في جلسة خاصة لـ»القدس العربي» فلسفة الفكرة التي اقترحها زملاء من «الجزيرة» وعلى رأسهم محمد ولد سيدي رئيس قسم الاتصال المؤسسي بالشبكة، ومحمد فارس، وكانت تتعلق أساساً بتسليط الضوء على العمل الإنساني، وإبراز نشاط الأفراد والمجموعات المساهمة في عمل الخير. وقال إن المبادرة تقوم على بث روح الأمل لدى الناس، خصوصاً أمام الأوضاع الصعبة التي يعيشونها، وتكالب الحروب والأزمات، مع جائحة كورونا التي أجهزت على ما تبقى.
وشدد أن الهدف الرئيسي هو منح جرعة أمل، وزرع هذه القيمة في كل مكان، والتأكيد أن هذه الأمة ما تزال بخير.
وقال مدير مركز «الجزيرة للحريات وحقوق الإنسان» إن «الجزيرة» اشتهرت كونها منحازة للإنسان، وليست مجرد مؤسسة أخبار، وهي فعلياً شبكة متكاملة تشجع أيضاً على زرع الأمل في المجتمعات وليس فقط بث الأنباء.
وعاد للحديث عن فلسفة المشروع وركائز المبادرة التي تستهدف المجموعات الهشة أي الأطفال والنساء والنازحين واللاجئين وتأمين حقوقهم الأساسية وهي التعليم والصحة والتي تدخل مباشرة ضمن أهداف المركز الذي يرأسه.
وشدد المعتقل السابق في سجن غوانتانمو أن الإعلام لديه دور حيوي في تسليط الضوء على هذه المبادرات، ودعم الأشخاص في كل مكان، خصوصاً في المناطق المحتاجة للمساعدة، ولفت الأنظار لمعاناتهم.
سامي الحاج أكد أن ميزة «قصص ملهمة» أنها ستعرض على شاشة «الجزيرة» ومختلف منصاتها ورُصدت جوائز مالية داعمة للمبادرة، مع شركاء مختلفين بحسب طبيعة الأعمال الفائزة.
وتضم قائمة المركز أسماء بارزة في مجال العمل الإنساني والتنموي، أبدت استعدادها للتعاون، مثل مؤسسات تنشط انطلاقاً من الدوحة، منها الهلال الأحمر القطري، ومؤسسة قطر، وصندوق قطر للتنمية، ناهيك عن جهات دولية مثل أطباء بلا حدود وغيرها.
وكشف سامي الحاج أنه سيتم تكريم 3 مبادرات رائدة تزامناً واحتفالات «الجزيرة» بيوبيلها الفضي شهر تشرين الثاني/نوفمبر وستكون بمشاركة شخصيات دولية مرموقة.
والتقت «القدس العربي» فريق الإنتاج، ورصدت تفاصيل الإنتاج، والإعداد والمتابعة، لإخراج القصص في أحسن حلة، ونقل الإنجازات التي تكفل بها رواد يغمرهم الطموح لتجسيد مبادراتهم للمشاهد العربي.
وقال محمد الطيب المنتج الأول في مركز «الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان» إن الفكرة التي يتم تنفيذها هي الأولى من نوعها، وتتميز كونها تفاعلية، تسهم في إشراك الجمهور في مسار المشروع ويصبح جزءاً من فريق الإنتاج. و»قصص ملهمة» بحسب الطيب فقرة تسلط الضوء على أولئك الذين يقدمون أعمالا مجتمعية مقدرة من وازع الضمير أو من باب التطوع خدمة لقضايا الإنسان أو مجتمعات أو شرائح ضعيفة في مجالات شتى (كالتعليم، الصحة والعلاج، الدعم، التنمية الريفية، البيئة والمناخ …. الخ) وأسهمت فعلياً في تغيير أوضاع الفئة المستهدفة أو المجتمعات المعنية أو قللت مخاطر أو خففت حدة أزمة ما إلى الأفضل وتركت أثرا إيجابيا.
وتم وضع محددات لمواصفات القصة بحيث تبرز الجانب الإنساني والتنموي الذي يعود بالفائدة على المجتمعات المحلية، كما يجب أن تكون القصة من قبل شخص أو مجموعة لا يسعون لتحقيق أهداف أو أجندة ذات أبعاد سياسية أو ذاتية أو جهوية أو غيرها. وأن تكون مبادرتهم أو فعلهم أسهم حقيقة في تحسين حالة مجتمعهم أو معالجة قضية ملحة أو مهملة. وأن لا تكون أعمالهم أو مبادراتهم ذات صلة حكومية أو تتلقى دعماً أو رعاية من أطراف رسمية أو منظمات ذات ثقل كبير، يؤكد محمد الطيب.
واطلعت «القدس العربي» على بعض القصص التي ستبث تباعاً على شاشة «الجزيرة» منها المشروع الذي أطلقه الطالب السوداني علي أحمد علي دياب، بهدف استغلال المساحات المنزلية في زراعة المحاصيل من خضر وفاكهة وغيرها، وذلك لمواجهة غلاء الأسعار وارتفاع تكاليف المعيشة والأزمة الاقتصادية التي يعاني منها السودان. ويأمل دياب الذي يدرس بكلية علوم الحاسوب وتقانة المعلومات أن تقود مبادرته إلى الوصول للاكتفاء الذاتي عبر زراعة المحاصيل من خلال المجتمعات ومن داخل البيوت.
وتولدت فكرة مبادرة علي التي أطلق عليها اسم «بيتنا أخضر» من رحم الحجر المنزلي في إطار التقليل من انتشار جائحة كورونا عام 2020 ويقول: «حينما بدأت جائحة كورونا بالانتشار زادت الأزمة الاقتصادية وسببت مشكلة في القوت اليومي للناس، لأن توفير سلة الخضار اليومي يحتاج لمبالغ كبيرة من المال».
وبدأ دياب مشروعه بكد واجتهاد وأصبح يوفر عبر مبادرته هذه للأسر البذور الجيدة ويقدم لهم دورات تدريبية على زراعة المحاصيل وكيفية العناية بها، وتم استهداف العشرات من الأسر في بادئ الأمر وتوسع عمل مبادرته أكثر فأكثر.
وتنقل «قصص ملهمة» المشاهد العربي إلى غزة لعرض مبادرة الشابة منى الزميلي، ذات الـ29 ربيعاً، والتي تمكنت من فرض نفسها في عالم التطوع في القطاع المحاصر، خصوصاً أيام الإغلاق بفعل كورونا، مكرسة بذلك مسيرة سنوات، لكنها ما تزال تحلم بالمزيد.
وتعمل منى منذ ثمان سنوات ضمن فريق حملة الإحسان التطوعية الذي يعنى بجمع وتقديم مساعدات للناس في كل الظروف، خصوصاً الأعياد، وأثناء الحروب، وفي فصل الشتاء.
وعن بداياتها مع التطوع تقول منى- وهي واحدة من أشهر نشطاء التواصل الاجتماعي في القطاع وخريجة نظم معلومات جغرافية- «في البداية كنت أشاهد صوراً على إنستغرام وفيسبوك لفريق حملة الإحسان التطوعية. شباب وشابات يعملون بمبادرات، طرود غذائية، طرود رمضانية.. يزورون الأطفال مرضى الكلى، يرسمون البسمة على وجوه الأطفال والمحتاجين».
وتقول إنها أعجبت بفكرة العمل التطوعي، الذي لم يعد بالنسبة لها «عبارة عن فكرة وإنما أسلوب حياة».
بيد أن كورونا فجأة أوقف كل شيء، إلا حاجة الناس إلى مد يد العون. وهنا انبرت منى وحيدة في مسارها الذي تفاخر به.
وكمبادرة شخصية في أيام الإغلاق، حين كان من الصعب تحرك الفريق، أخذت منى على عاتقها الخروج والمغامرة بنفسها، مع اتخاذ إجراءات الوقاية. وتقول «في بداية الجائحة التزم كثير من الناس منازلهم. كانت الفئة المستهدفة بالطرود عموما هي أصحاب الدخل اليومي».
وتعبر عن الأمل في أن يتبنى الشباب الفكرة ويطوروها «لأن الوضع في غزة يحتاج لطاقة الشباب». وتطالب الجميع بالنزول للميدان لتقديم المساعدة «حتى لو بشيء بسيط».
وتسلط «قصص ملهمة» الضوء على مجتمع النازحين السوريين، عبر إبراز مبادرة مصطفى العنداني، وهو نازح من مدينة الباب السورية، تمكن من تطوير المقاعد الكهربائية لذوي الإعاقة الحركية لتعمل بالطاقة الشمسية، بإضافة ألواحها على الكرسي وإجراء تعديلات على نظامها الكهربائي.
وكان العنداني الذي عمل فنياً للكهرباء بمصانع النسيج في حلب قبل الثورة السورية قد تعرض لإصابة في الرأس، أثّرت على ساقيه وأعاقت حركته، فأصبح طريح الفراش لا يستطيع المشي إلا عبر مساعدة من أحد أو على عكازات تسنده.
بيد أن هذه الإصابة لم تقعد طموحه، بل كانت مصدر إلهام له للبحث عن حلول لذوي الإعاقة الحركية، يقول العنداني «الشعور كان صعباً جدا عندما ترى شبابا حولك بعمر الورد، هذا فقد ساقه وآخر فقد يده. أنا مررت بفترة كنت مثلهم، هذا الأمر ألهمني لأقدم مشروعا لذوي الإعاقة الحركية، لِما أحسست به من معاناة كبيرة لديهم عندما كنت مريضا، الكرسي هو نصف حياتهم، بمجرد حمله من السرير تصبح حياته كلها على الكرسي». عششت الفكرة في خلده يغذيها إحساس موجع بحال هذه الشريحة، فطفق يبحث في هندسة مشروعه، لتوفير حل ناجع لمن يملكون كراسي كهربائية يحول شح الكهرباء دون الاستفادة منها.
يضيف العنداني «درست الفكرة مبدئياً، ثم اتخذت الخطوات اللازمة، وحددت ما أحتاجه وهي ألواح طاقة شمسية على كرسي متحرك، أخذت قياسات الكرسي وأبعاده وتأكدت من قدرة تحمله، بحيث لا نحمّله وزنا زائدا، ثم ذهبت إلى الحدّاد وطلبت منه صنع قاعدة سهلة الفك والتركيب، حتى نستطيع تثبيت الألواح عليها فوق الكرسي».
سرعان ما تحول حلم مصطفى إلى حقيقة فقد بات الكرسي يتحرك بالطاقة الشمسية، لكن ثمة عقبة عند وجود الغيم تكمن في البطاريات وجهاز يعمل على تخزين الطاقة ورفع القدرة، يقول الشاب الطموح «أول كرسي بالفعل كان مدهشاً، وبدأ الناس يتصلون بي، لكن ليست لدي إمكانيات لمساعدتهم».
وتشارك في الموسم الأول من «قصص ملهمة» مبادرات، وناشطون من دول عربية مختلفة، منها مبادرات من سوريا والسودان وموريتانيا وفلسطين وتونس وغيرها. وأطلق المركز موقعاً إلكترونياً خاصاً بمبادرة «قصص ملهمة» يتضمن تقارير عن أصحاب المبادرات والمشاريع الحقوقية الإنسانية المشاركة، ويمكن للمشاهدين التصويت من خلاله للمبادرة الأفضل التي سيتم تحديدها بناء على اختيار الجمهور.