مسار الإصلاحات والتعافي في لبنان طويل يتخطى 15 سنة والتعيينات ستحدّد الاتجاه بين المراوحة والتغيير

رلى موفّق
حجم الخط
0

ارتفعت الآمال في لبنان مع انتخاب رئيس للجمهورية وتأليف حكومة جديدة. إنجازان دستوريان حصلا بقوة دفع خارجية أكثر منها داخلية، حملا معالم بدء مسار التغيير الناجم عن التحوُّلات الكبيرة التي شهدتها المنطقة والتي طالت بلاد الأرز مع تراجع نفوذ «حزب الله» نتيجة حربه مع إسرائيل التي دخلها تحت عنوان «حرب إسناد غزة»، بعد يوم من هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر، الذي شنته حركة «حماس» على غلاف غزة تحت مسمى «طوفان الأقصى».
من الطبيعي أن يكون منسوب الأمل كبيرًا مع كل عملية تغيير، لكن التحدّي يبقى على الدوام في قدرة السلطة الجديدة على النجاح، خصوصاً حين تكون التحديات كبيرة وإزالة العوائق والعقبات صعبة وتحتاج إلى إرادة سياسية – وطنية أولاً، وإلى رجال دولة ثانياً، قادرين على اتخاذ قرارات إنقاذيه غير شعبوية وإجراءات جذرية من أجل إنقاذ الجمهورية.
فلبنان الذي طفت أزمته الاقتصادية على السطح عام 2019، مع الانهيار المالي وفقدان الليرة اللبنانية قرابة 90% من قيمتها، وانهيار القطاع المصرفي، وتخلُّفه عن سداد 30 مليار دولار من التزامات مالية خارجية، دخل في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023 حرباً استمرت قرابة 14 شهراً، إلى حين التوصُّل في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 إلى وقف لإطلاق النار، من خلال اتفاق رعته الولايات المتحدة الأمريكية، ويُشكِّل آلية تنفيذية للقرار الدولي 1701 الذي أقرَّه مجلس الأمن سابقاً لوقف حرب تموز/يوليو 2006 بين «حزب الله» وإسرائيل. ولكن لا يزال وقف إطلاق النار هشاً، ولم يتم الالتزام بتنفيذ بنوده تنفيذاً دقيقاً. لم تنسحب إسرائيل بالكامل من الأراضي اللبنانية وأبقت على احتلالها لخمس تلال استراتيجية، وتتهم «حزب الله» بأنه لم يخرج كلياً من جنوب الليطاني، وأنَّ الجيش اللبناني لم يُسيطر بعد بشكل كامل على الأرض ويُفكِّك البنية العسكرية لـ«الحزب». ويستمر الجيش الإسرائيلي بشن غاراته على مواقع متفرقة سواء في جنوب البلاد أو شرقها، فضلاً عن أن حجم التدمير الذي أحدثه في قرى الحافة الأمامية، بعد وقف إطلاق النار وحتى انسحابه، كان كارثياً، حيث مسح قرى بأكملها عن الخريطة.

الخسائر المباشرة
وغير المباشرة بالمليارات

بحسب تقرير «تقييم الأضرار والاحتياجات السريع في لبنان» التابع للبنك الدولي، الصادر في 7 آذار/مارس الحالي، فإن التكلفة الاقتصادية للصراع في لبنان بلغت بالإجمال 14 مليار دولار، مع أضرار لحقت بالبنية التحتية تُقدَّر بـ6.8 مليارات دولار، وخسائر اقتصادية ناتجة عن تراجع الإنتاجية، وفقدان الإيرادات، وتكاليف التشغيل بلغت 7.2 مليارات دولار، بحيث إن لبنان يلزمه 11 مليار دولار بشكل فوري لإعادة الإعمار والتعافي، سيتم تمويل ما بين 3 مليارات و5 مليارات دولار منها من الأموال العامة، بما في ذلك القطاعات المرتبطة بالبنية التحتية. أما نسبة الـ6 مليارات إلى 8 مليارات دولار من التكاليف، فتتطلب تمويلًا خاصًا، ولا سيما في قطاعات الإسكان والتجارة والصناعة والسياحة. ويُعَـدُّ قطاع الإسكان الأكثر تضررًا، حيث قُـدِّرت الأضرار فيه بـ4.6 مليارات دولار.
وأدى الصراع إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للبنان بنسبة 7.1 في المائة في عام 2024، وهو ما اعتبره التقرير انتكاسة كبيرة مقارنة بتوقعات نمو بنسبة 0.9 في المائة لو لم تحدث الحرب، مشيراً إلى أن التراجع التراكمي للناتج المحلي الإجمالي للبنان بلغ نحو 40 في المائة منذ عام 2019 وحتى حلول نهاية عام 2024.
الأضرار المباشرة جراء حرب تموز/يوليو 2006 قُدِّرت بـ2.8 مليار دولار، فيما بلغت خسائر الاقتصاد 2.2 مليار دولار، شكلت آنذاك 9.8 في المئة من الناتج المحلي. ووصلت التكلفة المباشرة للحكومة إلى 1.8 مليار دولار، بحسب تقديرات رسمية لبنانية.
لكن حينها كانت هناك مساعدات عربية ودولية لإعادة الإعمار بعد «حرب تموز»، وكان لا يزال هناك دعم خارجي للبنان للحؤول دون انهياره المالي – الاقتصادي، وكانت هناك أزمة النزوح السوري التي شكَّلت عبئاً على لبنان لكنها في الوقت نفسه مدَّته بالأموال التي أعطته نَـفَـساً أطول قبل أن يسقط مالياً واقتصادياً في تشرين الثاني/نوفمبر 2019. ومنذ ذلك الوقت، تستمر مطالب الإصلاح من السلطة الحاكمة، إصلاحات منها ما هو سياسي، ومنها ما هو مالي – اقتصادي – إداري، بغية مساعدة لبنان على البدء بعملية النهوض. تلك المطالب التي التزم لبنان بتنفيذها بقيت قيد البحث والمناورة والخلافات الداخلية والمزايدات ما أبقى لبنان غارقاً حيث هو في القعر.
توصلّت حكومة نجيب ميقاتي وفريق من خبراء الصندوق في نيسان/أبريل 2022 إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن السياسات الاقتصادية الشاملة التي يمكن اتباعها للاستفادة من تسهيلات الصندوق بما يعادل 3 مليارات دولار، إنما لم يصل الاتفاق إلى حيِّز التنفيذ بفعل التأخّر في إقرار الإصلاحات المطلوبة.
اليوم، يُبدي صندوق النقد الدولي استعداده لتقديم برنامج دعم جديد للبنان بعد انتخاب رئيس للجمهورية وتأليف حكومة جديدة، وقد وصل إلى لبنان وفد من الصندوق، يُفترض أن يبحث – بطلب من السلطات الجديدة – في برنامج الدعم للانطلاق نحو عودة تدريجية إلى التعافي إذا بدأت الحكومة بطريق الإصلاحات الذي تعرفه جيداً. وكانت المتحدثة باسم الصندوق الدولي قد أكدت سابقاً أن «صندوق النقد سيبقى منخرطاً مع السلطات اللبنانية، وملتزماً بمواصلة تقديم الدعم للبلاد من خلال المشورة الفنية وعلى صعيد السياسات، إلى جانب العمل مع المجتمع الدولي لدعم جهود الدولة لتعزيز عملية إعادة الإعمار، وتقديم المساعدات الإنسانية والمنح».

الاقتصادي بدارو: تفاؤل حذر

يقول الاقتصادي روي بدارو، إن لبنان لا يحتاج إلى وصفة جديدة من صندوق النقد الدولي، بل يحتاج إلى إرادة ورغبة في تطبيقها. هذا الأمر كان مطلوباً منذ عشرين سنة، ونحن لا نزال مكاننا.
في رأي بدارو، الذي يُبدي تفاؤلاً حذراً، «أن توازن القوى الداخلية والإقليمية لم يرسو بعد على مكان يمكن أن يؤمن استقراراً ثابتاً وعلى المدى الطويل، ذلك أن التصارع ما زال على أشده، ولا سيما أن لبنان هو نقطة في بحر ما يجري من حوله. والإصلاحات لا بدّ أن تكون جذرية وعميقة وليست سطحية بحيث تستطيع أن تقلب صفحة الماضي. لكن استقرار لبنان وثباته لا يمكن أن يتحققا طالما هناك سلاح خارج إطار الشرعية. وهذا لا يتعلق فقط بالسلاح الثقيل إنما بالسلاح الفردي أيضاً». ويقول: «نحن اليوم على باب قلب صفحة الماضي مع عهد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون وحكومة نواف سلام. لكن وقت الحكومة قصير جداً ويمكن ألاّ تسمح تشكيلتها بأن تقوم بإصلاحات عميقة. نحن بحاجة إلى أن نتحوَّل من (بلد زعران) إلى (بلد أوادم)، وهذا يتطلب الضرب بيد من حديد وإرادة وطنية ومساعدات داخلية وخارجية، لكن لا يزال هناك تعنّت من قبل إيران وحزب الله. وبالتالي، لا مجال للإصلاحات أو للتقدّم أو للحصول على المساعدات في ظل ذلك. وضعت الحرب لبنان في زاوية مزعجة جداً لمستقبل الأجيال المقبلة. ونحتاج إلى أن نتحرّر من الوضع الحالي لكي تنطلق عجلة النمو والازدهار للجميع».
هل نحن أمام فرصة ستضيع؟ يجيب: «بقاء السلاح يعني أن الأزمة مستمرة، ولكن هذه الحكومة ستديرها بالطبع بطريقة أفضل من الحكومة التي سبقتها. المطلوب من الحكومة أن تضع الخطوات الأولى لبدء الانفراج ومن ثم تأتي حكومة ما بعد الانتخابات النيابية لتُكمل العملية الإصلاحية العميقة التي ستأخذ وقتاً طويلاً يتجاوز الـ15 سنة، أي أنها ستحتاج إلى ثلاثة عهود رئاسية. لكن لديَّ ثقة بأن خطوة الألف ميل ستبدأ مع هذا العهد».
بالنسبة إليه، فإن أولى الإصلاحات الأساسية المطلوبة، و«أم الإصلاح» هي استقلالية القضاء، وكذلك قانون انتخابات جديد قادر على أن يفرز قوى جديدة ومتجددة على الساحة اللبنانية للخروج من الأندية السياسية المحصورة والمحادل الكبرى. ولا بد أن يظهر مسار التغيير في التعيينات، ولا سيما في حاكمية مصرف لبنان الذي سيحدّد الاتجاه الذي سيأخذه العهد، وما إذا كان حاكم مصرف لبنان سيكون قريباً من المصارف أم من المودعين أم سيكون شخصاً متوازناً بين الاثنين.
كان بدارو، وعبر مقابلة لـ«القدس العربي»، قد حذَّر سابقاً من أن لبنان سيتم إدراجه على اللائحة الرمادية من قِبل مجموعة العمل المالي (غافي – فاتف) التي أُنشئت لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار التسلّح، والتي تقوم بتقييم مدى التزام الدول بالمعايير الموضوعة لتحقيق ذلك من خلال فريق يدخل بعمق إلى كل الإجراءات والقوانين الخاصة بالبلد المعنيّ، سواء إلى الوزارات أو المؤسسات المختصة والنقابات، وخاصة نقابات المحامين ونقابة المدققين، ويجري تمحيص دقيق في إطار تقييمهم.
يتمَّ تصنيف الدول في إطار ثلاث لوائح: «اللائحة البيضاء» وتشمل الدول التي لا تحوم حولها شبهات مالية؛ و«اللائحة السوداء» التي تشمل الدول غير المتعاونة، و«اللائحة الرمادية» التي فيها بلدان متعاونة وأخرى غير متعاونة. وهناك شقّان في عملية التقييم، الشق القانوني الذي يحتوي على القوانين الملائمة والمتوافقة مع قواعد الـ«غافي». والبلاد التي ليس لديها القوانين الملائمة، عليها أن تقوم بجهد قانوني وتشريعي. والشق الثاني هو البحث فيما إذا كانت الدول التي لديها القوانين الملائمة متساهلة أم غير متساهلة بالعملية التطبيقية. يومها قال بدارو إن مجموعة العمل المالي تعلم جيداً أن العملية التطبيقية في لبنان متعثرة، وأن وزارتَي العدل والداخلية اللبنانيتين والشرطة القضائية لا يطبّقون القوانين بالصرامة المطلوبة منهم. في وضع لبنان، المشكلة ليست في عملية سن قوانين بقدر ما هي متعلقة بتطبيقها.
في رأيه، ما تغيَّر اليوم هو أن وزير العدل عادل نصّار عيّن لمتابعة الملف كريم ضاهر الذي يعلم خفايا اللائحة السوداء، والتي لا تعود أسبابها راهناً إلى النظام المصرفي (مصرف لبنان والمصارف) الذي قام بالالتزام الجدّي بإجراءات «فاتف»، بل تتعلق بالإجراءات المطلوبة لجهة التشريعات ولجهة آليات التنفيذ من قبل الضابطة العدلية وكتَّاب العدل والشرطة القضائية. نتائج تقييم «غافي» تعني إما أننا نحن في النظام العالمي وإما خارجه. وجودنا اليوم على اللائحة الرمادية يعني أننا نتماهى مع متطلبات النظام العالمي بجزء ونتناقض بجزء آخر، ولدينا فترة سماح لإنجاز الإجراءات المطلوبة، فإما نعود إلى اللائحة البيضاء، أي ندخل كلياً في النظام العالمي، وإما نُصنَّف في اللائحة السوداء ما يعني خروجنا من هذا النظام، وترجمته هي انتفاء قيمة ووظيفة ومهمة لبنان المبنية على الحريات واقتصاد السوق. ويختم: «خلال الـ18 شهراً نحن قادرون على أن نخرج من اللائحة الرمادية إذا كان الأفرقاء السياسيون واعين للخطورة التي تُحيط بنا».

بين الدعسة الناقصة وضرورات الوقت

قبل أيام، أقرَّت حكومة نواف سلام مشروع موازنة العام 2025 التي كانت أعدَّتها حكومة ميقاتي بمرسوم صادر عن مجلس الوزراء. لم تذهب إلى إعادة دراستها بحجة ضيق الوقت، وطلبت أن تتم محاسبتها على مشروع موازنه 2026 الذي ستعدّه، والذي يُفترض أن يحمل رؤية إصلاحية. في المبدأ، تعكس الموازنات خيارات المجتمع، ولكن قانون الموازنات وطريقة إعدادها وتبويبها وبنودها عمره أكثر من خمسين عاماً ويحتاج إلى تطوير وتضمين رؤية مختلفة وألاّ يقتصر على الصرف والجباية بل والمحاسبة أيضاً، برأي رجل الاقتصاد بدارو، وأن إصدار الموازنة كان لتجنّب الصرف على القاعدة الاثني عشرية، ومن خلال سُلف خزينة.
لكنَّ كثيراً من المراقبين رأوا أن إقرار الموازنة من دون إعادة دراسة وتمريرها عبر مجلس النواب هو «دعسة ناقصة»، تُشكِّل نكسة لانطلاقة الحكومة، وتضييعاً للفرص التي ستفقدها كلما مر الوقت، وقد تأكل من رصيدها الشعبي الذي حظيتْ به هي ورئيسها.
التحديات كبيرة، والأزمات تتراكم وتتعاظم، والامتحانات كثيرة، ومعالم المرحلة السياسية لم تُرسم نهايتها بعد حتى تنطلق رحلة الإصلاحات والتعافي، ومعها إعادة الإعمار التي تبقى «اللغم الأكبر».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية