مساحة الصين بحجم تونس ستين مرة: حب الوطن ليس حكرا على المسلمين الصينيين!

حجم الخط
0

كيلاني بن نصركتبت هذه الكلمات على باب مسجد مدينة جنان الصينية الذي بني في اواخر القرن السابع ميلادي وكنت قد زرته مؤخرا في شهر اوت2012 وفيه وجدت الاستقبال الحسن والشرح الضافي لتاريخ الاسلام في الصين وذكرتني تلك الوقفة بزيارة جامعي اشبيلية وقرطبة وقلت في نفسي ما اعظم شانك يا وطن الاسلام وما اوسع دارك وحز في نفسي التلاشي الذي تعيشه اليوم الامة الاسلامية التي كان ممتدة قرابة ال 12000 كيلومتر من المحيط الهادي الى المحيط الاطلسي وهي المسافة الفاصلة بين مسجدي اشـــبيلية في اسبانيا ومسجد جنان في الصـــين على شريط خط عرض 30 درجة شـــمالا وهـــو الشريط الذي يظم اعظم حضارات العالم بما فيها الحضارة العربية الاسلامية واكـــثر الـــدول تطـــورا حاليا وكانت الامة المحـــمدية ولا تـــزال تنـــاصــر بعضها البعض كانها دولة واحدة وتصلي لقبلة مشتركة وتطبق اركان الدين الحنيف على اختلاف اجناسها ولغتها.وحب الوطن من الايمان هو في الاصل حديث نبوي شريف وهناك حديث اخر جاء فيه قوله صلى الله عليه في خصوص وطنه مكة الذي كان يحن اليه ‘ما أطيبكِ من بلد، وأحبَّكِ إليَّ، ولولا أن قومي أخرجوني منكِ ما سكنتُ غيركِ’ رواه الترمذي (الحديث رقم 3926، ص 880) اما ما يؤكد بلا شك قيمة الوطن في الاسلام فجاء في الاية الكريمة عندما اشتاق النبي المصطفى إلى مكة موطن مولده ومنشئه أنزل اللَّه تعالى عليه قوله: ‘ إِنَّ الذي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَن لَرَادًُكَ إَلى مَعَاِد ‘ إلى مكة (صحيح البخاري) القصص 85 الاسلام وحب الوطن في الصين.ان حب الوطن في الصين ليس حكرا على المسلمين الصينيين حتى وان كتب على ابواب مساجدهم وانما نستشفه في تصرف كل افراد ذلك الشعب العظيم المتواضع والهادئ اللين ومن خلال الزيارات والاتصال بعامة الصينيين ويمكن القول ان دولة الصين وخاصة بعد تصحيح مسارها السياسي والثقافي من دولة شيوعية مائة بالمائة الى شيوعية متفتحة مرنة لم تكن ابدا معادية للعرب او حتى ازاء المسلمين الذين فتحوا مناطقها قادمين من الغرب عبر طريق الحرير العابر للصين ويذكر التاريخ ان الامبراطوريات الصينية المتعاقبة من 1406 الى 1911 (م) كانت تعتمد على تفاني القادة المسلمين الصينيين في حبهم لوطنهم وفي تسيير شؤون مقاطعاتها لما لهم من حنكة وقدرة في القيادة حتى بداية القرن العشرين ونجد حاليا عديد المحلات التجارية والمطاعم الفخمة على ابوابها لافتات باللغة العربية يسيرها صينيون مسلمون ويناهز عدد المسلمين في الصين المائتي مليون نسمة وتعتبر اللغة العربية اللغة الحية الخامسة في الصين وكتبت في اعلى الورقات النقدية الصينية ترجمة لقيمتها بالأحرف العربية والصين من البلدان القلائل في العالم التي لا نتوجس فيها سوءا لشعورك بالأمان في كل مكان او اي رد فعل عنصري اذا قدمت نفسك كعربي مسلم وللأمانة فقد انتابني نفس هذا الاحساس تقريبا عند زيارتي لكوبا والارجنتين ولسائل ان يسال ما الذي حدا بالصين لكتابة ‘حب الوطن من الايمان’ في اعلى مدخل مساجد المسلمين والارجح ان يكون الصينيون الذين نجحوا في انجاز ثورتهم الثقافية وانتشال اكبر تجمع بشري على البسيطة من الفقر المدقع وكانوا يعتبرون وربما على صواب ان الدين اذا اختلط بالمعتقدات الخرافية الشعبية واصبح يعني لدى العوام التخلي عن العمل والركون الى العبادة فقط يصبح افيونا للشعوب ولهذا السبب فصل الدين عن الدولة في الصين وعند الامم الراقية منذ عشرات السنين وتخصص الاولوية في الصين وفي كل دول العالم المتحضر لحب الوطن فهو ضرب من الايمان فالوطن هو الوسط الملائم لحياة الانسان وترتكز عليه الدولة التي لا يمكن لها ان تتقدم في فضاء غير منيع شعبه غير متماسك ومنقسم الى فرق وطوائف وحاليا هناك سعي لتفعيل دور الجمعيات الاسلامية من قبل الحكومة الصينية لمزيد العناية بشؤون المسلمين وترسيخ تعلقهم بوطنهم ويتواصل التساؤل كيف وصلت الصين التي مساحتها خمس اضعاف مساحة الجزائر وستون مرة مساحة تونس لتصبح نسبيا من انظف بلدان العالم والامن فيها مستتب على مدار الساعة وشارعها مدرسة للأخلاق الحميدة وكيف نجح بلد المليار ونصف نسمة في مسيرته التنموية في حين انه كان قد شرع في ذلك عندما بدأت دول الشرق الاوسط وشمال افريقيا تستعيد استقلالها من الاستعمار لتتبوأ الصين اليوم الصدارة في كل الميادين الحيوية فهي اكثر دول العالم تطورا في مجال التكنولوجيا العالية ولها اعظم بنية تحتية واكثر انتاج فلاحي في العالم ويتجمع فيها اعظم كنز من العملات الاجنبية وتتودد لها امريكا ودول الاتحاد الاوروبي ودول جنوب شرقي اسيا لتجري معها صفقات تبعدها عن عتبة الافلاس في حين تخلفت عن ركب الصين المتطورة البلدان العربية المسلمة في شمال افريقيا وفي المشرق العربي وإذا استثنينا الدول البترولية وهي على احسن حال لكنها دول مستهلكة لا تنتج إلا محروقات ستنفذ لا محالة ويبقى مسلمو الصين وشعوب الدول الاسلامية المستقلة عن الاتحاد السوفياتي سابقا وماليزيا وايران واندونيسيا والباكستان والمغرب الاقصى مثالا يحتذى به في جديتهم وحبهم لوطنهم واستعدادهم للتضحية من اجله تراجع حب الوطن في تونس ان الغاية من هذا الموضوع هي لفت نظر القراء العرب المسلمين والتونسيين بالخصوص الى المنحى الثقافي السياسي الغريب الذي اصبحت تتبعه دول شمال افريقيا من بينها تونس ما بعد الثورة اذ هو من غير المعقول ان يقف المسؤول التونسي موقف المتفرج العاجز ولا يفعل شيئا لتلافي ما يحدث منذ اندلاع الثورة من تراجع اقتصادي واجتماعي في هذا البلد والاشد مرارة من هذا ان يتجرا بعضهم على ايهام التونسيين ان الحكومة المؤقتة هي احسن حكومة في تاريخ تونس ويتواصل التلاعب بمصيرها ويتواصل البهتان الذي فهم منه ‘اغنياء الحرب الجدد’ ان البلد اصبح بلا رقيب ومرتعا لهم فقد دخلت دول ‘الربيع العربي’ بما فيها تونس في بهتة وغفوة قد تطول مدتها سبات اهل الكهف ولن ندري هل بعد اليقظة سيتواصل مدح ‘هذا الربيع العربي اليانع البلاستيكي’ ام قد يصبح في مستقبل بعيد حلقة مبهمة سائبة ونقطة استفهام في التاريخ العربي الاسلامي مثل هو الشأن في خصوص تاريخ الاندلس وعندها سنأسف وربما نلقي اللائمة على الاسلام الذي لا يمكن ان نحمله اية مسؤولية في ما حدث وما سيحدث لان الانسان العربي المسلم وخاصة المسؤولين السياسيين هم السبب اذا تواصلت الامور على هذه الوتيرة.فمنذ تولي الحكومة المؤقتة شؤون البلاد تراجع حب التونسي لوطنه وانطوى على نفسه بعد ان سلطت عليه حملة شعواء ظاهرها ديني وباطنها هدام لهذا البلد الصغير حيث انتصبت جماعات تدعي الاسلام والدفاع عن مستقبله ضاربة عرض الحائط بمقدسات شعبية تونسية جماعات خرج افرادها من ظلام دامس يذكرنا بالعصور المظلمة في اوروبا التي تميزت بتفشي الجهل والتزمت الديني الشديد وتعاظم دور الكنيسة في مختلف مجالات الحياة وأيضاً بانتشار الحروب. وجاءت فرق نكرة متغطرسة غير متعلمة لتشكك في تاريخ هذا البلد وفي كل انجازاته وفي تصرفات شعبه وقام بعضهم بإنزال العلم التونسي من اعلى المؤسسات الوطنية وحاولوا تحريف النشيد الوطني وتغافلوا عن قصد عن الاحتفال ببعض الأعياد الوطنية وكأن يوم البعث طلع على تونس يوم 23 اكتوبر 2011 وليس لها تاريخ بآلاف السنين وتقمص دعاة ‘الاسلام المستورد’ العاطلين عن العمل دور شرطة الدين والى هذا الحين هم يعتدون على بني وطنهم بالعنف الشديد دون ان يحرك المسؤولون الجدد ساكنا وعندما تحركوا كان تدخلهم مفزعا وزاد في تقسيم بني الوطن الواحد الى موالين للحكومة او الى كفار والاخطر من كل ذلك هو الدعوات الطوباوية لوحدة المسلمين وكسر الحواجز القانونية للحدود التونسية من طرف واحد ونبذ الشعور الوطني واركان الدولة واصبحت البلاد تستقبل بالزغاريد والطبول من كادوا لهذا الوطن في الماضي ومساجين وافدين من سجون الدول الاجنبية وعصابات الجريمة المنظمة والارهابيين الدوليين ورؤساء اموال منهم من له حقيبة وزارية في الحكومة المؤقتة لجأوا لتونس لا حبا فيها او بهدف الاستثمار بل لتبييض كنوزهم هربا من التتبعات القانونية في دول حريصة على حماية اقتصادها. وانقلب الهرم في تونس وعمت الفوضى جميع المؤسسات ما عدا الجيش ولم يتشجع احد في محاولة لترميم الهرم ثم اعادته الى وضعه الصحيح واستوت الامور فلم يعد هناك فرق بين الرئيس والمرؤوس والمهندس والعامل البسيط الذي استمد شرعية تقاعسه وعدم انضباطه من ثورة 14 جانفي وتراجع دور رجال الامن وجبنوا وخيروا التعامل بطريقة الارتشاء والفساد القديمة رغم كل العزائم الصادقة لدى رؤسائهم واختلط الشرف الصواب بالخطأ والدين بالشعوذة.موقف الصين من الربيع العربيفي حلقة نقاش بمؤتمر ميونيخ للأمن المنعقد في الاشهر الماضية حذر السناتور الأميركي جون ماكين نائب وزير الخارجية الصيني زانغ زيون من أن الربيع العربي قادم إلى الصين فرد هذا الاخير بحضور وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كسينجر، ‘إن الصين هي الصين.. وتلميح البعض إلى أن الربيع العربي قادم إليها هو أكثر من مجرد خيال، لأن الأغلبية الساحقة من الشعب الصيني وطنيون ويدعمون حكومة بلدهم’. وأضاف ‘أن الصين يبقى شعبها حساسا لأي نوع من التدخل في الطريقة التي تدير بها شؤونها الداخلية’.وتعتقد الحكومة الصينية الحالية ان شعوب الربيع العربي ستدفع ثمنا باهظا ‘للحرية’ وان الشرارة التي انطلقت من تونس في أواخر عام 2010، لم تحقق في واقع الأمر فرقاً كبيرا بين الماضي والحاضر، ولم يتمكن العرب من بلوغ غاياتهم وتطلعاتهم وإنما كبدتهم خسائر فادحة.وترى الاوساط الرسمية الصينية أن الشعوب العربية هي الضحية التي تدفع ثمن تلك الاضطرابات الشديدة التي أودت بحياة عشرات آلاف الليبيين واليمنيين والسوريين وأسفرت عن نزوح أعداد كبيرة تقترب من مئات الالاف خارج اوطانها وأن التغيرات السياسية التي وقعت كانت شرورها أعلى بكثير من منافعها وهو ما اتضح جليا في اليمن وليبيا وبلدان عربية أخرى تشهد تقلبات واضطرابات خلال مرحلة الانتقال السياسي فيها واخطرها الارهاب مثلما وقع في بنغازي اخيرا ويعتقدون ايضا ان الانتخابات قد تؤدي الى نجاح طبيعي للإسلاميين في الدول العربية وان على هؤلاء عدم التسرع في ربط العلاقات مع الدول الغربية مثل الولايا ت المتحدة وان الصين خير بديل لها نظرا للفائدة التي ستحصل لتلك الدول العربية الاسلامية من جمهورية الصين الشعبية وهو الموضوع المحتمل جدا مناقشته مع الرئيس المصري محمد مرسي اثناء زيارته الاخيرة لهذا البلد، ويؤكد الصينيون على انه إذا لم يتم وضع أسس سياسية سليمة ودفع النظام الاقتصادي والاجتماعي للمضي في مساره الصحيح، فان أي مخطط إصلاحي سيبقى حبرا على ورق وإن المحافظة على الاستقرار والأمن لها الأولوية القصوى في دول مثل تونس ومصر.وهكذا يجب ان توضع الوطنية في المـــقام الأول حيث ان الإصلاح والتنمية يــمثــلان الضــمان الرئيسي للاستقرار وإذا أرادت الحكومة التونسية المؤقتة النجاح في مهمتها عليها تعديل مسارها من منطلق تغليب مصلحة الوطن والشعب على الاعتبارات الدينية. ‘ عقيد متقاعد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية